الإعلام المصري و مقاومة فلسطين

بسم الله الرحمن الرحيم

الإعلام المصري و مقاومة فلسطين

“Media Puppet”, by hrn | deviantART

ما إن بدأ العدوان على غزة حتى انفتحت كل مسالك الإسهال الكلامي و الترهات الإعلامية المصرية على أوسع أبوابها, و لم تهدأ بعد.

جرى تحول للإعلام المصري بخاصة بعد ثورة 25 يناير, و ذلك بعد أن افتتحت عدد من القنوات الخاصة. في بداية الأمر كانت هناك عدة محطات ثورية لها توجهاتها المقبولة و تقف في صف الشعب ضد محاولات التشويه الإعلامية الحكومية. صار هناك صوت بديل للكذب الحكومي مسموع. ثم بدأ التحول شيئاً فشيئاً إلى وحل من التفاهات و الأكاذيب.

أغلقت عدد من القنوات, و الباقية إما أجبرت على أن تحول مسارها, أو تحولت باختيارها. القنوات التي بقت ليست جديدة في سيل التفاهات التي تجريها, و لكن كان في السابق من يرد عليها و يقابلها في الجانب الآخر. فبقيت اليوم وحدها, و لم يعد هناك فريق سوى فريق السفاهة.

الإعلام المصري إعلام فوضوي في بنيانه, خبيث في أجندته. فكل البرامج هي برامج سياسة, بغض النظر عن المحتوى المقصود (برامج طبخ, برامج رياضية, إلخ). و تكاثر “الخبراء” و “المحللون”. و ليس هناك من موضوع يتنزهون عنه. كما أن أسس المهنية الصحفية و الإعلامية غير موجودة, و أدنى أسس اللغة أيضاً معدومة.

إن بهتان الإعلام المصري في الشؤون الداخلية لمصر, و إن كان زوراً و كذباً, يبقى شأناً يعني المصريين أنفسهم و لا يحق لأحد أكثر من النصيحة. و لكن الامتداد إلى الشؤون الفلسطينية ليبدأ الكذب و التحريض ضدها هو حد ينبغي أن يوقف عنده.

لم تطلب المقاومة الفلسطينية من أحد التدخل أو التوسط, كما أنها لم تشر من قريب أو بعيد بأنها تريد “خدمة ً” من الجيش المصري أو حكومته. و رفض المقاومة لمقترح لم يعرض عليها و يراد أن يفرض عليها فرضاً هو حق كامل, بل واجب, لا يحق للطرف الذي أراد فرضه أن يشعر بـ “قلة القيمة” أو أن المقاومة تريد إحراجه لأنه هو من أحرج نفسه.

و المقاومة لم تطلب أي نوع من الدعم العسكري أو غيره من الحكومة المصرية. لذا فإن التشدق بحماية الجيش المصري و إحباط محاولات استدراجه على حد ادعائهم مردودة عليهم, و المراد منها ليس مصلحة الجيش أو الوطن كما يدعون, بل هو تأليب لأصحاب العقول الضعيفة (و التي تثبت التجربة أنهم يشكلون قطاعاً واسعاً من الشعب المصري بكافة طبقاته) على المقاومة بغلاف وطني مصري.

إن المقاومة في غزة لا تدين لمصر حالياً بأي شيء, فالحكومة المصرية هي من تغلق المعابر و تمنع المصابين من العبور إلى بلدان يمكنهم تلقي العلاج فيها, أو دخول المساعدات الطبية و الإنسانية. و تقوم بالتشاور مع عدوها ضدها, و تضيق عليها بكل السبل, فهم محبوسون في سجن كبير منفذه الوحيد يفترض أنه وطن عربي شقيق.

محاولة الظهور بمظهر المهتم بالشعب الفلسطيني, و موقف الحامي الذي يريد مصلحته, محاولة بائسة مرفوضة.

و سواء أكانت المقاومة “محتلاً داخلياً” كما تفوه به الإعلام المصري, أو “إرهاباً” ضد الأبرياء الإسرائيليين, و تبرير قتل الغزيين بصواريخ تقوض بنايات بأكملها بأنه دفاع عن النفس, كذلك أم لا (و هو بكل تأكيد لا شيء من ذلك) فإن ذلك يبقى شأناً فلسطينياً خالصاً في المرحلة الحالية بعدما تكالب عليها الجميع و تواطؤوا على قتلها, و نفضوا أيديهم من القضية تماماً, كما تظل أسطوانات البرامج “الإعلامية” المصرية تردد في كل حدث يخصهم (شأن داخلي مصري لا يحق لأحد التدخل فيه).

رغم أنني أثق أن كلامي هذا لن يغير في تصرفات المحطات و الصحف المصرية, و غالباً لن يجد العدد الكبير من القراء, إلا أنني أجدني مضطراً للتذكير ببدهية. إن كانت الحكومات العربية (و معها الشعوب) تجد نفسها عاجزة عن فعل شيء, فإن أقل ما عليها عمله هو ترك القادر على فعله. المقاومة في غزة و إطلاق الصواريخ على الأراضي و المدن المحتلة هو شأن فلسطيني (بما آلت إليه الأمور في عصرنا الحالي) لا يحق لأحد التدخل فيه, و لا يحتاج الشعب أو المقاومة إلى من يفرض عليه “النصائح” و يملي عليه الأوامر “لمصلحته”, فهو أدرى بمصلحته و أعلم كيف تدار الأمور في أرضه.

و لما كان طريق السند المالي مسدوداً, فإن الدعاء و الإعراض عن الخوض فيما لا علم للإنسان به هو من أسمى ما يمكن للمرء فعله في أيامنا.

إن تجارب السنة الماضية و التي قبلها إن منحتنا شيئاً إنما كان أن التأثير بالأكاذيب سهل. و أن شرائح عريضة من الجمهور العربي مستعدة لبيع عقولها بثمن بخس لأي فريق صوته أعلى و كلامه أكثر و إن كان عجاجاً. فصار من السهل جداً, و من العادي عند البعض, أن يتعامل مع الصهاينة على أنهم الأصدقاء و الحلفاء. و تشوشت الصورة عند كثيرين و ضاعت البوصلة في ظل سيل التأثيرات فلم يعودوا يعلمون في قرارة أنفسهم من العدو أو الصديق (فلسطين أو الصهاينة).

ارفعوا أيديكم و ألسنتكم عن الشعب الفلسطيني و مقاومته. صوموا, فإنكم ما صمتم شهركم.

ضاغط أزرار المصعد

بسم الله الرحمن الرحيم

ضاغط أزرار المصعد

By Bidgee (Own work) [CC-BY-SA-3.0], via Wikimedia Commons

في مصر (و الوطن العربي عموماً) توجد الكثير من الوظائف المخترعة التي ليس لها أهمية سوى أنها وظيفة للشخص, لكنها ﻻ تؤدي مهمة أو هدفاً حقيقياً. أحد تلك الوظائف هي وظيفة ضاغط أزرار المصعد. و هو شخص يقف في المصعد و يضغط زر الطابق الذي تقصده. و لا مانع أن يكون ذلك الشخص هو من يقرر من يستقله و من لا يحق له ذلك.

الهدف من تطوير المصاعد في القرن الماضي كان تحسين السلامة و السرعة و السعة, و لكن أيضاً جعلها أسهل بحيث لا تحتاج إلى شخص لتعمل. فالباب يغلق تلقائياً, و اﻷزرار الإلكترونية ترسل الإشارات إلى الإلكترونيات التي تتولى تنسيق المطلوب و تنفيذه. فلم عاد الزمن إلى الوراء في مصر ليعيد وظائف يفترض أن التكنولوجيا الحالية حلتها؟

ضاغط أزرار المصعد ليست الوظيفة العقيمة الوحيدة في مصر. هناك أيضاً صبي القهوة, التي تتلخص وظيفته أن يجلب المشروبات للموظفين. هل صارت مهمة غلي الماء خلال دقائق و وضع وريقات الشاي أمراً فوق الاحتمال؟ و هناك الشخص الذي يقف في الشارع حيث تقف السيارات و يصفر ليتقاضى نقوداً على تصفيره و مجرد وجوده هناك (ما يحاولون قوله للناس و كذبه ﻷنفسهم هو أنهم يقدمون خدمة التوجيهات لسائق السيارة خلال عملية الوقوف). هناك الشخص الذي يقف على أي باب ليفتحه و يقفله (طبعاً من باب أن مقبض الباب من أكثر اﻷماكن تجميعاً للبكتيريا, فهو يضحي بصحته من أجلك). هناك الكثير من الوظائف التي يفترض بالناس أن يؤدوها بأنفسهم و لكننا نجد شخصاً آخر أوكلت إليه. و موظف وضع ما اشتريته في أكياس في المحلات الكبيرة.

في حالة ضاغط أزرار المصعد, قد تكون مهمته هي تنفيذ تعليمات منع فئة من الناس من استخدامه. و لكن هذه المهمة بذاتها غير منطقية و غير أخلاقية.

تتكاثر مثل تلك الوظائف في الدول المتخلفة و المفلسة إدارياً. فتبدأ الدولة, و من بعدها الشركات, باختراع وظائف فارغة لتوفير عمل للجموع التي ﻻ تجد عملاً. من نتائج تلك السياسة مثلاً موضوع التصديقات التي تطير شهرتها في اﻵفاق. فنجد أن اﻵلة البيروقراطية تتطلب الكثير من الأختام و الطوابع من مختلف الأقسام و الموظفين, و بطلب كل تلك الأختام اخترعت وظيفة لذلك الموظف الذي ليس هدف سوى أن يرفع ختمه و يهوي به على الورقة, ثم تقسم الأختام كل واحد على موظف في نفس الدائرة… وظائف للجميع!

الدول المفلسة سياسياً تكون دولاً مفلسة إدارياً و اقتصادياً. و هذه نتيجة محتمة رغم ما قد يبدو عكس ذلك باﻷرقام. و الإفلاس الإداري الحكومي ينعكس على الشعب و القطاع الخاص. سواء كان ذلك بالتأثير المباشر (بأن يقلد الناس تلك السياسات الإدارية في المؤسسات الخاصة), أو بالتأثير غير المباشر على فرص التنمية الاقتصادية, فتفرض الإجراءات الطويلة و المعقدة لإنشاء الشركات و متطلبات وجودها, و توضع القيود على أنواعها أو أنواع الأنشطة التي يمكن للفرد ممارستها. و مع الوقت يصير نموذج الإقتصاد المنتج صعب التحقيق لعامة الشعب, فيتجه الاستثمار نحو الاستهلاك ﻷنه أسهل (و مع الوقت قد يحتكر أيضاً ﻷصدقاء الحاكم إن كان طريقاً سهلاً للغنى). فبدلاً من بناء مصنع يشغل اﻷيدي العاملة, يحتاج إلى الكثير من الإجراءات و التصديقات, و الرشاوى طبعاً, ثم يواجه الكثير من الصعوبات في استيراد المواد و تصدير المنتجات (ﻷنها تحتاج إلى المزيد من الإجراءات و التصديقات و الرشاوى), يمكن للمستثمرين أن يبنوا مراكز تجارية تحتاج إلى إجراءات أقل (و لمرة واحدة) تستقطب اﻷغنياء, ثم يؤجروا المساحات بأرقام عالية. المستثمر ليس عليه أن يشغل ضميره بواجب تشغيل الأيدي العاملة ﻷنه رمى ذاك الحمل على المحلات التي استأجرت عنده. أعد تطبيق الفكرة على كل مساحة فارغة تبدو و كأنها في موقع يمكن أن يستقطب الزبائن.

و في وقت ما خلال القرن الفائت أو أواخر الذي قبله, بدأ اﻷغنياء اختراع وظائف لينفقوا فيها أموالهم و يجلسوا مرتاحين بقية النهار. فصار هناك سائق شخصي (ﻷن قيادة السيارة أمر صعب), و هناك بواب يفتح لك الباب لتشعر بعظمتك (و ربما يبيع بعض الحشيش, و يمنع الوجوه البائسة من تنغيص حياتك المهمة), و هناك ضاغط أزرار المصعد (الذي ﻻ أريد تسميته مشغل المصعد, ﻷن المصعد لا يحتاج لمن يشغله) كي ﻻ تأثم أطراف أصابعك بلمس ما لمسه من لا تعلم من يكون, و ما المانع أن يكون ذاك الضاغط هو الذي يحميك من مشاركة المصعد مع من هم دونك؟

و كم هو مهم عملك و وقتك بحيث أن لا تستطيع أن تنظف الكأس الذي تشرب فيه القهوة أو الشاي, و لا يمكنك غلي ربع لتر من الماء في الإبريق الكهربائي لتصبه على معلقة السكر و كيس الشاي؟ كم يساوي جهد حملك لمخلفات أكلك إلى سلة القمامة في طريقك؟

أنا لا أعتقد أن الشركات الخاصة تحب إنفاق المال على تلك الوظائف, و لكنها صارت محفورة في ذهن المدراء أنها من الضرورات فتوقفوا عن التفكير فيها. الشركة قد تواجه الصعوبات المالية فتحاول تقليل إستهلاكها و قد تسرح الموظفين… و لكن صبي القهوة ليس بالحساب أبداً!

هل أنا ضد صبي القهوة, و ضاغط أزرار المصعد, و البواب؟ نعم. و لكنني لست ضد شخصه. ﻷن ذلك الإنسان يقوم بوظيفة مهينة (و هو قد لا يكترث لذلك, لكنني أكترث) و غير منتجة. هذا النوع من الوظائف ليس فيها التشجيع و الدافع الذي هو أساس رقي المجتمعات. هذا النوع من الوظائف هو شكل من البطالة الموظفة, صاحبها عاطل عن العمل, لكنه يذهب إلى عمله كل يوم!

مجتمع الكومباوند المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

مجتمع الكومباوند المصري

صورة كومباوند في كندا, مأخوذة من ويكيبيديا

ينتشر في مصر ما يدعى بالكومباند (و قد يدعى بالتجمع). و هو مساحة من الأرض, خاصة, لبناء عقارات سكنية. الكومباند مساحة خاصة لملاكها, تطورها و تديرها شركة استثمارية, بغرض بيع البيوت للأثرياء. و تلك المساحة في الغالب معزولة و مغلقة تشكل مدينة ً منفصلة ً بأهلها.

فكرة الكومباوند ليست مصرية. فهي موجودة في بلدان أخرى, مثل أمريكا, و في السعودية. لكن الفرق أن المستوى المعيشي في أي من البلدين أعلى من مصر. و رغم أن الكومباوند السعودي, على سبيل المثال (لأنني دخلت الكثير منها), يضم أغنياء و مغتربين لهم مساحتهم من الحرية بمعزل عن بقية السعودية, إلا أن الأثرياء ليسوا محصورين في تلك المنشآت.

زرت اليوم, لأول مرة, كومباونداً مصرياً. دخلت أسواره و أمضيت بعض الوقت فيه. الكومباند يقع في منطقة صحراوية. و رغم أن المنطقة حديثة, و لا تحيطها قرىً, إلا أن الفرق بين مستوى الكومباوند و المدينة واضح و كبير.

الكومباوند له أربعة بوابات, طوله حوالي 3 كم, و عرضه 1 كم. يحيطه سور و شجر. المداخل عليها حراسة, و لا يدخلها أحد بدون إذن أو مرافقة لأحد السكان. البوابات ليست مجازية؛ المداخل مقفلة و تفتح فقط عن الدخول أو الخروج.

الكومباوند مقسم إلى شوارع عرضية, و شارع دائري حول محيطه. و المباني عبارة عن بيوت بطبقتين (فيلا), مساحتها أكثر من 300 متر مربع. لكل بيت جراج, و حديقة أو ساحة خلفية. على زاوية كل شارع عرضي (الشوارع العرضية تتقاطع مع الشارع الدائري) هناك فرد أمن يجلس طوال اليوم. في منتصف الكومباوند هناك ناد ٍ رياضي و ملعب غولف بمساحة شاسعة.

الملعب فيه بركة سباحة, عدة ملاعب للعديد من الرياضات, و المساحة الخضراء الكبيرة التي يفترض أن تكون ملعب غولف. هناك أيضاً بركة صناعية في ملعب الغولف.

رأيت في الكومباوند بعض السكان يمشون (و هذا نادر, لأن الجميع يمتلك سيارة), و هم مختلفون تماماً عن أفراد الأمن أو العمال الذين يهتمون بالمساحات الخضراء و البساتين, أو الذي يقومون بأعمال البناء و التصليح (مررت على بيت كان يمر بعملية تصليح أو بناء).

الكومباوند كفكرة على إطلاقها ليس فيها عيب, إن قررت مجموعة من الناس بنفس المستوى أن تعيش مع بعضها فهم أحرار (رغم أن الصحيح أن يختلط الفرد من المجتمع بباقي أفراد مجتمعه). و لكن هذا مشروط بأن يكون البلد قد استوفى شروط التقدم, أو الرفاه, ليصير المجال مفتوحاً أمام مرحلة تالية من الرفاهية هي الكومباوند و المساحات الخضراء الشاسعة. و لكن في بلد يعيش حوالي نصف سكانه تحت خط الفقر, و نسبة البطالة فيه بين الشباب تصل إلى 50%, بلد تعتبر الـ 1000$ فيه مبلغاً ضخماً, و ميسور الحال يتقاضى 600$ كمرتب شهري… في مثل هذا البلد إنشاء كومباوندات يجب أن يوضع ضمن الجرائم.

العقارات في مصر ليست رخيصة, و بالأخص العقارات الحديثة في المناطق الجديدة. الكومباوند تشتري الشركة المطورة له الأرض من الحكومة, و في أغلب الأحوال تكون الشركة لها علاقاتها في الحكومة, و تشتري الأراضي بأسعار تقترب من التراب. مرة ً أخرى, في بلد لا يعاني, أو يتساوى فيه الجميع, يمكن أن تعتبر شبه المنح تلك من الحكومة للشركات كخطوة لسد الحاجة السكانية من المساكن, و لكن الشركات تلك لا تسد “حاجة”, لأنها تجارية ً تستهدف شريحة محددة ً جداً من المجتمع, و هي الأثرياء. الأثرياء لا يعانون من نقص الأماكن السكنية, و لكن الفقراء لا يجدون المسكن.

الكومباوند في داخله عالم منفصل عن مصر, هو على أرض مصر, و لكنه ليس من مصر! صدقاً نسيت أنني في مصر في إحدى اللحظات و أنا أتجول وحيداً. السكان ثرائهم مرتفع. مرأى السيارات الألمانية ليس غريباً, و أغلب البيوت أمامها أكثر من سيارة. البيوت التي أمامها أكثر من سيارة غالية ليست قليلة. أحد البيوت وقفت أمامه ثلاث سيارات مرسيدس, و سياراتي تويوتا (يبدو أنها للأولاد!). الشوارع نظيفة, و الخضرة من عشب و ورود تعم رغم أننا في الصحراء. الجو هادئ جداً, لا ضجيج, لا دراجات نارية تطلق أبواقها, أو سيارات أجرة تنادي! الحياة فيه مريحة جداً.

و لكن هذا هو بيت القصيد. مصر ليست كذلك! الشعب لا يعيش في مدن نظيفة مرتبة, خضراء و مزروعة, شوارعها مرصوفة و ملساء. الشعب أغلبه لا يمتلك سيارة حتى, و سعر أرخص سيارة مستعملة ليس أقل من 10,000 جنيه.

من حق الغني أن يتمتع بماله, إن كان كسبه بالحلال. و لكن أيضاً من حق الفقير و العادي من الشعب أن يكون لديه ما لدى الغني. صحيح أن الأغنياء اشتروا بأموالهم تلك البيوت. و لكن الحكومة فضلتهم على البقية حتى و إن لم يشعروا بذلك. فالأرض التي بني عليها الكومباوند كسب منها المسؤولون. و المساحات الخضراء تستهلك كميات عظيمة من الماء في بلد يفترض أنه يمر في أزمة كهرباء و ماء. الكومباوند هو حفرة النعامة للأغنياء, يعملون في شركة على طراز أجنبي (ربما في نفس محيط المنطقة الغنية حيث تظهر مساحات مكتبية أيضاً), ثم يعودون ليعيشوا في قرية خاصة بهم لا سلطة لأحد عليهم و كل شيء متوفر.

الكومباوند مشكلة لا أستطيع أن أقدم حلها, لأن الحل ليس في القاعدة. بل هو في رأس الهرم. الحل هو تغيير سياسات الحكومة الفاسدة. كل تلك المساحات التي تمنحها الحكومة للشركات الاستثمارية لتبيعها للأغنياء, أين حق الفقراء في مدنهم و بيوتهم التي يستطيعون شرائها بسعر معقول؟ أين حق الفقراء في الكهرباء و المياه التي تنقطع مرات في اليوم؟ أين حقهم في شوارع نظيفة و مرصوفة؟ بل أين حقهم في مرتب عادل و عدالة اجتماعية؟

الفجوة بين عامل النظافة أو البستان في ذلك الكومباوند اتساعها مهول تبتلع جبالاً. ترى ما هو شعوره و هو يرى الأثرياء يلهون و لديهم الوقت للإلتفات لكماليات الحياة؟ ما هو شعور كل أولئك العمال الذين يتقاضون مبلغاً شهرياً قد ينفقه أحدهم على غداء في أحد المطاعم؟ ما هو شعورهم و هم يدخلون الكومباوند كل يوم في سيارة توصلهم لمكان عملهم المنوط بهم, ثم تجمعهم آخر النهار من أنحاء الكومباوند؟

كثيرون قد لا يتلفتون لكل ذلك, أو لا يخطر لهم. و يبدون الإعجاب بخضرة الكومباوند و ترتيبه, و نضارة العيش فيه. قد يظن القارئ أنني سوداوي أو متشائم, بدلاً من الاستمتاع بيومي داخل أسواره رحت أبحث عن العيوب و النواقص. و لكنني لست كذلك. وجود تلك الكومباوندات وسط صحراء البؤس و مدن الفقر جريمة و عار. إنه إثم عظيم و كبيرة. وجود فرق بين المدينة العادية و كومباوند الأثرياء بذاك الاتساع ليس طبيعياً و لا عادياً.

المجتمع الحر و المفتوح

بسم الله الرحمن الرحيم

المجتمع الحر و المفتوح

كتبت أمس موضوعاً عن أنظمة التشغيل الحديثة, و أردت أن أكتب المزيد عن المجتمع الحر و المفتوح, و لكن الموضوع فقد ترتيبه في عقلي. كما أنه طويل. لذا كتبت هذا الموضوع.

بدأت منذ السنة الماضية مخالطة أفراد من المجتمع الحر و المفتوح بشكل شخصي. ليس فقط من خلال الاجتماعات الافتراضية على الإنترنت, أو ساعات النقاش الطويلة في قنوات IRC.

الانتماء إلى مجموعة فريدة من الناس لا يفهمها الكثيرون شعور جيد و تجربة ممتعة. منذ فترة طويلة و أنا أبحث عن أحد يفهم ما أقوله عندما أدخل في موضوع تقني. و لكنني في النهاية قررت أن أترك تلك المجموعة و لا أظن أنني سأعود.

هذه بعض الملاحظات التي أتمنى أن يأخذها أعضاء ذلك المجتمع, أو يتفكر فيها الذين يقررون مستقبلاً الانضمام.

1) استخدامك للبرمجيات المفتوحة أو مساهمتك في مشروع حر لا يعني أنك أفضل من المستخدمين أو بقية الناس. هناك شعور بالفخر يصل إلى الغرور و التكبر على أصحاب المهارات التكنولوجية المحدودة من جزء كبير من المطورين و أفراد المجتمع الحر. هناك أفراد في المجتمع الحر لا يستطيعون كتابة الأكواد أو تجميع البرامج, لكنهم يستخدمون البرمجيات الحرة أو يستخدمون أنظمة تشغيلGNU/Linux. و هذا جهد مشكور, فعلى الأقل أولئك الأشخاص يعرفون عن البرمجيات الحرة, و منهم من يحاول نشرها. هناك جزء آخر يشعر بأنه أفضل من ذاك المطور الذي يطور على نظام Windows أو Mac, لأنه يستخدم برمجيات تجارية. العبرة هنا بالعلم لا بالأدوات.

2) للبرمجيات و المشاريع الحرة مزايا و مساوئ. ككل شيء في الدنيا, هناك مزايا و مساوئ يجب علينا كمستخدمين للبرمجيات الحرة الإقرار بها. لا توجد قطعة برمجية كاملة. و كون برنامجاً خرج من بيئة تجارية (كنظام Windows مثلاً, أو تعريفات NVIDIA) لا يعني أنه يحرم استخدامه أو أنه غير جيد. يجب على الجميع أن يدركوا أن ما يناسبهم قد لا يناسب غيرهم, رغم أن ما معك أفضل, من وجهة نظرك. كما أن وجود البديل الحر ﻻ يعني أنه على الجميع ترك البرمجية التجارية رغم أن جودة أو سرعة البديل المفتوح أقل (يلمس ذلك بشدة في التعريفات, خاصة تلك المتعلقة ببطاقات العرض). في ذات الوقت أتمنى من الشركات أن تتجه نحو الانفتاح أكثر.

3) المجتمع الحر منقسم في داخله إلى فرق. رغم أنه بظاهره مجتمع واحد, و رغم أن الهدف واحد, إلا أنه هناك انقسامات و تعصبات. فمستخدمو FreeBSD و Unix يكرهون Linux, و مستخدمو التوزيعة(distro) تلك يكرهون التوزيعة الفلانية. مستخدمو KDE يتهمون مستخدمي GNOME بالبساطة, و مستخدمو vi يدعون أن Emacs يسبب تجمد الإصبع الصغرى (رغم أن حرب المحررات “Editor war” انتهى وقتها, لكن ما يزال لكل برنامج فريقه), Perl أم Python؟

4) سلوك الـ “RTFM”. اقرأ الكتيب اللعين. هذا السلوك موجود بشدة في مجتمع Arch Linux (لا أخجل من ذكرهم بالاسم. و ليس سلوكاً مقتصراً عليهم وحدهم). Arch لديه Wiki مفصلة و جيدة تشرح أجزاءً كثيرة من النظام. لكن بعض النقاط غير مشروحة أو غير واضحة. هناك افتراض لدى شريحة من المجتمع الحر أن المستخدم لا بد و أنه صاحب فهم تقني متقدم لأنه اختار تلك التوزيعة أو ذاك البرنامج, و هو ما قد لا يكون صحيحاً بالضرورة, أو أن صاحب السؤال ليست لديه خلفية عن المشكلة التي يواجهها (نظام التشغيل في النهاية هو مجموعة كبيرة من الأدوات و الأجزاء و لا يمكن أن يلم بها كلها شخص واحد). هذا السلوك منفر للمستخدم المبتدئ, و منفر أيضاً للمستخدم المتقدم. و إن كانت المعلومة موجودة و لم يكلف الشخص البحث عنها فيكفي توجيهه نحوها مع وضع ملاحظة لطيفة بالبحث مستقبلاً قبل السؤال.

5) سلوك “افعلها بنفسك”. مجتمع البرمجيات الحرة يعتمد على تقارير العلل (Bug reports) لتصحيح الأخطاء و تحسين البرنامج. هناك ضغط على المطورين الذين هم في أغلبهم متطوعون لديهم أشغال أخرى و المساهمة في المشروع الحر مجرد هواية. ليس مطلوباً من الجميع أن يعرف البرمجة. هناك أفراد يبرعون في الاختبار و ملاحظة الأخطاء أو التحسينات الممكنة, لا يقلون أهمية ً عن فريق كتاب الكود. هناك الكثير من التحسينات التي تنسى أو تأخذ وقتاً طويلاً لإصلاحها لعدم التفات أحد إليها, ثم تشطب تلقائياً من متتبع العلل لأن نسخة ً أحدث صدرت (في أغلب المشاريع يعتبر المتتبع المشاكل الخاصة بالنسخة القديمة محلولة ً تلقائياً إلى أن يقوم المستخدم بإعادة نشرها) رغم أنها بسيطة و لا تتطلب الكثير من الوقت أو الجهد.

6) إن كنت مكتشفاً حديثاً للبرمجيات الحديثة فاضبط حماسك. هناك أعداداً لا متناهية من المراهقين الذين يكتشفون عالم البرمجيات الحرة و المفتوحة, و ينقلبون فجأة إلى أشد المدافعين عنه. هناك أمر يجب على الذين يستخدمون البرمجيات الحرة إقراره, و هو أن Windows أو Mac OS X ليسا نظامي تشغيل سيئان. بالنظرة الموضوعية WinXP و Win7 من أفضل أنظمة التشغيل الموجودة للاستخدام المكتبي, و إن كنا لا نتفق مع سياسة Microsoft الشجعة و المعادية لكل ما هو مفتوح. أو سياسة Apple بأن كل ما هو ليس Apple فليس بجيد.

7) إن كنت مستخدماً قديماً للبرمجيات الحديثة فاضبط أعصابك و حماسك. هناك كمية من التعصب الأعمى و التدقيق التافه في التفاصيل عند بعض من يسمون أنفسهم محترفين قدامى. هناك أناس يتعاملون مع Linux و كأنه دين, و مع Linus Torvalds و كأنه لا يخطأ. و تتلقى سيلاً من الهجوم إن انتقدت أفعاله أو توجهات ما يسمى بالـ upstream (و هو ما يمكن اعتباره الإدارة في المشروع, أو المطورين القدامى الذين يتعاملون مع دقائق المشروع الصعبة), أو أخطأت في جزئية (أو حتى عدم تمسية لينوكس باسمه الكامل GNU/Linux!). و بدلاً من مناقشة الفكرة, ينتقلون إلى الدفاع الأعمى و الاتهامات الجزافية. Linus يتخذ بعض القرارات الغريبة. التطرف في المجتمع الحر جارح و هدام.

8) يجب على المجتمع الحر أن يلتفت للمستخدم العادي. ينسى الكثيرون المستخدم العادي, الذي يستخدم التقنية بشكل عادي. هناك الكثير ممن يقودون السيارات, و ليس مطلوباً منهم أن يكونوا سائقي سباق. المستخدم العادي لـ Windows لا يضطر مرة ً واحدة ً لفتح سطر الأوامر, و كل البرامج التي يستخدمها لها واجهة رسومية. لا يمر يوم على Linux دون أن أفتح سطر الأوامر و أكتب فيه. أنا أحب هذا, و أفضل البرامج السطرية على البرامج الرسومية. أحس أن كفائتها أعلى. و لكن الواجهة الرسومية أسهل, و هو ما يبحث عنه المستخدم العادي, و ليس بالضرورة أن تفضيلي هو اﻷصح. هناك الكثير من التعديلات و التحسينات في الـ Linux kernel التي تهتم بالأجهزة عالية الأداء, التي فيها 1024 معالجاً و 1TiB من الذاكرة. و لكن لا يوجد الكثير من الاهتمام بالمعالجات الصغيرة كالتي نجدها في الأجهزة المحمولة أو اللابتوب. كما أن المستخدم العادي لا يهتم بما تحت الغطاء قدر ما يهتم أن النتيجة تبدو جيدة و تعمل بسلاسة. أمراً “تافهاً” كعمر البطارية أو عمل لوحة اللمس بشكل صحيح يهم المستخدم أكثر بكثير من كفاءة معالجة المعادلات. كما أن هناك افتراضاً بأن المستخدم إن قام بطلب أمر ما فهو يعلم ما يقوم به و لا يوجد اعتراض من قبل النظام على ذلك, هذا قد يؤدي إلى نتائج كارثية كان بالإمكان تفاديها.

9) مخالفك بالآراء ليس عدوك. عند طرح الأفكار في الاجتماعات هناك دائماً ذاك الشخص الذي أمضى وقتاً طويلاً في المشروع الذي ينفخ أو ينظر شزراً إليك… و كأنه يقول فكرتك طرحت قبل ذلك عشرات المرات… نعلم!! هناك بعض الأشياء التي تبدو و كأنها تحتاج إلى الإصلاح لأنها ليست مزحة. ليس من المنطقي أن يقوم yum بتنزيل 9MiB من البيانات قبل التحديث, و خلال التحديث لتنزيل برنامج حجمه 80KiB! هذه البيانات هي معلومات التحديثات و التغييرات في الـ repo, فيها قائمة للبرامج و وصفها إلخ. لماذا لا تعتمد فكرة الـ Delta RPMs في الـ repos؟ أو لماذا يحتاج البرنامج إلى تنزيل نفس المعلومات مرتين بينهما دقائق؟ هناك جوابان جاهزان دائماً: افعلها بنفسك, و سمعناها قبلك كثيراً! هناك جواب آخر و هو “غير قابلة أو صعبة التطبيق” رغم أنها ليست كذلك.

10) عدم وجود خطة واضحة “تجارية” للمشروع. ما أقصده هو أن أغلب المشاريع الحرة تعمل على مبدأ “البركة”, و لا تعامل المشروع كبيزنس (و إن كان مجانياً). فتتأخر المواعيد بشكل متكرر. أو تكتب الأكواد و لا تتناسق في شكلها العام. هناك الكثير من الكود الذي ما زالت تفاصيله تعيش في رأس المطور. البرنامج مطروح, و لكن لا شرح أو تفسير للكثير من الخيارات. ليس هناك Standards واضحة و محددة, كل فريق و مشروع يحدد ما يريده (هذا جزء من فلسفة البرمجيات الحرة: الحرية, لكنه أيضاً سبب لتشتت الجهود و كثرة الخيارات بدلاً من توحدها على شيء واحد ممتاز). عدم وجود توحد للمعايير متعب للمطور الذي يحتاج إلى تعديل برنامجه لكل توزيعة على حدة رغم أنه من المفترض أنه كله يدعى Linux, ﻷن كل توزيعة تقرر تبني توجه و طريقة غير اﻷخرى.

المشكلة في أنظمة التشغيل الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم

المشكلة في أنظمة التشغيل الحديثة

صورة Windows 8 مأخوذة من هذه الصفحة

هذا الموضوع يدور حول قضية تقنية. الكلمات و التعبيرات بسيطة و يسهل فهمها قدر الإمكان, لكنه لا يخلو من لمسة تكنولوجية. بعض المصطلحات يصعب ترجمتها أو ترجمتها لا تعطي معنىً مفهوماً.

أنظمة التشغيل قديمة بعمر أجهزة الكمبيوتر, و كانت موجودة قبل أن يصبح الكمبيوتر جهازاً بيتياً, عندما كانت تحتل غرفاً كبيرة و تزن أطناناً.

نظام التشغيل هو الحلقة بين المستخدم و المكونات الصلبة (Hardware). و على مدى عمر الكمبيوتر تطور نظام التشغيل و مبدؤه. المبدأ الأكثر شهرة, و الذي يعرفه أغلب المستخدمين الحديثون هو ما يدعى بالـ “مجاز المكتبي” (Desktop Metaphor). يتكون من نوافذ و قوائم, و مجلدات, و سطح مكتب… ما يعرفه الناس. عمر هذا التصميم حوالي الثلاثين سنة من الاستخدام, أو ما يقرب من أربع و أربعين سنة من الاختراع.

مع انتشار الأجهزة المحمولة بشاشات اللمس, كالهواتف الذكية و الأجهزة اللوحية, صارت محاولات إدخال مبدأ أجهزة اللمس بخياراتها المبسطة إلى أنظمة التشغيل الخاصة بالأجهزة المكتبية أكثر وضوحاً. و نتج عنها أنظمة تشغيل مثل Windows 8, و بيئة GNOME 3 على أنظمة GNU/Linux, و إلى حد ما في Mac OS X باعتمادها على حركات لوحة اللمس, و اختصار الخيارات.

أنا أدرك أن المستخدم العادي, و الذي يمثل الشريحة الأكبر من المستخدمين, يحب الأبسط, أو ما يعمل مباشرة دون الحاجة لتعديلات أو تدخل (Out of the box functionality) كأن تعمل الكاميرا أو الطابعة دون الحاجة لتثبيت برامج إضافية. مثال آخر هو بساطة لوحة التحكم أو الخيارات.

هذه الأشياء جميلة, و توفر الوقت. رغم أنني أحب التحكم الكامل بالتفاصيل, إلا أنه في بعض الأحيان لا وقت لدي لإعادة اختراع العجلة أو أمل من التكرار (كمثال, أحب أن أعدل إعدادات الـ kernel قبل تجميعه, أو صنع Initramfs بشكل يدوي. و لكن التوزيعة التي تقوم بكل ذلك بشكل تلقائي توفر الكثير من الوقت).

مثل هذه الأنظمة على الأجهزة الذكية أو اللوحية تعمل بشكل ممتاز, لأن مبدأ تلك الأجهزة يتناسب مع طريقة أداء المهمات تلك. لكن أين المنطق في صنع نظام تشغيل يعامل الفأرة كمعاملة الإصبع على شاشة اللمس؟

لماذا قرر المطورون أن النوافذ و المجلدات صعبة و يجب تبسيطها؟ متى صار من المعقد أن يكون هناك أكثر من زر للاستخدام (في أجهزة اللمس؛ الإصبع يقوم مقام الزر الشمال في الفأرة, و لا وجود لزر يمين) أو تكون هناك قوائم بتفرعات؟
قد يكون المستخدم العادي سعيداً باختصار الخيارات إلى ضغطتين أو ثلاث, أو لا يهتم على الإطلاق, و لكن لماذا يحرم المستخدم المتقدم من خياراته التقليدية؟ و ليس فقط المستخدمون المتقدمون هم الذين يعترضون على التبسيط الزائد, فنجاح Win 8 المحدود بالمقارنة مع Win 7, و إعادة قائمة Start إلى آخر تحديثات Win 8.1 دليلان على عدم القبول.

رغم اعتراض المستخدم, إلا أن المطور في النهاية يفعل ما يريد و يجبر المستخدمين على طريقته. خاصة إن كان المنتج الذي نتكلم عنه يحتل المساحة العظمى من السوق, كـ Windows. رغم وجود تراجعات في جزئيات معينة (صغيرة بالمقارنة مع المنتج النهائي, كإعادة زر Start, ثم القائمة في Win 8.1) إلا أن المطور في النهاية يستمر في الاتجاه الذي رسمه.

لا يمكنني أن أفصل كثيراً في عيوب Windows 8 لأنني لم أستخدمه كنظام دائم. لكن يمكنني أن أتحدث عن نظام التشغيل الذي أستخدمه بشكل يومي.

قبل أن يقرر القائمون على مشروع GNOME الانتقال في اتجاه بعيد عن الـ Desktop metaphor في النسخة الثالثة, كنت مستخدماً لـ GNOME 2 و أفضله على أي Desktop Environment أخرى في Linux. لكنهم سبقوا Microsoft بفكرة تحويل سطح المكتب إلى بيئة تتناسب مع اللمس. و كان التبرير هو رغبة المشروع في توحيد الواجهات لكل الأجهزة على اختلافها (فتكون الواجهة في الجهاز المحمول أو اللوحي هي نفسها على الجهاز المكتبي), و لكن المشكلة في ذلك التبرير هو أن GNOME يستخدم بشكل شبه حصري على الأجهزة المكتبية. واجه التحول الكثير من الانتقادات, و تحول عدد من المستخدمين إلى بيئات أخرى. و أنشأ مطورون بيئات مبنية على GNOME 2, أشهرها MATE و Xfce. لن أعود إلى GNOME مرة ً أخرى. المشاريع الحرة ليس من المفترض أن تسير بهذه الطريقة.

خلاصة الموضوع أن GNOME 3 لا يوجد فيه سطح مكتب توضع عليه المجلدات أو الملفات (يمكنك فقط تغيير الخلفية), و لا ضغطة زر يمين. اختصر كل شيء, فصار الإغلاق و إعادة التشغيل عبارة عن زر. و الشبكة زر. لا وجود لشريط المهام (Taskbar), و تستطيع استخدام نافذة واحدة فقط (رغم أن هذا تغير قليلاً فيما بعد).

أحب عالم البرمجيات الحرة و المفتوحة (Free and Open Software ‘FOSS’), لكن ذاك العالم لديه مشاكله أيضاً. أبرزها اعتمادها على الأفراد و المتطوعين لإنجاز العمل. و هو ممتاز للإنتاجية, لكنه أيضاً يخلق مشكلة عدم التناسق (فلكل مطور طريقته في كتابة الكود), و مشكلة الكود المهمل (و هو برنامج أو كود كتبه صاحبه, لكنه لم يعد يطوره أو ينتج نسخاً جديدة). أفراد المجتمع الحر و المفتوح يشاركون لأنه شغفهم. الشركات المنتجة للبرمجيات تعمل من أجل الربح, و المطور فيها لديه “وظيفة”.
محدودية المطورين إلى الطلب أو المشاكل تؤدي إلى ضغط على القائمين على المشروع, و إعادة ترتيب للمهمات و الأولويات. في حين أن مايكروسوفت ربما لديها فريق كامل يعمل فقط على الألوان و الخطوط, و آخر يعمل على الأيقونات, يستلم مطور واحد العمل كاملاً على ذلك في مشروع حر, أو يتعاقب عليه أكثر من مطور. و بالطبع فالنتيجة أن التفاصيل الصغيرة في ويندوز موجودة, و لكن لا وقت لدى المطورين في KDE على سبيل المثال للالتفات لها لوجود أولويات أعلى. هذه التفاصيل الصغيرة قد تنفر المستخدم, رغم أنها من ناحية الاستخدام و العملية لا تؤثر (كأن يكون شكل الخط غريباً). و هناك نسبة كبيرة من المطورين في تلك المشاريع ردة فعلهم تجاه الاقتراحات أو الانتقادات “افعلها بنفسك إن كانت لا تعجبك”.

كما أن هناك مشكلة التفرع. و هي تعدد المشاريع بنفس الأهداف أو تقاربها, و لكن لا تتوحد في عملها. هذا التعدد مع التقارب في الشكل و الأهداف يحير المستخدم, حتى المتقدم.

و هناك مشكلة الإنتاج الكثير دون التوثيق. هناك كمية كبيرة من البرامج التي لا توثق بشكل كافٍ استخدامات البرنامج أو خيارته, أو تبريرات استخدام طريقة معينة في أداء الوظيفة. أحد أشهر الأمثلة هو Linux Kernel. هناك الكثير من الخيارات فيه ليست مشروحة, أو ليس موثقاً طريقة عملها المفصلة, فلا يستطيع المطور أن يستخدمها بكامل قوتها أو بالطريقة الصحيحة. في هذه الحالة هناك خياران, إما أن يقرأ الكود, أو يعود إلى قوائم النقاش التي دارت وقت اعتماد الكود. الطريقة الأولى ليست مضمونة, و كلاهما يستهلك كمية عظيمة من الوقت.

في النهاية, إن كانت الشركات و المطورون يريدون تبسيط الأمور فلا مانع في ذلك. سطر الأوامر ليس مناسباً للجميع. و لكن لا تسلب المستخدمين المتقدمين حقهم في نظام متقدم. أعلم أن الشركات يرون المستقبل يلوح فيه الجميع كالمغفلين أمام شاشات فيها مستشعرات حركة, أو سيارات تقود نفسها, و بيوت تضيء و تطفئ من تلقاء نفسها… احترموا قدرة الإنسان على التعلم و حقه في الفعل. قيادة السيارة أو تغيير حجم الخط و لونه ليسا من علم الفضاء و الفلك!

خرافة أجمل مدينة

بسم الله الرحمن الرحيم

خرافة أجمل مدينة

يتكرر ذكر جمال مدينة أو بلد ما كسبب من أوائل أسباب حبها. و هو سبب جائز. لكن الجمال ليس وحده مقياس أو معيار.

تتكرر الصور التي أراها التقطها هواة التصوير لمناظر أو أماكن في مدن أعرفها جيداً بطريقة خلابة أو معبرة. كما أن صور المشاهد مع عبارة أو حكمة تحتها منتشرة كطريقة لإعطاء سياق.

تشعر للحظة بالفخر “هذه مدينتي” إن كنت بعيداً عنها أو نسيت ذاك الجزء في الصورة. أو تشعر بسطحية من صورها خاصة إن كانت من سائح او مقيم عابر لفترة قصيرة يعيش فيها شهر عسل مع ذاك البلد أو المدينة.

إن الصور بطبيعتها تقتطع جزءاً من الحياة و تحفظه, ثم ينسى الناس الأجزاء و يبقى ما حفر في الورق أو “البكسلات” يذكرهم من وقت لآخر بكسرات الذاكرة الباقية, أو تعرض نفسها كحدث مقطوع من سياقه.

الحياة في مدينة أو بلد مركب معقد يتكون من البشر و الأرض, و الحكومة و الاقتصاد, و البنى التحتية و المواصلات, و غير ذلك الكثير مما يكون في مجموعه ما يعرف بمقومات الدولة أو الوطن. و وجود المقومات لا يعني ضرورة أن النتائج واحدة باختلاف الخلطة. فالكعكة لها مجموعة عامة من المكونات (كالطحين و الزيت و السكر), لكن الكعك منه الجيد و الرديء, و منه ألوان و أطعمة.

تلك الصورة الفريدة لشعاع الفجر مخترقاً أسقف السوق العتيق مميزة و جميلة فنياً. صور المتظاهرين التي تحكي ببلاغة صامتة ثورتهم ضد مستبد طغى معبرة و مؤثرة و تختصر الكثير من الكلمات. صورة المتسول المبتسم رغم أسماله البالية و بدنه المعفر تحرك المشاعر و تدفعك للابتسام لأنك بكل تأكيد أفضل حالاً منه.

لكن الصور ليست آخر الطريق. و لو كانت مدينتك أجمل مدينة على وجه الأرض, ما تزال الحياة فيها بائسة. مهما حاولت أن تكذب على نفسك و تقنعها أن الحال أحسن, الآلاف حولك لا يكذبون. الحقائق لا تكذب, و الأرقام صماء لا تبالي بانتماءك و مشاعرك. الجمال قيمة إضافية تعزز القدر لا تكسبه إياه. فالفتاة الفاتنة بلا عقل يبلى جمالها و يبقى عليها حمقها, و لا يعجب بها إلا أحمق مثلها.

ماذا انتفعت المدينة بسحرها الكاذب إن كان أهلها تعساء؟ و ما نفع الجمال لسكانها إن لم يعيشوا حياة ً كريمة؟ بم تنتفع بلد إن كانت الأجمل و مقومات الحياة مفقودة؟

لربما يكون العيش في صحراء قاحلة تكفل كرامة الإنسان و حقوقه خير من أخضر بقع الأرض.

أحسن دكتورة و أفضل قسم

بسم الله الرحمن الرحيم

أحسن دكتورة و أفضل قسم

بشكل عام, كل طالب عنده مادة مفضلة أو أستاذ محبب. بعض الطلاب يكره الدراسة كلها و كل المعلمين. آخرون يتأقلمون مع المواد و متطلبات الدراسة و لا يهتمون كثيراً بالمدرس.

عندي في الجامعة دكتورة تدرس مادة ً ما (فرعية إلى حد). أستطيع القول بموضوعية أنها ليست أفضل دكتورة في التدريس, و لا بالتعامل. و لكن هذا يعتمد على تعريف الإنسان للتدريس و مدى أولولية التعامل في سلمه.

يبدو أن الطلاب (في جامعتي على الأقل) يتنازلون عن التعامل مقابل العلامات, و هم راضون بذلك.

ما هو تعريف المدرس الجيد؟ هل هو المدرس الذي يعطيك الفهم و الإلمام بالمادة, أم الذي يعطيك مجموعة ً من السطور تحفظها و السلام؟

اعتدت طوال السنين الماضية أن أرى الطلاب سعداء و يهللون لأي مدرس أو منفذ يضمن لهم العلامات و لا يهم الفهم أو المعلومة, لكنها المرة الأولى التي يثار فيها كل تلك الضجة و التبجيلات! من تكريمات, و رسائل شكر, إلى زيارات و التصاق دائم بغرفة المكتب, و الكثير من الوعود بدخول تخصصها (أو التحسر على عدم قدرتهم على دخوله “لأن عندهم ارتباط سابق بتخصص آخر”!). و هو أمر لم يحصل مع أي دكتور آخر و أي قسم, رغم أن ما درسوه كان أساسياً.

القسم هذا صغير, و كما قلت ليست مادة ً أساسية في ممارسة الطب, لذلك فإن الترابط أكبر (لأن إدراته مباشرة, و عدد المدرسين المساعدين قليل). هل يحسنون التلقين؟ بكل تأكيد. هل يعطون معلومات يستفيد منها الطلاب (كمعلومات, و ليس هل التخصص مفيد أو لا)؟ لا.

لا يستفيد الطلاب كثيراً عندما يحفظون مجموعة ً من الجمل تحت صورة ستأتي كما هي في الامتحان. لو أتت صورة أخرى بنفس الخصائص مكانها لن تعرفها الأغلبية. كما لا يستفيد الطلاب عندما يعلمون أن الامتحان أسئلته لن تخرج عن مجموعة محددة مسبقاً. كل هذا لا يساعدهم, و لا يصب في خانة حسن التدريس.

لكن, بما أن هذا يضمن العلامة و النجاح بنسبة عالية, فمن يهتم؟ من يهتم أن نصف وقت المحاضرة يصرف في الحديث عن مغامرات و قصص؟ من يهتم أن المعلومات قديمة أو غير صحيحة؟ من يهتم أن اللغة غير سليمة و فيها من الأخطاء ما لا يغتفر؟

ليس سراً أن الجامعة مصممة لتخريج الأطباء (أو المهندسين و غيرهم. أياً كان التخصص), و هذا يعني اخراج أكبر عدد منهم ليدخل التالي لتستمر دائرة كسب المال. هذا سر لا يخفى و تعلمت منذ السنة الأولى أن أهمله. لكن لا أستطيع أن أهمل من يدعون أنهم يحاولون تخريج أفضل الأطباء! تخريج أفضل الأطباء لا يكون عندما تكون هناك نسبة عظيمة لا تعلم أساسيات في الطب. يمكن تدريب الحيوانات كالفئران و الكلاب على “حل” المسائل الرياضية. هم بالأحرى يحفظون أشكالاً أو ارتباطات الأرقام ببعضها. فيمكنهم حل 1+2 إن دربتهم على ذلك, لكنهم لا يفهمون المبدأ وراء ذلك. و بالتالي لا يستطيعون حل 3+4, أو حل موزتين و موزة.

أستطيع أن آخذ العلم وراء الكلام الذي يقال, أو أحفظ كما يحفظ المكررون. و الكل لديه الخيار هذا. لكن لم كل هذا التمجيد و المديح؟ لأن العلامة أهم من العقل عند المادح. و يدخل تحت باب العقل العلم, و تفكيرك, و آرائك. ما دامت العلامة (و بعد الجامعة الوظيفة و المرتبة و المال و هكذا) موقعها في سلم أولويات حياتك أعلى من كرامتك و حق التفكير فلن تتأثر أو تفهم ما أقول. لأنك اخترت النتيجة دون أن تدرك أن الهدف من الرحلة كلها هو ما في ثناياها. كما أن الهدف في الألعاب الإلكترونية هو المتعة و تمضية الوقت (و بالتالي من يستعمل أدوات للغش لينهيها بأسرع وقت لم يستفد منها بشيء), كذلك الهدف في الدراسة ليس العلامة بل ما في الطريق إليها. و الهدف من الطريق كله هو عقلك و تفكيرك, فإن بعته فما جدواها؟

هل تهلل لمن يخبرك كل الوقت أن تعمل عقلك و تبدي رأيك, ثم لما تخالف الرأي المفروض تقمع و تقصى؟ من الواضح أن الكثيرين مستعدون لذلك, في الجامعة و خارجها… ثم تبدأ حلقة العبودية و السير في القطيع, و إرسال التحايا و هدايا التقدير.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: