في ذكرى النكبة, 15 مايو

بسم الله الرحمن الرحيم

في ذكرى النكبة, 15 مايو

“عظم الله أجركم”, و انكب علي مقبلاً كما يفعل الناس في العزاء. هكذا استقبلني صديق لي اليوم. و لما استفسرت منه فيم التعزية رد “ذكرى النكبة”.

منذ تلك اللحظة و في نفسي شعور مختلف حيال النكبة. كل سنة كانت تمر كذكرى ككل الذكريات الكثيرة و المناسبات التي تمر على كل الشعوب. و لكن لما وضعت في إطار من فقد عزيزاً و التعزية في من مات صارت شيئاً آخر.

في ذكرى النكبة هذه السنة, 15 مايو 2013, مرت 65 سنة على إعلان إقامة دولة إسرائيل على أنقاض كل القرى و المدن المدمرة, على جروح المهجرين الذي شردوا و ماتوا في طريقهم إلى التيه. مرت 65 سنة منذ أن اجتمعت الجيوش العربية “لتحرير” فلسطين فباعوها بالخطأ المتعمد. مرت 65 سنة و ما زال هناك جيل ممن عايشوا النكبة يحملون معهم ذكريات القرية و المدينة و ما زالوا يمنون أنفسهم بالعودة يوماً. مرت 65 سنة منذ أن خبأت الحاجة مفتاحها في جيب صدرها كي تعود بعد أيام أو أسابيع كما وعدوها, و ما زالت أيامها و أسابيعها تعد.

اليوم فقط شعرت أن النكبة هي فعلاً عزاء و مصاب جلل.

ثم انضم إلى مجموعة البؤساء الفلسطينيين الذين انقلب يومهم سواداً فجأة ً مصري حدثنا أنها من الماضي و أن الوقت آن للتحرك و النسيان بعد أن استفهم عن معنى النكبة. من السهل أن يقول أي إنسان لديه مكان يسميه “وطن” أن النكبة حدث من الذاكرة. من السهل على أي متفرج أن يتظاهر بفهم ألم المتألم و مرض الواعك, و لكنه لن يدركه حتى يذوقه. من السهل على أي شخص أن يطرح حلولاً مكوكية للقضية الفلسطينية, لكن أحداً لا يدرك أن فلسطين ليست مجرد قطعة أرض في أقصى غرب آسيا… بالأخص أولئك الذين يقلبون حل الوطن البديل كل حين و آن على طاولات المفاوضات, لنفس السبب أن الصهاينة لم و لن يحملوا أمتعتهم و يغادروا إلى “وطن بديل”.

الفلسطينيون لا وطن لهم, حتى الذين يعيشون على أرض فلسطين. و كل إنسان لديه وطن لن يفهم المعاناة الفلسطينية. يمكن لفلسطيني أن ينتقل هو و كل عائلته إلى بلد آخر, و لا يبقى لديه أي شيء في فلسطين, لكنه يبقى يحن إليها و يتمنى أن يزورها… لأنه في جيناتنا محفور جنون, لأنه في مخيالاتنا كل ليلة نحلم بالعودة حلماً كابوسياً يسوء كل يوم و مع كل لحظة تمر.

وطني حقيبة و أنا مسافر, و لكن فلسطين حقيبة كبيرة جداً لم يستطع أهلها أن يحملوها لما خرجوا. مر 65 عاماً على نصب الخيمة, التي تحولت إلى صفيح ثم ببطئ إلى بيت طوب كتطور فهم اللاجئ للواقع و أوهام العودة التي أشبعوه بها لما خرج.

في يوم النكبة ممنوع على الفلسطينين حتى أن يظهروا الحزن أو يرفعوا علماً لأن ذلك مخالف للقانون الإسرائيلي, و جريمة يعاقب عليها بالسجن. في النكبة على الفلسطينين أن يكتموا مشاعرهم و لا حتى أن يعبروا عنها بكلمة أو فعل.

في يوم النكبة الفلسطينية, يوم إعلان قيام إسرائيل 15 مايو 1948, 65 سنة… عظم الله أجركم.

مقتطفات نهاية الأسبوع

بسم الله الرحمن الرحيم

مقتطفات نهاية الأسبوع

Desk

هذه مجموعة كتابات قصيرة لأن تكون مواضيع متفرقة, و طويلة لأن تكون على تويتر (و لأنني صرت أبغضه. سارق التدوينات!).

————————————————————–

ساقية الصاوي

ذهبت اليوم إلى ساقية الصاوي في الزمالك (بالقاهرة). و هو مكان محبب إلي أذهب إليه باستمرار. لكن منذ بداية هذه السنة و أنا في حالة كسل (و كره لشوارع القاهرة) فلم أذهب ولا مرة.

قررت أن أجدد الاشتراك, و أخذت معي كتاباً كي أقرأه. المفاجأة كانت الساقية تغيرت! لم تعد المكان الهادئ الذي عرفته قبل ثلاث سنوات. صار يعج بالكثير من الناس, و أضيفت أجزاء في المساحة الأمامية (أظن أنني رأيتها في آخر مرة قبل سنة و نصف عندما بدأ انقطاعي), و أيضاً تحول مكان شباك التذاكر و العضويات. و ممنوع ادخال المسليات و الأطعمة من الخارج (كجزء من كود الاحترام “لا”).

فوجئت بأنه علي غرامة مقدارها 10 جنيهات عن كل شهر تأخير عن التجديد (انتهت في 12/2012), و فوق ذلك يجب علي إبراز بطاقة الهوية أو جواز السفر مع أن محفوظ عند التسجيل لأول مرة (و ليست أول مرة أجدد), و صورتي و اسمي الكامل مدرج على البطاقة. كما أنني اكتشفت أن الدخول الآن صار بشراء تذكرة بالإضافة إلى العضوية (العضوية تمنح خصماً على بعض التذاكر للفرق الصغيرة و المحلية, و حق الدخول إلى الساقية و مرافقها)!

الكثير من التغييرات حصلت في الساقية, لم يعجبني أياً منها. تحدثت مع الإدارة بهذا الشأن (إذ أنه مكتوب في كل مكان بأن الاقتراحات و الـ Feedback مرحب به), و لكنني لم أجد جواباً شافياً. لم أجد تبريراً صريحاً للغرامة أو تذكرة الدخول (التي تلغي الهدف أصلاً من العضوية), و الحاجة إلى طلب صورة عن جواز السفر و هو محفوظ لديهم. ما وجدته هو امتصاص للغضب و تبرير على نمط “النادي كذا (تجاري) أيضاً يفرض غرامات تأخير أو تذاكر دخول” من باب “كما هم نحن”. و بالنسبة للجواز أو الهوية فإن التبرير كان للبقاء على اطلاع بالتغييرات الشخصية و لحفظ حق الساقية. هذا تبرير منطقي نوعاً ما, لكن بالنظر إلى نوعية الأشخاص الذين يرتادون الساقية, و بالنظر إلى أنه لم تحصل أية مشاكل من النوع الذي يستدعي معرفة التفاصيل الشخصية الدقيقة للمشترك فإن هذا هو مجرد بيروقراطية قنعوها بقناع التنظيم.

ما زلت أحب الساقية إلى نوع ما, فهي مكان فريد لم أجد مثله, و لكن جزءاً من الاحترام و الحب زال من قلبي. كانت الساقية المكان الذي يجتمع فيه الشباب المثقف و أصحاب المواهب و الأفكار, الملاذ الآمن في بلد تعج بالبيروقراطية و الخطوط الحمراء, لكنها الآن صارت نقطة تجمع للناس الـ Cool… و هناك فرق بين الـ “كول” و الثقافة أو الفكر.

————————————————————–

يوم في الزمالك

تجولت قليلاً في الزمالك (بما أنني زرت الساقية). الزمالك هي أكثر قسم أحبه في القاهرة, فهي جزيرة هادئة تجتذب النوع الهادئ من الناس و الأجانب أيضاً. و يسكنها الأغنياء.

وصلت إلى شارع نسيت فيه أنني بالقاهرة (كان مقصدي محلاً قيل لي أنه يبيع أفضل Apple strudel في القاهرة, و لكن اتضح أنه لا يبيعها أصلاً!), و انتهيت بالجلوس في كافيه أعجبني. كان صغيراً و به نزعة بيتية (رغم أنه محل تجاري). في النهاية اتضح أنه مقصد للـ Hipsters.

لا أحقد عليهم أو أكرههم (بذلك المعنى), لكنني أيضاً لا أحبهم. برأيي فئة كبيرة منهم يتعلقون بالمظاهر و لديهم نوع من النفاق. ما لاحظته أن الرواد يربطون بشكل واضح بين الإنجليزية و “الكوولنة” (مشتقة من cool, فهو كوول, و اسم الفعل كوولنة!). صحيح أن الظاهرة أمريكية بامتياز (و بدرجة أقل غربية), لكن هذا لا يعني أن نطبع أنفسنا بخاتمهم. يمكنك أن تكون كوول و تلبس لباساً عليه زخارف عربية مميزة… هذا كوول و مميز في نفس الوقت. يمكنك بسهولة أن تتكلم العربية (أو بالأحرى العامية المصرية) و سيفهمك الجميع كذلك, لن تخدع أحداً بإنجليزيتك المطعمة بالمصرية (و أقصد أنها إنجليزية باللهجة المصرية! هي درجات), كما أنني لا أظن أن أجنبياً سيفكر في نفسه “awesome”!

مشكلة اللغة العربية و التمسك بها تظهر جلياً لدى الطبقات الثرية أو متوسطة الثراء, و التي دائماً ما تسعى إلى إظهار رقيها فينتهون بـ “أنجلزة” العربية و كلامهم.

لكني بالمجمل أحب الزمالك, و أود أن أشتري بيتاً هناك يوماً ما إن رقيت مصر بحالها في المستقبل.

————————————————————–

جيش الشرطة الذي حضر ليواجه مجموعة ً من المحتجين

قررت مجموعة من أهالي المعتقلين و النشطاء السياسيين تنظيم وقفة احتجاجية في 6 أكتوبر أمام مقر أمن الدولة (بلاش استعباط “الأمن الوطني” و الكلام الفارغ! المبنى هو نفسه, و الموظفين هم أنفسهم, و نشاطهم هو نفسه… تغير الاسم و صاروا يعملون بالخفاء؟!), و الدعوة كانت من مجموعات إسلامية.

مررت من أمام المبنى في حدود الساعة الخامسة عصراً (و هو الموعد الذي دعوا إلى الوقوف فيه) و كان هناك بلا مبالغة جيش من الشرطة و الشرطة العسكرية! كان هناك عدد من الأفراد يقف كتفاً إلى كتف على امتداد حدود المبنى مع الشارع. هذا الجيش المصغر أتى لمواجهة “العشرات من المتظاهرين” كما ذكر أكثر من مصدر إخباري محلي.

عدت مرة أخرى في الساعة التاسعة مساءً و لم يكن هناك أحد (سوى بعض شاحنات نقل عناصر الأمن), مما يدل على أن التظاهرة فعلاً لم تكن تستحق كل ذلك (لو كان العدد أكبر, أو كانت النية تخريبية, لاستمرت أكثر من بضع ساعات). ما زالت الداخلية المصرية تفكر بنفس العقلية القديمة (و في هذا السياق أيضاً لنتذكر جميعاً التغيير الوزاري الذي حصل قبل أيام و شمل جميع الوزارات ما عدا أهم وزارتين: الداخلية و الإعلام. ثم تعيين فلولي في منصب وزارة الشؤون القانونية!).

————————————————————–

الحلاق المخلص في عمله

حلقت شعري (الذي صار مثل صوف الخروف!) عند محل الحلاقة الذي أذهب إليه دائماً. و على الرغم من أنه يغير العاملين لديه على الدوام, لا أعلم لم أعود إليه كل مرة! لأن الذي يجعلك تعود إلى المحل هو شخص أو معاملة بذاتها, و لكن عندما يكون المكان هو نفسه مع وجه جديد كل مرة بمعاملة جديدة… لا أدري ماذا يسمى هذا!

المهم أنني جلست أنتظر دوري (و لم يكن هناك غيري, و سوى واحد على كرسي الحلاقة) أكثر من ثلث ساعة, و هي مدة طويلة مقارنة بمحلات الحلاقة عامة ً في مصر, و مقارنة ً بالمرات السابقة. كان منهمكاً بترتيب لحية الزبون, و استخدم كل ما لديه ليخرج بالنتيجة المناسبة!

ظننت أن الزبون طلب كل ذلك, و لكن حين حان دوري صب نفس الاهتمام على شعري (رغم أنني طلبت حلقة بسيطة يمكن إنجازها في خمس دقائق). الرجل يحب, بل يشعق مهنته بكل تأكيد! و متقن لها كذلك.

فكرت في نفسي أنه إن كان لدينا المزيد من الأشخاص مثله, كلٌ شغوف بعمله و متقن له, لرقينا بكل تأكيد غداً. الحلاقة ليست عملاً يغير حياة الزبون أو يؤثر في مسار البشرية. الناس تحتاجه, و لكنه ليس حجر أساس في حياة البشر. ما أقصد قوله هو أنه رغم تخصصه في عمل كمالي بالنسبة لحاجات البشر, إلا أنه يتقنه و يحبه كما لو أن الحياة تعتمد عليه. لو كان أصحاب الأعمال الأخرى الحيوية يؤدون أعمالهم بنفس الشغف و الإتقان, أظن أننا لن نكون في مكاننا الحالي بين الحضارات و الأمم.

تجربة أسبوع بلا شبكات تواصل اجتماعي

بسم الله الرحمن الرحيم

تجربة أسبوع بلا شبكات تواصل اجتماعي

قررت يوم 27 أبريل, 2013 أن أتوقف لمدة أسبوع عن استخدام الشبكات الاجتماعية و المواقع الإخبارية. مراتعي المعتادة كانت Facebook, Twitter, Google+, reddit, StumbleUpon, Google News.

فيس بوك, تويتر, و جوجل+ بالإضافة إلى Gmail كانت أربع صفحات لا تغلق أبداً. بالإضافة إلى مجموعة من الإضافات التي تقوم بتنبيهي فور وصول رسالة أو تغيير في أحد الصفحات. كان أشبه بالإدمان (أو كان هو إدمان بعينه).

الاتصال الدائم بالانترنت و المواقع المختلفة تحول إلى ما يشبه حقن الهيروين التي يتعاطها المدمن. في بعض الأحيان لم يكن هناك أي مفيد أو جديد فكنت أقوم بعمل تحديث للصفحة و النظر فيها مرة ً أخرى مع أنه لا شيء تغير!

تحولت كل صفحات الانترنت و المواضيع الشيقة إلى ميزان يوزن بمقياس reddit… هل سيحقق هذا الموضوع Upvotes و يجلب لي الكثير من الـ Karma؟

صارت الأخبار من حول العالم زائدة عن حدها. ففي الصباح Google News, و في استراحات ما بين المحاضرات Flipboard و Current… ثم المزيد من reddit و بعض التصويتات هنا و هناك!

لذا قمت باتخاذ مجموعة من القرارات, كان التوقف عن متابعة المواقع إحداها, في محاولة لتغيير بعض العادات.

لم تنجح التجربة بالكامل, جزء من السبب هو الاعتماد الزائد من الأفراد على الفيس بوك كوسيلة للتجمع و التنظيم (من خلال الـ Groups). في بدايات الانترنت كانت الـ Mailing lists هي الوسيلة الأساسية للتواصل الجماعي (و ما تزال في أوساط المطورين), ثم جاء التواصل الفوري بأشكاله. و ظهرت المنتديات, ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي.

الكثير من التنظيمات (و أقصد بذلك أية مجموعة تتواصل فيما بينهما) صارت تعتمد على مجموعات الفيس بوك, لسهولة استخدامها و لأن أغلب الناس عندهم حساب فيه. هذا سبب مشكلة لدي, لأن الجامعة و بعض المشاريع الأخرى تعتمد على مجموعات فيس بوك كوسيلة وحيدة للطرح و المشاركة.

أنا لا أريد العودة إلى زمن القوائم البريدية, لأنها غير عملية و غير مرتبة. لكن التواصل عن طريق الفيس بوك يجلب معه أشياء أخرى, لأنك تمر في طريقك إلى مرادك على الكثير من الملهيات. يعني أن التركيز لم يعد كما كان في السابق (في عهد القوائم البريدية و الـ IRC) على الموضوع المتناول (لأن النقاش كان صفحة ً فارغة ً يكتب فيها المشاركون ما يريدون, لم يكن فيها أشياء أخرى).

خلال فترة التوقف رتب لقاء, أعلن عن ملتقى (و ما يخصه من تسجيل), أعلنت أمور تخص الدوام في الجامعة, و نقاش حول سير بعض الأمور… كل ذلك من خلال Facebook Groups. كنت أرد من خلال البريد, أو في حالات اللزوم ازور الصفحة لأرد مباشرة. لم أزد على ذلك.

بالنسبة لتويتر و reddit لم أشعر بأن أي شيء فاتني. بل بالعكس وفرت الكثير من الوقت الذي كان يضيع على قراءة ما لا يلزم و توابع مشاركة ما لا يلزم أيضاً. و كذلك Google News و تطبيقات الأخبار.

الـ Information Overload مشكلة أساسية و حقيقية في وقتنا هذا. كثرة المعلومات المتوفرة في كل مكان تسبب التشتت و توزيع التركيز, و في النهاية المهمة الأساسية التي انطلقت لتحقيقها تحصل على جزء من الجزء من تركيزك. لأنك تبدأ بالبحث عن الحرب العالمية الثانية و تصل إلى الانهماك في فهم موضوع عن تباطؤ الزمن بالنسبة للجاذبية بعد ساعات! توسع نطاق المعلومات و الثقافة ليس خطأ ً بل هو أمر جيد, و لكن محاولة هضم كل الثقافة في جرعة واحدة خطأ. و هو ما يحصل كل يوم في مواقع التواصل الاجتماعي, و تختلط الأشياء في بعضها. ففي لحظة تقرأ خبراً سياسياً, و في اللحظة التالية تشاهد صور أناس قد لا تعرفهم, و بعدها بعض الشائعات و الكلام الفارغ!

نتائج التجربة: المتصفح صار مغلقاً أغلب الوقت. لم أعد أقلب بين الأشياء كل لحظة كي أتفحص البريد أو المواقع, و هي مشكلة كبيرة تقتل التركيز و تصير حركة ً آلية بلا وعي.

لكن في نفس الوقت لم أنجح في تقليل وقتي على الكمبيوتر. وقتي أونلاين قل كثيراً, لكن استخدامي للكمبيوتر لم يقل. انتقل من المتصفح إلى الأفلام و لعبة FreeCell و Solitaire.

الخلاصة أن العيش بدون مواقع تواصل اجتماعي و جرعات متواصلة من المعلومات ممكن. لكن مدى مقدرتك على طردها من حياتك متعلقة بمدى اعتماد من هم حولك عليها بالنسبة للأمور المهمة (أعني بذلك أشياء مثل الدراسة أو العمل).

للأسف لا يفهم كثير من الناس أن الفيس بوك مكان غير مناسب كوسيلة تواصل لأشياء مثل العمل و الدراسة, لكن هذا هو الواقع. لا يوجد الكثير من الناس المستعدين لزيارة موقع جديد كلياً أو خدمة مختلفة فقط من أجل هذا الشيء الذي ظاهرياً يمكن تحقيقه من خلال وسيلة أكثر انتشاراً و أسهل.

الخطوة التالية ستكون تخفيف الوقت الذي أمضيه على الكمبيوتر ككل, لأنني إن نجحت في هذا فسأكون قد نجحت من التخلص من إدمان كبير و ثقب أسود يسحب ساعات اليوم من أشياء أهم كقراءة الكتب و الدراسة.

سأكرر التجربة مرة ً لفترة أطول و معايير أقسى. سأقوم بإلغاء التنبيهات البريدية (لأنها السبب الأساسي الذي كان يعيدني للحظات إلى فيس بوك, حيث تشعر أن نقاشاً مهماً أو موضوعاً سيفوتك), و سأقلل من ساعات الجلوس أمام الشاشة. سأرتب الأمور و أستجمع القوة لحين ذلك اليوم.

ما علمتني مصر

بسم الله الرحمن الرحيم

ما علمتني مصر

قالوا سافر فإن في السفر سبع فوائد… و سافرت إلى مصر!

تعلمت الكثير من الأشياء من مصر لم أكن بحاجة إلى تعلمها, و ليس أحد بحاجة لها! ليتني بقيت في عالمي الوردي حيث كان الناس طيبون!

تعلمت من مصر أن أكسر أنف كل من يسألني عن الوقت. لأنه لا أحد يسأل بصدق عن الوقت في مصر. السؤال عن الوقت هو افتتاح و مقدمة لموضوع آخر من شخص غريب في الشارع؛ إما تسول, أو سرقة, أو سطو.

تعلمت ألا أسأل أبداً عن الاتجاهات. لأن لكل واحد تراه رأي, و لأن الجميع يعلم كل جزئية في كل شيء! هل تستطيع أن تدلني على عيادة الطبيب فلان؟ طبعاً, طبعاً… اذهب إلى آخر الشارع, و عندما تصل إلى المنعطف الأول ستجد سلماً من الهواء! اخترع اسم شارع أو مكتب من العدم و ستجد من يدلك على مكانه بالضبط, لا تقلق.

تعلمت الغلظة و نهر السائل, لأن لا أحد فيهم “يسأل”, و إنما يتعلق بك أو يرتمي أمامك. لأن معظم السائلين اتخذوها صنعة ً و مهنة ً و ليسوا محتاجين.

تعلمت أن الطيبة و العفوية لا مكان لهما. و أنه لا وجود لشيء اسمه شهامة و مساعدة من أجل المساعدة و الأخلاق… الكل يبحث عن الجنيه!

تعلمت أن الجنيه هو أوثق شاهد, و أفضل صديق, و أقوى واسطة. كل الأمور التي اعتقدت أنها مستحيلة تحل بسرعة بالجنيهات! لا توجد خطوط هواتف متاحة؟ جنيهات! دائرة الإقامات لا تستقبل الطلبات الآن؟ جنيهات! تريد أن توقف سيارتك في الشارع الذي تملكه البلدية تحت منزلك؟ جنيهات لشخص قرر أن سيارتك تحتاج إلى الحماية و “تنظيم” للوقوف! سائق التكسي كان طيباً و ساعدك لتصل إلى وجهتك, و حتى ساعدك في حمل الحقائب. ليست طيبة… جنيهات!

تعلمت أن سائق التكسي هو غالباً أخبث إنسان تقابله في حياتك. لأنه إنسان لا تستطيع أن تفرقه عن بقية الناس العاديين, و مع ذلك لا تضمن حياتك كل مرة تركب معه, أو على الأقل لا تضمن جيبك… لأنك إن غفلت عنه قليلاً فسيلتف سريعاً إلى طريق مظلم أو معزول, حتى لو في وضح النهار, حيث ينتظره مجموعة من أصدقائه… و بالصدفة يحصل أن تتعرض لعملية سطو لا يتأذى أو يسلب شيء فيها من أحد غيرك!! أو تكتشف أن الطريق التي كانت تكلف 10 جنيهات فجأة طالت و صارت بخمسين! سائق التكسي عالم و خبير بكل شيء… أي موضوع تفتحه سيدلي بدلوه! يمكنه حتى أن يسوي الخلاف بينك و بين زميلك على إجابة سؤال في امتحان بعلم لم يسمع به أحد غير طلاب الطب أو الهندسة مثلاً, بالطريقة المصرية المشهورة: “الإفتاء”! تعرف في نواح ٍ أخرى من العالم بـ “الفلسفة فيما لا تفقه فقط من أجل أن تستمر بالكلام”.

تعلمت أن “كل عام و أنت بخير” و “كل سنة و أنت طيب” لا تخرج أبداً من فم إنسان في الشارع ليتمناها من قلبه… راجع فقرة “معاك الساعة كام”, و “الجنيهات” أعلاه لمزيد من التفاصيل.

تعلمت من مصر أن الحكومة لا أمان لها, و أن السلطة الوحيدة الحقيقية بيد من يملك مسدساً و صوتاً فاجراً…. أو لمن يقدر على شراءها, إما يشتري أناس يحملون عنه المسدسات و يفجرون, أو يشتري السلطة نفسها.
تعلمت أنه لا يوجد شيء اسمه تعليم في مصر.

تعلمت أن “مصر أم الدنيا” ما هي إلا عبارة حفظها الجميع يرددونها و لا يعلمون ما هي مصر. و تعلمت أنه في الحقيقة إن شربت من نيلها فتصاب بالطفيليات و الديدان التي تأكل أمعائك و تتلف كبدك, أو بعض البكتيريا في أفضل الأحوال. تعلمت أن المشي في شوارعها يعرضك للسطو, أو السرقة… أو في أقل التقديرات حذاءً أبيض بعد أن كان أسوداً.

تعلمت أن قوم موسى الذين سألوا عن البقرة, و أشركوا بالله و ما جفت أرجلهم من البحر ما زالوا يعيشون بيننا, و ما أكثرهم.

تعلمت أن البيروقراطية و التمسك بظواهر النصوص لا يعرف الحدود, و أن تشغيل العقل في دائرة حكومية أو عند موظف لهو من عجائب الدنيا! حقاً إن الجاهل بالشيء عدو له!

يكفيني تعلماً, فقد سأمت من هذا البلد! و ليعذرني أصدقائي المصريون, أنتم أدرى بكل هذا.

ما بعد الفجر

أبريل 16, 2013 2تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

ما بعد الفجر

Philip J. Fry – Futurama

هناك شيء ما سحري في الساعات التي تلي الفجر. عندما يبدأ نور الشمس بصدع ظلام الليل, لكنها لم تظهر أشعتها بعد و قرصها مختفٍ. هي ربما مدة تمتد من الخامسة و النصف إلى السادسة و النصف.

ساعات سحرية, لأن النهار ما زال في أول بدايته لم يذهب منه شيء. و لأن أهل الليل ذهبوا إلى مخادعهم, و أهل النهار لم يستيقظوا بعد. الشوارع فارغة إلا من بعض من لهم شأن بالخروج باكراً لعلهم يلحقون بما استيقظوا من أجله.

واصلت ليلي, لأن عقارب الساعة صارت تشير إلى الثانية و لم أنم بعد, فعلمت أنني لن أصحو في الخامسة إن نمت. أعلنت الساعة أن الوقت صار الخامسة و النصف, لبست ملابسي, حملت أوراقي, و نزلت من بيتي إلى الشارع الخالي.

شعور الصباح بعد ليل طويل يختلف كلية ً عن شعور الصباح بعد نوم. في نصف صحوة و الدنيا تسير من حولك و لكن عقلك يعمل بنصف سرعته العادية, تبدو الدنيا أكثر هدوءاً لأن كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تزعجك كل يوم لم تعد ملحوظة.

ترى أصحاب عربات الفول يحضرون للزبائن الذين سيأتون بعد قليل (بغض النظر عن كل النظافة “أو عدمها”), سائقي الميكروباصات ينادون على وجهاتهم… و الشوارع خالية. سترى أيضاً أولئك الذين يأتون ليفتشوا في أكوام القمامة علهم يجدون بعض الزجاجات أو البلاستيك. و إن تأخرت قليلاً ستشاهد عمال النظافة يكنسون الأوساخ.

الشروق هواءه عليل و بارد. يداعب العيون الناعسة, يحنو على من يريد إكمال نومه فيغمص له عينيه بعطف, و يأخذ بيد من يود الاستيقاظ فيرشه بهواء بارد لطيف.

حالة ما بين الصحو و النوم حالة عجيبة. فنفسك هادئة و تعبة تريد أن تنام, فتمشي كالذي يطفو فوق الماء. أنت كالنائم الذي يتحرك و عينيه مفتوحة, يعي كل ما حوله لكن عقله متوقف عن التحليل و ربط الأمور.

ذاك اليوم عدت إلى نفس الشارع الذي كان خالياً, في الساعة الثامنة و الربع. وجدت مطعماً للفول و الطعمية… و قررت أنه لم لا! إن كنت ثلاثة أرباع نائم فما الضرر في أن تعيش ككل الآخرين في الشارع؟

بعد كل هذا عدت إلى البيت. كنت مرهقاً. مستيقظ من أربع و عشرين ساعة. محتاج للنوم. لذا… كان الشيء المنطقي هو أن أمضي ساعة أو اثنتين أتصفح الانترنت و أبدأ في كتابة هذه الكلمات! (كتبتها في يوم غير يوم النشر)

تكملة “استفسارات مقبل…”

بسم الله الرحمن الرحيم

تكملة “استفسارات مقبل…”

(هذا الموضوع تكلمة للموضوع السابق: استفسارات مقبل على الجامعة)

الآن القسم الشخصي من الأسئلة. لماذا اخترت الطب بدلاً من الهندسة, الحياة في الغربة, الطب و ما فيه.

عندما كنت في المرحلة الإعدادية قررت أن أصير مهندس إلكترونيات, و بقي هذا القرار معي إلى أن وصلت الثانوية العامة. خلال كل تلك الفترة قابلت الكثير من الناس الذين يحتكون بمجال الإلكترونيات منهم ناس عملوا في Intel (المكان الذي أردت أن أعمل فيه), و أيضاً منهم من درسوا في الجامعة التي أردت أن أدرس فيها. تعرفت على التخصص و الجامعة, و بشكل عام كانت التوصيات في النهاية منهم سلبية. لم ينصحني أحد أن أدخل تلك الجامعة (ليس لأنها سيئة, و لكن لصعوبتها و ربما أشياء أخرى) و حتى واحد من مهندسي Intel السابقين الذين التقيتهم نصحني أن أبتعد عن كل هذا المجال لأنه ليس بالتشويق و الجمال الذي أتصوره.

كنت مصمماً على ذلك و بدأت إجراءات التسجيل في تلك الجامعة فعلاً. و لكن قبل امتحانات الثانوية العامة دعاني أبي إلى مكتبه و حدثني عن الطب. كنت أحب الفيزياء و الرياضيات… لكن ليس حسابتهما!! أحببت النظريات و لكن ليست كل تلك الأرقام التي تصطف. كما أن عقلي مقتنع أنه ما دامت هناك آلات حاسبة فلا داعي لأن يعمل مركز الحسابات فيه!! جزء كبير من تقييمي لوضعي في الرياضيات و الفيزياء جاء من المدرسة و المنهاج الدراسي, و هو ما اكتشتفت فيما بعد أنه لا يشبه أي شيء من فيزياء و رياضيات الجامعة, كما كل المواد الأخرى في بقية التخصصات.

في فترة من فترات حياتي لم أكن أتصور أن أكون طبيباً لأن تصوري عن الأطباء كان مأخوذاً عن والدي. لم أكن أريد تكوين علاقات مع كل أولئك الناس أو أن أجلس خلف مكتب وقت دوامي. لكن فهمي للطب توسع عندما فكرت في الموضوع قليلاً و وافقت أن أجعله خياراً.

و مع الوقت يتطور فهم الإنسان. و اقتنعت أنه يمكن أن يكون لي هواية لا تتعلق بأي شكل بعملي أو وظيفتي. هذا لا يعني أن تعمل في ما لا تحب, لكن يجوز أن تكون عاشقاً للطب و متقناً له, و في نفس الوقت تتابع مواضيع هندسية أو تدرس بعض الميكانيكا مثلاً.

اختيار الجامعة, و اختيار مصر لم خياراً بقدر ما كان منفذاً متاحاً في نافذة زمنية ضيقة. في البداية أردت أن أذهب إلى فرنسا, لكن لم تكن الظروف مواتية, ثم ذهبت إلى جدة و تركتها لأكثر من سبب. لم تكن الأردن خياراً لأنها تقبل بأوائل الدفعات الفلسطينيين بصعوبة,  والجامعات الإسرائيلية لا تقبل طلاباً عرباً في مواد مثل الطب (قسم من ذلك عنصرية, و قسم منه محدودية المقاعدة فيفضلون اليهود… أيضاً عنصرية. و جزء هو ارتفاع سقف المتطلبات للدخول). تركيا كانت خياراً و لكن لم أجد من يساعدني فيها. ماليزيا, مالطا, ألمانيا… كلها كانت خيارات على القائمة و لكن عدم وجود المساعدة بالمعلومات كانت العائق. هناك عدد لا بأس به من طلاب القدس يذهبون للدراسة في مصر, و كثير منهم طب و هندسة. و رغم النصائح الكثيرة بعدم المجيء إلى مصر إلا أنني كنت مدفوعاً بتأخري سنة في جدة (لم تحسب في الجامعة الجديدة) إلى القبول بها كي لا تضيع سنة أخرى (التسجيل في أغلب الدول كان قد انتهى, لأنني احتجزت ما يقارب الشهر في السعودية من أجل إنهاء إجراءات ترك الجامعة و ما على ذلك من التأشيرات و الكفالة و الإقامة إلخ).

الحياة في الغربة تختلف باختلاف البلد, لكن تجتمع كلها بأنها بعد عن الأهل و عناء في السفر. سواء أكانت رحلتك بالطائرة (تفتيش المطار و الفحوصات الأمنية الكثيرة) أو براً (وعورة الطريق, تعاسة وسيلة النقل, خطورة المسير). لكن هناك ميزات أيضاً. فأنت بعيد عن أهلك و لا رقابة, فهذا اختبار حقيقي لك. الغربة تعلم الغالبية الاعتماد على النفس و التصرف في بعض المواقف. أنت مسؤول عن نفسك بالكامل, مالياً و أخلاقياً و دينياً و في كل النواحي.

صعوبة الغربة تعتمد على البلد. فالمغترب في بلد يقترب من عادات و تقاليد بلد الأصل, مثل الفلسطينيين الذين يدرسون في الأردن, يكون تأقلمه الاجتماعي أسهل. و لكن في مقابل ذلك قد يعاني لتقبل أشياء لم يعتدها أو تعتبر من المسلمات في بلده (مثل الوقوف على الإشارة الحمراء, أو وجود مواقف للحافلات…). و المغترب في بلد أوروبي لن يعاني من الناحية المعيشية (ما أقصده النظام و الترتيب), و لكنه قد يواجه صعوبات في اللغة أو التقاليد و الاجتماعيات, و أحياناً قد يحس بأنه منبوذ.

نهاية الأسئلة هي عن الطب و صعوبته. في الحقيقة, الطب ليس صعباً جداً. صحيح أن مواده طويلة و ثقيلة إن قورنت بتخصصات أخرى, لكن بعد فترة قصيرة من بدء الدراسة يتقبل الطالب بأن هذا هو “الطبيعي”. ربما قد أكون كتبت بعض المبالغات من قبل (قليلاً :) ), لكن ما كنت أقصده في تدوينات “صعوبة الطب” ليس صعوبة دراسته أو اجتياز المرحلة الجامعية فيه, فهي مرحلة و ستمر كما مر بها آلاف من الطلاب قبلنا. و لكن الصعوبة هي فيما بعده. الطب نمط حياة يتطلب من الإنسان أن يضحي بجزء منه كي يكون طبيباً, و من لا يفعل ذلك هو من ينعته الناس بالطبيب السيء حتى و إن كان ماهراً في عمله. الصعوبة في الطب هي أن تدرك أنك سخرت حياتك لهذا الطريق. فالطب لا يأخذ إجازة, ليس دواماً بساعات محددة. ليس كالمهندس الذي يذهب إلى عمله ثم يعود مساءً… المهندس لن يأتيه اتصال في منتصف الليل بأن بعض البراغي و الصواميل هربت من الدرج خلسة, و أن لوح الرسم انقض على الأقلام لينتقم! ليس شرطاً أن كل فروع الطب هي كذلك, طبيب الطوارئ مثلاً لديه ساعات عمل محددة يعود بعدها إلى بيته (لأن الطوارئ دائماً فيها “حالة طوارئ” و هناك دائماً مجموعة من الأطباء تتولى الأمور)… لكن أظن أن قصدي وصل. هي طريقة حياة, عليك تقبل أن جزءاً منك سيأخذه الطب مهما كان ذلك الجزء, هواية ً أم أصدقاء أم غير ذلك.

استفسارات مقبل على الجامعة

بسم الله الرحمن الرحيم

استفسارات مقبل على الجامعة

وصلتني رسالة تسأل عن بقية سلسلة “جامعة 101” التي كتبتها في سنة 2010. لا أذكر سبب توقفي تحديداً بعد كل هذه المدة التي مرت, و لكن الوقت متأخر الآن للعودة لإكمالها.

الجامعة مرحلة جديدة لا تشبه المدرسة في نظامها, لذا من الطبيعي أن يكون لدى طالب الثانوية العامة أسئلة و استفسارات. هذه المدونة ليست للتوجيهات, لكنها مجموعة من الملاحظات و أشياء أحب أن أكتب عنها بحسب النشاط و بحسب الأحوال و توفر مواد الكتابة, لذا فإن كمية الكتابة قلت كثيراً في السنة الماضية لأن نوعاً من التأقلم و التعود حدث فلم تعد الأشياء غريبة كما كانت عندما شاهدتها لأول مرة. لأنها صارت نوعاً من “العادي” و العادي لا يستحق أن يكتب عنه.

يجب على أي طالب مقبل على الجامعة أن يستفسر عنها بالطرق الصحيحة, فيحدد أولاً التخصص أو مجموعة التخصصات التي يهتم بها, ثم الجامعة أو الجامعات (أو البلد) التي يود أن يدرس فيها. هذه أول خطوة, أن تعرف أين تقف و إلى أين تذهب. صحيح أن هناك مجموعة من النصائح العامة في الجامعة, لكن النصيحة الصحيحة تتعلق أيضاً بالجامعة و البلد. فمن يدرس في الأردن يختلف عن نظام من يدرس في مصر, و جو الجامعات العام يتغير من بلد لآخر و من جامعة لأخرى. النصائح تأتي من طلاب سبقوا بالتجربة, عاملين بالمجال الذي اخترته, الأساتذة في المدرسة, أو من الجامعة نفسها. يمكن أيضاً الأخذ ببعض النصائح التي تجدها على الإنترنت مثل هذه المدونة, لكن تحقق من المصداقية و أيضاً البلد أو الجامعة المقصودة.

أول سؤال كان عن آلية الدراسة. تختلف بحسب الجامعة, و بحسب التخصص. لكن إجمالاً الحفظ الذي في المدرسة غير موجود في الجامعة. الدكتور يبحث عن كلمات مفتاحية بينها كلمات ربط و وصل و لا يهمه كيف تكتب. هذا بالنسبة للتخصصات العلمية و ليس لدي علم عن تخصصات الإعلام, الآداب, التجارة أو القانون و ما يشبهها. كما أن الفهم يلعب دوراً كبيراً بشكل عام في جميع مناحي الدراسة (في الجامعة و غيرها), يمكنك أن تحفظ الكتاب كاملاً دون أن تفهم ما حفظت, أو أن تفهم و تربط الأشياء دون أن تحفظ الكثير من الأشياء بشكل مباشر.

الأهم من ذلك أن الجامعة (أيضاً بحسب النظام, لكن إجمالاً) تعمل بنظام الكورسات أو المساقات, و هي المواد التي تدرس خلال الفصل. كل مساق مسؤول عنه قسم. مساق الفيزياء في الهندسة مثلاً مسؤول عنه قسم الفيزياء, و كل قسم عنده مساحة من الحرية تتنوع, قد تكون كاملة فيستطيعون وضع توزيع العلامات و نظام الامتحان إلخ, أو قد يكونوا مقيدين بلائحة الجامعة التي تفرض نمطاً معيناً في الامتحانات و توزيع العلامات. قد يكون هناك أكثر من دكتور يعطي نفس المساق, و بخبرة من سبقوك تختار الأفضل.

بالنسبة للمحاضرات فمرة ً أخرى يختلف التعامل معها من جامعة لأخرى. هناك جامعات تفرض الحضور على الطلاب و قد يتعرض الطالب للرسوب إن تخلف عن الحد المسموح للحضور, و هناك جامعات الحضور فيها اختياري… و هناك جامعات الأمر متروك فيها للكلية و للقسم. وقت المحاضرة عادة ً ما يكون بين الساعة و الساعتين, و قد تصل إلى 3 ساعات في الجدول و لكن من النادر أن تستمر محاضرة طول المدة المقررة في الجدول. عدد المحاضرات في الأسبوع يتعلق بعدد الساعات المعتمدة للمادة. تعريف الساعة المعتمدة يختلف من جامعة لأخرى. في جامعتي هي عبارة عن عدد الساعات الكلية في الأسبوع لتلك المادة. يعني لو كانت مادة بـ 6 ساعات معتمدة, فهذا يعني أن في الأسبوع محاضرات مدتها المقررة 6 ساعات. قد تكون المختبرات أو العملي مواد منفصلة لها ساعاتها, أو قد تكون مضمنة في المساق.

إن كانت الجامعة توزع كتباً للمساق كتبها الدكتور فهذا يوفر على الطلاب, لأن ما يريده موجود في الكتاب. إن كانت الدراسة من المراجع فيجب على الطالب أن يسجل الملاحظات و ما يسمعه من الدكتور ليعرف ماذا يريد. الكتابة تتطلب الحضور في كل محاضرة و الانتباه الكامل في طولها, و ستكون هناك قلة تنتبه دائماً و تكتب, و ستكون هناك أغلبية تقوم بنسخ أو تصوير ما كتبوه قبل الامتحان. في بلد مثل مصر التعليم منهار لدرجة أن الدكتور يقوم بإعطاء محاضرات خارج الجامعة لنفس الطلاب الذي يأخذون معه المادة (طبعاً ليست مجانية) و خلالها يقوم بتوزيع ملخصات فيها الأشياء المطلوبة في الامتحان و فقط. هذه الملخصات ممتازة للنجاح في الامتحان, و لكنها لا تفعل شيئاً للفهم أو الدراسة الفعلية, و تنتشر هذه الملخصات في المكتبات و بين الطلاب.

المختصر: الجامعة لا تشبه المدرسة في شيء! لا في نظام التعليم ولا في الحياة.

لأنني لا أريد إطالة التدوينة كي لا تصير مملة سأتوقف هنا و أكمل الباقي في قسم آخر.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: