أرشيف

الأرشيف ل ديسمبر, 2011

The Help

بسم الله الرحمن الرحيم

The Help

فيلم دراما يحكي عن التمييز العنصري في بلدة جاكسون, ميسسيبي ضد السود في فترة الستينيات.

الفيلم اخراجه رائع, و الأداء فيه مميز. أعجبني جداً.

لم أستطع خلال الفيلم اخفاء “تقززي” أحياناً من التصرفات التي كان يقوم بها البيض “الارستقراطيون” بحق الخدم السود التي تسلبهم من أدنى الحقوق الآدمية التي يجب أن يتمتع بها أي كائن بشري.

فصل السود بقانون رسمي عن البيض, فلهم مدارس خاصة بهم, و مستشفيات و أحياء, حتى أن الأمر وصل إلى تمرير مقترح لقانون يقضي ببناء حمام منفصل للخدم السود عن حمام البيت لأنهم يحملون أمراضاً “سوداء” غير أمراضهم “البيضاء”!!

بطلة الفيلم فتاة شابة ما تزال على فطرتها لا تتحرج من التعامل مع السود و ترى أنهم بشر مثل كل الأثرياء البيض الذين يستبعدونهم, بل أن من ربتها هي خادمتهم السوداء طوال 29 عاماً. هي التي علمتها و بنت شخصيتها المتسامحة هذه.

لهذه الفتاة, التي اسمها “سكييتر”, صديقات أخريات لا يشاركنها نفس الرؤية و يرون أن كل شيء في بلدتهم مثالي ولا حاجة لتغييره. و لم لا؟ فهم أثرياء, و عندهم خدم يعملون بأجور أقل من الحد الأدنى ولا يحق لهم أن يعترضوا, و البيض يطردونهم متى يشاؤون و كيفما يشاؤون!

قادت هذه المجموعة العنصرية من النساء, و هي ليست غريبة عمن حولها من الناس فكلهم كذلك, فتاة أخرى اسمها “هلي” كانت غريبة في تطرفها و عنصريتها. و هي التي اقترحت سن قانون “فصل الحمامات”!

“هلي” لم تكن أماً جيدة ولا تجيد أي عمل من أعمال المنزل, خادمتها كان اسمها “ميني” و كانت طباخة ماهرة. طردتها لأنه في يوم من الأيام شديدة المطر و الريح احتاجت إلى الذهاب إلى الحمام, الذي بنته لها خارج المنزل, و لكنها لا تستطيع. فتظاهرت أنها تريد أن تحضر الشاي و استخدمت حمام الضيوف في المنزل, فغضبت و طردتها, و فوق هذا أخبرت جميع صديقاتها أنها سرقت كي لا تعمل عند أحد!

كانت هناك فتاة أخرى في البلدة اسمها “سيليا” ساذجة بعض الشيء و لا تكره السود. بل أنها كانت تصر أن تأكل مع خادمتها الجديدة و الوحيدة, “ميني”, لأن “هلي” كانت تتجنب الحديث معها و بالتالي لم تعرف عن كذبة السرقة. “سيليا” كانت تعيش وحيدة مع زوجها و كانت عندها مشكلة بأن الجنين لا يلبث أن يجهض بعد فترة قصيرة من الحمل (ربما كان عندها congenital uterine malformation) ولا تجيد الطبخ على الإطلاق!

“سكييتر” حاولت الحصول على عمل في شركة نشر في نيويورك و لكن لأنها لا تملك أية خبرة فقد رفض طلبها و نصحتها رئيسة التحرير بأن تحصل على عمل صحافي أولاً ثم تعود لهم. و بالفعل حصلت على عمل في الصحيفة المحلية و استلمت عموداً عن النصائح المنزلية.

عادت لتكلم رئيسة التحرير عن فكرة كتاب خطرت لها, الحياة من وجهة نظر الخدم السود! و جاء الرد أنها فكرة مميزة و ستقبل بها إن كانت جيدة الإعداد, و بشرط أن تكون قبل مسيرة مارتن لوثر كنغ الشهيرة للحقوق المدنية كي لا يقول الناس أنه مجرد مجاراة للتيار.

لكن من أين تجد “سكييتر” خادمات عندهن الجرأة للتحدث عن تجاربهن و معاناتهن؟ في نهاية المطاف تقتنع خادمة إحدى صديقات “سكييتر” و “هلي”, “إليزابيث”, اسمها “أيبيليين” بالتحدث معها و قص حكاياتها. ثم تبدأ صديقتها الخادمة التي طردت “ميني” بالتحدث أيضاً.

و لكن رئيسة التحرير أرادت على الأقل 12 خادمة بالإضافة إلى قصة “سكييتر” الشخصية مع خادمتهم. و يتم لها هذا بعد أن يقتل رجل أسود بدافع الحقد الخالص على يد رجل أبيض.

الكتاب كتب بأسماء مستعارة و بدون كاتب, و كتأمين على كتمان سر أصحاب الروايات فقد اقترحت “ميني” أن يستخدموا قاعدة الـ small penis. و هي طريقة تستخدم عند كتابة كتاب أو رواية تمس الواقع و تصف أشخاصاً حقيقيين بأسماء مستعارة, و تجنباً للملاحقة القانونية من شخصيات الكتاب يقوم الكاتب بإعطاء الشخصية المعنية عيباً لا يجرؤ أحد على القول بأنه هو صاحبه و بالتالي لا يستطيع رفع قضية أو ملاحقة الكاتب. لن يتقدم أحد و يقول “نعم أنا الشخصية التي في الكتاب التي لها *** صغير أو صاحب هذا العيب و أريد أن أقاضيك!!”.

بعد أن طردت “هلي” “ميني” و أهانتها قررت أن تنتقم منها فخبزت فطيرة “شوكولاتة” التي تحبها “هلي” كثيراً, و أكلت “هلي” هذه “الشوكولاتة” التي يتضح أنها “شوكولاتة” من نوع آخر!! وضعوا هذا في الكتاب, كي يضمنوا ابتعاد “هلي” عنهم, و هي ستقوم أيضاً بالنفي القاطع بأن هذا الكتاب أحداثه وقعت في بلدتهم كي تبعد تلك الفعلة عنها مع أنه لا أحد يدري بها!

ينشر الكتاب, و يحقق أرباحاً, و تحصل “سكييتر” على وظيفة محررة مبتدئة في دار النشر بنيويورك. و تحاول “هلي” أن تهدد “سكييتر” و الخادمات و لكن ليس بيدها أن تفعل شيئاً لأنها لا تستطيع أن تثبت على نفسها أنها أكلت فطيرة “شوكولاتة”!

طول الفيلم و أنا أتعجب و أحمد الله على نعمة الإسلام التي عملتنا “لا فضل لعربي على أعجمي, ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”. تعجبت جداً من التفكير الذي كان في عقول هؤلاء البشر, كانوا يعاملونهم كأنهم نجاسات و شر لا بد منه. و عندما زار مالكوم اكس مكة للحج تغير فكره تماماً و نبذ فكرة عنصرية السود ضد البيض التي كان يتبناها سابقاً, لأنه عرف أن بيض أمريكا وحدهم هم العنصريون و ليس كل بيض العالم. رأى هناك في الحج مساواة قيمة الأبيض و الأسود فلا فضل لأحد بسبب لونه.

أمريكا اليوم لم تعد كذلك, الاستعباد اختفى و صار من الماضي. لكنهم لا يخجلون من الإقرار بأنهم أخطأوا و أنهم ظلموا السود زمناً طويلاً. متى نقف أمام أخطائنا و نقر بها؟ الاعتذار و الاعتراف ليس عيباً ولا ضعفاً, بل هو أقل القليل لتصحيح المسار و الاعتبار من الماضي.

حزب الكنبة

ديسمبر 18, 2011 تعليق واحد

بسم الله الرحمن الرحيم

حزب الكنبة

منذ فترة و الأحداث في تجاذب و تنافر في مصر. اتضح للشعب سوء قيادة المجلس العسكري على أفضل التقديرات و الأقوال.

رجعت مجموعة واعية من الشعب إلى الميدان لتطالب بحقوقها, ثم بإسقاط حكم العساكر و مجلسهم. ثم فجأة بدأوا بضربهم بعنف و بلا ضمير!

حزب الكنبة هو مصطلح ظهر على الساحة بين الناشطين ليعبر عن الشريحة العريضة من المجتمع التي تجلس على الكنبة و تتفرج, إما داعية على الظالم أو على الشباب الذين “يخربون البلد” و “يعطلون عجلة الانتاج” التي لم يستطع أحد حتى الآن إيجادها لتركيبها في مكانها! حزب الكنبة له صلة قرابة وثيقة بالمواطن الصالح.

للأسف, يحزنني جداً أن يكون والدي من المنتمين لهذا الحزب! يحز في نفسي جداً أن يكون كثير من عائلتي ينتمون له.

قبل يومين جاءتني “أوامر عليا” من أبي مباشرة ألا أشارك بأي شكل من الأشكال في الأحداث الجارية, و أن أبتعد تماماً عنهم. أفهم أن يخاف الأب و الأم على ابنهم, و لكن زمن الخوف و السكوت ولى. و لو سكت الشباب و أطاعوا كلام والديهم لما صارت الثورة! كلنا أبناء, و لكن على أحدهم أن يتحرك و يتحرر من حاجز الخوف و “أحبك يا ابني أكثر من أن أتحمل فقدك”!

تتراوح الحجج لمنع المشاركة و الاعتراض عند الآباء من “ضياع مستقبلك” إلى أن تصل “ليست بلدك” أو في بعض الحالات المتطرفة “الإنسان أغلى من الوطن”!

و هذه الحجج و التبريرات بحد ذاتها مأساة تكشف عن عمق الجرح في المجتمع, ذلك الجرح الذي يتفتح ببطء و يعاني من خمج مزمن. إن اختفى الوطن و عشنا عبيداً عليه فأين يعيش الإنسان الذي هو “أغلى من الوطن”؟! في البحر مثلاً؟! هجر جزء من الشعب من فلسطين في النكبة و طبقوا مبدأ “نحن أغلى من الوطن” فأين وصلت فلسطين, و هل حتى وجدوا بحراً يعيشون فيه؟!

أن تكون وحيداً في المواجهة هذا شيء مميز و يتطلب شجاعة عظيمة, و لكن أن يكون معك جماعة كبيرة من الناس تطالب بنفس مطالبك و مثل حالتك فلن يستطيع أحد إخماد صوتكم, و كلا بكل تأكيد لن يقدروا على قتلكم جميعاً أو سجنكم كلكم.

إلى متى نستمر بالتصرف “كالخرفان”, بل إلى متى سنبقى شعب من الخرفان؟ بل أن العجيب أن الخرفان التي هي بلا صوف ولا شحم هي التي تندفع أولاً, و السمينة مكتنزة الصوف تجلس على الكنبة تتفرج و أقصى ما تفعله هو أن تناقش ما شاهدته على الشاشة مع زملاء العمل أو الدراسة. و  تتدافع الحجج: ليس لدي وقت, أنا أعمل طوال النهار, أنا متعب, أنا… أنا… أنا… ! و ماذا للوطن منك يا “أنت”؟ ربما لم يقدم لك الوطن ما عليه أن يقدمه, لكن ذلك ليس لأن الوطن جاحداً أو لأنه بخيل, بل لأن الوطن أمسك بزمام أموره عصابة جففت موارده و خيراته فلم يعد الناس يرون منها إلا الفتات الذي لا يكفي.

إذن, الواجب عليك إن كنت تخاف على أولادك و مستقبلهم فعلاً ليس أن تمنعهم من النزول و المشاركة, بل واجبك هو أن تضمن لهم مستقبلاً و حياة أفضل من حياتك أنت في ظل وطنك المسلوب. أتريد لأولادك أن يسلموا اليوم و يعاني أولاد أولادهم غداً؟ ألا تريد الخير للوطن؟

ليس الحديث عن مصر وحدها. حتى في فلسطين, صار “العاقل” هو من لا يشارك في أي نوع من المظاهرات ولا يثبت أمام الشرطة و الجيش الإسرائيلي. بصراحة, مع أن احتمالية الموت موجودة, إلا أن أقصاها هو السجن و ليس بسيء. كل الصالحين من أبناء الشعب في السجن و كثير من الداخلين يخرجون أصلح مما دخلوا و يزيد ثباتهم.

كفى ركوعاً و ذلة. ما خير الحياة إن عشنا جالسين أمام شاشة التلفاز نرى الظلم و العدوان على أبناء شعبنا و نكتفي بالدعاء على الظالم و “تكسير يديه” و “إصابته بالشلل”!؟ و ما هي فائدة الدعاء أصلاً إن كان لوحده هكذا دون أفعال؟ جلست جماعة من الناس في المسجد النبوي اعتزلوا الدنيا يصلون و يتعبدون فطردهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه و قال لهم “إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة”! و ما فائدة أن يدعو إنسان ربه أن يرزقه الولد و هو أعزب؟! و لو فعلها أحدهم لرماه الناس بالجنون, و لكنهم لا يتهمون أنفسهم عندنا يفعلون نفس الشيء بطلب النصر و الجلوس على الكنبة!

إن كنت لا تريد المشاركة فعليك وزرك وحدك, و لكن لا تحمل على رقبتك أوزار الناس بتثبيطهم. أقعد مستريحاً على كنبتك و استمتع بمستقبل أفضل لأن غيرك اجتهد و عمل.

مواطن غير صالح

ديسمبر 14, 2011 تعليق واحد

بسم الله الرحمن الرحيم

مواطن غير صالح

Obey your government

ما هو تعريف المواطن الصالح؟ ما هو معنى “الصلاح” أصلاً؟ هل هو المواطن الذي يطيع القوانين, أم هو المواطن صاحب الضمير الذي يفعل ما هو صحيح؟

من هو “المواطن الصالح” في الدول العربية؟ إنه إنسان رقبته مطأطأة للحكومة, ينتمي لحزب الكنبة (المتفرجون و المجاهدون على الكنبات), أقصى همه في الحياة هو أن “يتأقلم” مع وضع البلد مهما كان مع الاستمرار بالكذب “بلدنا بخير, بلدنا تتقدم, نحن البلد رقم X في إنتاج المادة كذا التي ليس لها أي أهمية عالمية… إلخ”. المواطن العربي الصالح مبادئه في الحياة هي “خبز, عمل, منزل” و حتى هذه الأشياء لا يراها مجتمعة!

المواطن الصالح العربي يحرص على مصلحة الوطن, لذلك فهو عنصر فاعل في تثبيط أية عناصر مشاغبة و “غير صالحة” تريد أن تغير و “تجلب الخراب للبلد و استقراره”! المواطن الصالح يفعل كل ما تأمره الحكومة بفعله, سواءً أقالت الحكومة ذلك مباشرة أم قاله أحد أذرعها الفاسدة من شرطة أو موظفين. المواطن العربي الصالح مطيع, هادئ, يعترض بصمت عندما يعود إلى بيته… و ليست لديه أدنى فكرة عن القوانين, غالباً لأنها وضعت في المقام الأول لتزيين الرفوف و ليس للاستخدام الحقيقي!

المواطن الصالح العربي قد يكره الحكومة. أما المواطن السوبر صالح فهو الذي يحب الحكومة و الدولة من كل قلبه و مقتنع أن الوطن يتقدم للأمام بفضل جهودهم و ليس لأحد حق في الإشارة إلى أية أخطاء… لأنها الحكومة!

المواطن الصالح يؤمن بأن الحياة “بطيخة”, حظك نصيبك, تطلع حلوة أو بلا طعم! و المواطن الصالح يؤمن بأن كل هذا العناء الذي يلقاه في الحياة سيجازى عليه في الآخرة و سيعذب الحاكم و جماعته في جهنم, و لكنه في نفس الوقت يتناسى كل الآيات و الأحاديث التي تذكر الظلم و عواقبه, و آثار ترك يد الظالم تعبث في أرجاء الوطن.

على الناحية الأخرى, المواطن غير الصالح هو عنصر من عناصر تدمير الوطن و هدم استقراره, لأنه إنسان واعٍ تهمه مصلحة البلد. المواطن العربي غير الصالح لا يلبس النظارات التي تصدرها الحكومة لكل المواطنين.

في عقل المواطن الصالح العربي الوطن و الحكومة هم شيء واحد, الشعب هم اكسسوارات زائدة تأتي لسوء الحظ مع كل دولة! لذا, فإن المواطن غير الصالح الذي ينتقد أخطاء الحكومة و يشير إلى جرائمها بحق المواطنين هو عنصر تخريبي لاستقرار البلد و الناس, و يتمنى توقف “الخير” الذي تقوم به الحكومة لهذا الشعب المطحون الذي لولا الحكومة لما عاش و ربما لما كان شعباً بالمرة!

المواطن غير الصالح عنصر مثقف متعلم, و يحرص على تمحيص كل ما يأتي إليه. المواطن غير الصالح ضد الحكومة, لكنه ليس ضدها لعشقه السير ضد التيار (قد يكون عاشقاً للسير ضد التيار, لكن المخالفة ليست للمخالفة) بل هو ضدها لأنها حمقاء متخلفة. المواطن غير الصالح يحاول في يأس إخراج مواطنين صالحين من صلاحهم لكنه يفشل غالباً. المواطن غير الصالح يفعل كل ما يفعله لأن لديه مبادئ في حياته, مبدؤه ليس الرغيف و السكن, و لكن حرية التعبير و الاختيار و العدل.

المواطن غير الصالح يعرف أن محاولاته قد لا تفيد الآن, لكنه واثق من التغيير و يعلم أنه قادم لا محالة, لكنه لن يأتي بالجلوس على الكنبات و التذمر الصامت من حين لآخر من سوء الأوضاع.

المواطن غير الصالح دائماً في صراع مع من حوله, لأنهم صالحون و هو لا! المواطن الصالح يخاف بشكل دائم على صلاحه و سلامته لذا فإنه باستمرار يحاول دفن رأسه في الرمل و دفن رؤوس من حوله كي لا يقول أحد أنه يؤيد “الفساد” و قلة الصلاح!

المواطن غير الصالح لا يتبع جماعة ولا حزباً بعينهم, بل يتبع مبادئ. المواطن غير الصالح لا يطيع القوانين, لكنه مع ذلك لا يؤذي المجتمع ولا يرتكب الجرائم. المواطن غير الصالح هو العدو رقم 1 للحكومة, و لأنها تعلم أن هذه الفئة ستؤثر عليها فإن أول شيء تفعله أية حكومة عربية هو بناء السجون. السجن في الوطن العربي هو منزل للشرفاء و مكان إقامة غير الصالحين. الهدف من السجون هو محاولة زرع الصلاح في هؤلاء المواطنين “المساكين المخدوعين بأن هناك عالم آخر غير عالم هذا البلد” بطرق “حديثة”. إن كنت “غير صالح” بنسبة كبيرة جداً قد تنتهي عملية الزرع بموتك (عادي, كل عملية لها نسبة فشل!!) أو قد تخرج مواطناً في داخلك غير صالح لكنك تظهر الصلاح و ساكت! و آخرون يخرجون غير صالحين و يزيد “فسادهم”.

أتمنى أن أرى جميع المواطنين غير صالحين! و أتمنى أن أرى اليوم الذي يستخدم فيه أغلب المواطنين عقولهم ولا يتبعون هذا و ذاك فقط لأنه “فلان” أو لأنهم “هؤلاء”. و الدول تتقدم إلى الأمام بقدر ما يوجد فيها فئة تنطق و تعترض, أما الدول ذات الأغلبية الصامتة, فيكفي أن ننظر حولنا و إلى حالنا لنرى أين توصلنا.

جندب بين الأقدام

ديسمبر 10, 2011 2تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

جندب بين الأقدام

بينما أنا جالس اليوم في أحد “الشوارع” في الجامعة منتظراً للمحاضرة التالية في جدولي قاتل النهار المليء بالفراغات القصيرة, قفز أمامي جندب من الحجم الكبير لونه أسود.

كان هذا الجندب ملفتاً و مثيراً للاهتمام, ليس فقط لحجمه و اللون البرتقالي الذي على رقبته, بل لأنه قفز هكذا فجأة بين الأقدام بلا مبالاة ولا وجل.

أعلم أن الحشرات ليس لديها الإحساس و التقدير الذي لدى البشر, فالنملة و الصرصور لا يدركون و هم يمشون أن هذا قد يكون شارعاً, أو أن هذه البقعة قد تطأها قدم. هم يحسون بما حولهم في تلك اللحظة و يتصرفون على ذلك الأساس. لكن الأمر المعنوي هنا جعلني أفكر.

هذا الجندب كان بين أقدام كثيرة, كلها تكاد تدوسه و تصيره عجيناً مسواً بالأرض, و أحس أكثر من مرة بالخطر فتحرك خطوات قليلة و توقف. وسط هذا الخطر المحدق بحياته بدأ ينظف قرونه الاستشعارية, و مرة يحك جناحه, المنظر واضح أنه ينظف نفسه و “يلمع” أجنحته و قرونه! لم أستطع تجاهل لامبالاة هذا الجندب. أهي جرأته أو هي حماقته؟ لربما هي افتقاده لعقل يبقيه مشغولاً بكل الفرضيات التي لا تنتهي حول إمكانيات موته أو عدم اكتراث أحد بحياته أصلاً!

أفتقد أحياناً تهور الجندب و تركه للحسابات الكثيرة و تنفيذه لما يحب و يراه مناسباً في تلك اللحظة.

أحس و كأنه كلما كبرنا و تعرفنا على العالم أكثر كلما زادت الأمور التي نأخذها بالحسبان و زادت القيود التي تكبل همتنا و سعينا نحو الأشياء.

إذا سكت الجميع خوفاً, فإن من يقول الحق بلا وجل هو طفل. إذا أحجم الناس عن شيء ما و هابوه أقدم عليه طفل. كل ما يظنه الناس مستحيلاً يفعله الأطفال ولا يكترثون بذلك كله!

لا أتمنى أن أعود طفلاً, فقد تعلمت الكثير لأخسره, و لكنني أتمنى أحياناً لو أستبدل أجزاء من دماغي بدماغ الطفولة. و ربما أزيل بعض الأجزاء منه! أريد أن أستبدل ذلك الجزء الذي يستمر بتخويفي من الأشياء و يستمر بحساب العواقب, ذلك الجزء الديكتاتوري صاحب السطوة الأمنية علي! و أريد أن أستبدل قسم اللوم و الذكريات الفاشلة, بل أريد إزالة هذا القسم تماماً! لا أريد عقلاً يصرخ ليل نهار “لمَ لم تفعلها؟ لمَ فعلتها؟!”. قسم يستمر بإخباري بأنه من الماضي و لا يمكن تغييره, و ذاك الجزء يستمر بتوبيخي!

ذلك الجندب ربما يعلم أن نهايته قريبة ولا يمكنه التحكم بها, و ربما لا يعرف. في كل الأحوال هو يخرج كل يوم, ككل الأعداد التي لا تحصى من الحشرات, ليبحث عن رزقه و يمضي يومه في ما تفعله الجنادب. حياته ستنتهي في أية لحظة, إن داسه أحدهم خطأً أو إن مر مؤذٍ فوطئه عمداً, و مع ذلك هو لا يكترث و يجد الوقت ليقف بين كل تلك الأقدام و ذلك الجمع الكبير لينظف نفسه و يتشمس قليلاً!

لا أعلم بماذا كان يفكر, ربما قرر أن ينتحر! لكن هذا الخاطر سرعان ما مر عندما داسه أحدهم بالخطأ فقفز مرة واحدة و أسرع ليختبئ في شق بين حجارة الرصيف. هو يريد أن يعيش, لكنه يعيش كما يريد ولا يهمه رأي الناس بأنه يسوق نفسه نحو الموت, و يرمي بجسمه بين الأقدام.

خوفنا يلجمنا, و ما زال يلجم الكثيرين. يلجمهم من المقاتلة من أجل مستقبل أفضل, و عدالة و حرية تعبير. يلجمهم من المطالبة بحقوقهم. نفكر كثيراً في الأمور على المستوى القريب, ولا نعلم أن المستقبل سيكون أفضل إن تخلصنا من خوفنا.

تمنيت أن أكون أكثر مثل ذلك الجندب, و مثل عقلي الطفولي, و أقل من عقلي المتوجس الذي يحسب كل شيء و يزنه بميزان!! تتكاثر الافتراضات و النتائج في عقلي و لا نجرب أن نفعلها و نرى إن كانت النتيجة كذلك فعلاً!

من الآن سأحاول أن أحسب النتائج أقل, و أكون أكثر “تهوراً”. سأفعل الشيء من غير ندم أو عتاب, و سأتقبل الأشياء كما هي و أحاول إصلاح ما أستطيع مع اعتماد مبدأ “طنش تعش تنتعش” للناس التي لا تبالي. لن آكل نفسي بعد الآن إن لم يتحقق المطلوب, تغيير كامل للأهداف و الرؤى =)

فزاعة الإسلاميين و السلفيين

بسم الله الرحمن الرحيم

فزاعة الإسلاميين و السلفيين

منذ أن بدأت هذه الثورة و كان تغير الحكومة و اجراء الانتخابات حتمياً لا مفر منه, بدأت الأبواق تحذر “سيأخذها الإخوان… سيجعلونها إمارة إسلامية!”. ثم قرر السلفيون أن يدخلوا الانتخابات فصار الأبواق تنعق “سيلبس الجميع لباساً أسود… حتى الرجال سيفرض عليهم الحجاب!!”.

بداية, يجب أن أوضح موقفي, فإنا لست مؤيداً للسلفيين أو الإخوان. و مع أنني أدعم بعض النقاط في توجهاتهم, إلا أن اتجاهي مختلف تماماً. لكن, الحق و واجب العقل يقتضي أن أدافع عن حق الجميع فيما ما أريده لنفسي. الحرية ليست حكراً على جماعة أو فئة من المجتمع, يتمتعون بها ثم يمارسون نفس ما مورس عليهم من قمع و إسكات. ما الفرق بين محاولة إسكات سلفي أو غيره اليوم و بين محاولات النظام السابق إسكات الأصوات التي تنطق بالحق و بوجود الفساد؟

الإسلاميون ليسوا مخلوقات من الفضاء, هم فئة من هذا المجتمع و بالتالي حقهم أن يكون لهم تمثيل أو صوت. و أيضاً هم يعيشون بين الناس, و غالباً هم ليسوا من أصحاب المناصب و الأبراج العاجية.

و العملية ديمقراطية تماماً, لا يحق لأي شخص أن يعترض على النتيجة, سواء فاز الإسلاميون أو خسروا. إن وصل الإسلاميون إلى الحكم فهذا بسبب أن الأغلبية اختارتهم.

الناس ليسوا بالغباء الذي يتخيله البعض, و مع أن أسباب اختيار فلان أو علان تختلف من شخص لآخر, إلا أن المؤكد أن الناس لو لمسوا عجز الحزب الذي صعد إلى الحكم فلن يعودوا لانتخابه مرة أخرى. علينا أن نعطي الجميع فرصة, بعض الناس يرفض حتى أن يسمع مخطط مرشح لمجرد أن له لحية أو أن انتماءه لحزب إسلامي بغض النظر عن تفاصيل الشعر على وجهه!

ثم هناك مسألة برامج الحوار, أول سؤال يخطر على بال المحاور هو عن الخمارات و الملاهي و النوادي الليلة!! يعني هل 99% من بيزنس مصر من هذه الأشياء؟! و الجواب لا, بل هي نسبة ضئيلة. يعني هل السلفي أو الإخوان ليس في برنامجه الانتخابي سوى عبارة “اجبار الجميع على الإسلام”!؟ ليست عنده أية اهتمامات بالتعليم و الاقتصاد؟ هناك أمور أهم من تطبيق الشريعة, و أظن أن أغلب المرشحين الإسلاميين يدركون هذا. للأسف رأينا سخافات حوارية من كثير من المقدمين, لديهم اهتمام عجيب بـ “تزغيط البط” و ” الخمارات و المراقص”, سواء مع المرشحين الإسلاميين أو غيرهم!!

الموضوع ليس و كأن الأمور كلها تحل فجأة و بضغطة زر. قد يكون عند الحزب الفلاني أجندة بإحياء الإسلام بين الناس, لكنها لن تنفذ بين يوم و ليلة, و لا حتى خلال أربع سنوات أو ضعفها!

تعجبني كلمة سيد قطب: “الدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات, إنما يقودهم بالتقوى. و إذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام؛ و لكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم و قلوبهم و استحياء شعور التقوى في أرواحهم.”

مع أننا شاهدنا سقطات لبعض القياديين و المرشحين, إلا أنهم يبقون أفراداً إذ أنه سرعان ما تعلن بقية جماعته أن هذا ليس توجهها الرسمي.

الإطالة في هذا الموضوع لا تفيد, و على كل أنا لست مصرياً و لا أستطيع التصويت. و لكنني بالتأكيد لو استطعت سأصوت لمن عنده أقوى برنامج انتخابي يفيد البلد بغض النظر عن دينه و مذهبه. علينا أن نستوعب جميعاً أن الدين و المذهب و الطائفة لن تفيدنا في تحريك البلد إلى الأمام إن كان اختيارنا على هذا الأساس وحده أو بنسبة كبيرة. ماذا يفيدني عالم في دينه إن كان لا يجيد تحريك البلد إلى الأمام و تطويرها؟ و في المقابل أنا لا يضرني فسق الرئيس إن كان أميناً و متقن لعمله. العبادات بين الإنسان و ربه, و ليست للعرض على الناس أو لأخذ رأيهم بها. و أساس اختيار رجل لمنصب هو مدى اتقانه لمتطلب هذا المنصب. لو كانت عندنا سيارة و سائقان, واحد يصلي و يصوم و آخر لا يصلي ولا يصوم و لكنه أمهر… ماذا تفيدني صلاته و صيامه في هذا الموقف!؟ المطلوب هو قيادة السيارة و ليس إلقاء خطبة جمعة أو توجيه المؤمنين. و ينطبق الأمر على الوزير و الرئيس, يذمون في بعض المرشحين أنهم “ليبراليين” و “علمانيين” (و بالمناسبة أغلب الناس لا تدرك معنى الليبرالية ولا العلمانية), و ما يضرني هذا؟ بل أنني قد أفضله على مرشحين آخرين لأن لديه رؤية واضحة و برنامجاً يسير عليه في مجالات حيوية كالتعليم و الاقتصاد, و هو في ذلك أصلح من الإسلامي.

الشعب ليس أحمقاً, فتوقفوا عن اخافته. و الأحزاب الإسلامية أيضاً ليست مغفلة. الشعب نجح في الإطاحة بمبارك, فلا أظن أنها ستكون مشكلة كبيرة أن يوصلوا صوتهم اعتراضاً على قرارات أو توجهات لا تعجبهم, و في النهاية لا أعتقد إطلاقاً أنهم سيتجاهلون ما يطلبه الناس و ما يريدونه. أعطوهم فرصة كما كل القوى الموجودة على الساحة.

عندما تكون مع الثورة, ضد الشعب!

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تكون مع الثورة, ضد الشعب!

December 1, 2011

عدت للتو من زيارتي السنوية لدائرة الجوازات و الإقامات المصرية, هذه الزيارة التي لا يبدو أن أحوالها تتحسن في كل مرة! بعد 25 يناير كنت مصدقاً أن التغيير حقيقي, و أن أقل الإيمان هو إزالة كل من ساهم في الفساد و نكل بالناس… لكن المفاجأة السارة كانت أنه لا شيء من هذا حدث!

عزل أفراد بأعينهم, و أعيد تعيينهم في مكان آخر برتبة أخرى, و البقية ظلت على ما هي عليه. ما زال ضابط الشرطة الفاسد هو نفسه مسؤولاً عن الدائرة, و ما زال شرطي الباب و مساعده هم ذاتهم… و ما زال نفس الموظفين في أماكنهم لم تتغير حتى شبابيكهم و أماكن جلوسهم!!

تعسرت الإجراءات أكثر لاستخراج تجديد لإقامة حتى اليوم لا أعرف لماذا هي مفروضة فقط على مواطني البلاد البائسة؛ فلسطين, العراق, دول افريقيا… و فقط! وصلت إلى نفس الموظفة السمينة الجالسة على شباك استقبال الطلبات, و مرة تشرب شاياً, و مرة تنهض “لتريح أرجلها”!!! بالمعدل, كل طلب يستلزم ربع ساعة, و هناك ما يقارب الخمسين شخصاً. دخلت الساعة الثامنة و النصف و خرجت الحادية عشر و النصف! ثلاث ساعات و لم أخرج منها ولا حتى بختم إقامة على صفحة الجواز!

و الأنكى أنهم يشعرونك و كأنك أول مرة تظهر في هذه الحياة, في كل مرة عليك أن تملأ الاستمارة, و تحضر نفس المستندات و صورها, و تنظر أمامك إلى الموظف يفتح جرار الأرشيف و يخرج ملفاً لأحدهم فيه ربما عشر صور جواز سفر و مثلها من الأوراق الصبيانية التي يطلبونها… التكرار يعلم الحمار مثلاً!؟ و لم نسمع باختراع اسمه “كمبيوتر”, وااااااوووو!!! ما هذا الشيء العجيب الذي يعمل بالكهرباء ولا يتطلب إمساك قلب و تقليب صفحات, و يمكن استخراج أية معلومة منه في لمح البصر؟! ما هذا الشيء الخارق الذي يوفر الكثير من الوقت و الجهد؟ إنه ليس تكنولوجيا فضائية, إنه مجرد جهاز كمبيوتر عادي و رخيص عليه بديل أثبت بلا شك أنه أفضل من الورق و السجلات بآلاف المرات اسمه قاعدة بيانات!

و الحكاية تتكرر مع المصريين الذين يريدون استخراج جواز سفر, رخصة قيادة, تسجيل مولود, إلخ… بطاقة الهوية مسجل فيها المهنة و الديانة (و سآتي على هذا لاحقاً) و كل هذه التفاصيل الغبية… ثم تأتيك الاستمارة التي صممها عبقري و خطها ذكي فيها تفاصيل جدودك كلهم و اسمك و الحالة الاجتماعية و الديانة و المهنة… كل هذا مسجل عندكم يا أغبياء, و فوق هذا مسجل على البطاقة!! لماذا تصدر بطاقة شخصية أصلاً للمواطنين إن لم تكن أياً من بيانتهم مسجلة عند هذه الحكومة الفذة؟!

و الديانة…. ماذا تريد يا ***** **** من ديانتي؟! ماذا ستفيدك؟ و لماذا هي أصلاً مسجلة على البطاقة القومية أو جواز السفر… أو حتى لماذا علي أن أفصح عنها؟ بماذا ستفيد هذه في تحديد هويتي؟ يلعلعون كل يوم في التلفزيون و الصحف “المسلم و المسيحي إيد وحدة” ثم ينصرفون يصنفون الناس على بطاقاتهم!

ماذا تريد الدولة أو أياً كان من ديانتي؟ ألا يحق لكل واحد أن يعبد ربه كما يريد؟ ألا يحق لإنسان أن يكون نصرانياً أو يهودياً أو ملحداً؟! ثم إن وجود خانة “الديانة” على أي مستند أو استمارة حكومية تعطي إيحاءً قوياً بأنها قد تكون عاملاً في قبول أو رفض تلك المعاملة. من العجيب أنه لا توجد خانة للجنس و لكن خانة الديانة قبل خانة مكان الولادة! وجود خانة مثل “الجنسية” هو لموازنة عامل قبول أو رفض الطلب, لكن خانة الديانة… هل هي هناك لذات السبب؟

و لماذا لا توجد قائمة بالأشياء المطلوبة و التسعيرات؟ لماذا على كل واحد أن يضيع من وقته (و وقت الآخرين) فترة انتظاره في الطابور ليسأل عن المتطلبات و كم صورة من كل مستند و المبلغ المطلوب مقابل كل واحد… الجواب واحد بالنسبة للجميع, أو على الأقل بالنسبة لكل جنسية, الحل بسيط و يوفر مئات الساعات, لوحة عليها عدد النسخ المطلوبة و المبلغ… تادا!!

و بينما أنا أنتظر لاستلام جوازي بعد نسخ كل المعلومات في دفتر و إذا بالضابط يمارس نفس الأفعال التي شاهدتها من قبل, واحد يعترض على ردائة الأداء, و كثرة تضييع الوقت في شرب الشاي و غيره, الضابط (الذي يشرب الشاي أيضاً) لا يعجبه هذا و يقرر أن المعترض لا يستحق تسيير معاملته و يمنع الموظف من استلامها… تهانينا!

لما ذهبت لاستخراج جواز سفر في بلد X المتقدم, ذهبت و معي بطاقة الهوية و… فقط! لم أملأ أية استمارات أو طلبات, سلمت الموظفة صورتان شخصيتان و بطاقتي و دفعت المبلغ المترتب, و وصلني في البريد إلى عندي. هويتي ليس عليها سوى اسمي و اسم والدي و أمي, مكان الولادة و تاريخها و الجنس, مكان الإصدار و تاريخه, و صورتي و بجانبها رقمي. هذا كل ما على البطاقة الرسمية!

في جعبتي الكثير, و لا أظنها تنتهي هنا أو تتسع الصفحات لها. لماذا أختام الدخول و الخروج المصرية بنصف حجم صفحة الجواز, و لماذا ختم الإقامة عبارة عن قطعة إنشائية بحجم الصفحة؟! و لماذا علي أن أسجل وصولي خلال أسبوع و هو أصلاً مسجل باللحظة التي ختم فيها موظف المطار ختم الدخول؟!

يحز في نفسك أن ترى معنى الثورة عند الموظفين هو شرب النسكافيه في كأس عليه 25 يناير, و لم تصل الثورة إلى أفعالهم و تصرفاتهم… لم تتم الثورة بعد, لم يستوعبوا بعد معناها و لم يغيروا من تصرفاتهم. يثور الناس في ميدان التحرير, و ثورتك أنت وراء ذلك المكتب هو اتقان عملك و تسهيل أمور المواطنين أمثالك الذي تدعى أنك منهم و أنت جالس تظلمهم و تتجبر فيهم.

——————————–

كتبت يوم 1 ديسمبر, لتراكم الكتابات بانتظار النشر خلال فترة انقطاع النت.

The Pursuit of Happyness

بسم الله الرحمن الرحيم

The Pursuit of Happyness

November 30, 2011

فيلم دراما مؤثر. و عنوان الفيلم مأخوذ من إعلان الاستقلال الأمريكي, الذي تتكرر فيه عبارة “البحث عن السعادة”, و كلمة happyness المكتوبة على جدار الحضانة بدلاً من الكتابة الصحيحة happiness.

ككثير من الأفلام, قررت مشاهدة الفيلم بناءً على تصنيفات و كتابات تشيد بقوة القصة و إتقانه. لكن, لأن القصة كانت عبارة عن أب و ابنه ظننت أنه ككثير من هذه النوعية من الأفلام و أجلت مشاهدته, إلى أن شاهدت “سكيتش” كوميدي عن قصة الفيلم, فقررت مشاهدته لأن القصة اتضح أنها ليست مجرد “أب و ابنه” بل حكاية عن شريحة واسعة من الناس.

الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقة لشخص اسمه “كريستوفر غاردنير”, رجل أسود متزوج و عنده طفل عمره 5 سنوات, يعمل كمسوق لجهاز كشف عن كثافة العظام. و يمكن بسهولة تصنيفه ضمن فئة محدودي الدخل التي تمثل أغلب سكان المجتمع.

حياة كريس المالية لم تكن بأحسن أحوالها. كان مديناً بأجرة الشقة, ولا يستطيع أن يدفع مخالفة جر السيارة و إخراجها من الـ impound أو حتى مخالفات الوقوف المترتبة عليه. في يوم من الأيام يقف أمام شركة استثمارات و أسهم (استثمارات حقيقية, ليست كـ”استثماراتنا”!!) و يرى رجلاً ينزل من سيارته الفيراري. و يسأله “ماذا تعمل؟” فيجيب “سمسار أسهم”. ثم يتبع تلك الإجابة سؤال “بالتأكيد قائمة شهاداتك طويلة” و يجيب السمسار “ليس فعلاً. كل ما تحتاجه هو مهارة في الرياضيات و شخصية تجيد التعامل مع الناس!”. هذه الإجابة تضرب عصباً مؤلماً في جسد “كريس”, و في تلك الليلة يقرر أن يتقدم لعمل في شركة “دين ويتر” للاستثمارات كسمسار أسهم.

لا تسير الأمور على ما يرام في حياته, زوجته تتركه لتعمل في نيويورك, صاحب الشقة يطرده منها لعدم سداده الديون, و تأتي الشرطة تطرق بابه لتراكم المخالفات المرورية عليه و عدم سدادها. و يسدد قدراً منها بما عنده من مال, لكن الشرطة تبقيه في الحبس تلك الليلة حتى يطلع الصباح و يتأكدوا من الشيك المكتوب. كانت عنده مقابلة العمل في “دين ويتر” الساعة 10:15 ذلك الصباح, كان أمامه 20 دقيقة ليجري من مركز الشرطة إلى مقر الشركة, في ملابس أمس المغطاة بالدهان و العرق يتصبب منه. في النهاية ينجح بإقناع مدير الشركة بدخول فترة التدريب 6 أشهر. فترة التدريب هذه يدخلها 20 شخصاً, و بعد 6 أشهر يختارون واحداً فقط منهم ليصير سمسار أسهم يعمل معهم.

تتقلب حياة “كريس” و هو يقاتل من أجل بيع أجهزته, و يحدث أكثر من مرة أن يسرق منه الجهاز أو يضيع لكنه ينجح في استرجاعه. بعد أن يطرده صاحب الشقة يذهب إلى “موتيل” ليقيم هناك, ثم لا يستطيع أن يدفع الإيجار فيطرد أيضاً و يصير في الشارع هو و ابنه ذي الخمس سنوات. في أول يوم يمضي ليلته في محطة ميترو في سان فرانسيسكو, ثم على أرض غرفة الحمام. ثم في الأيام التالية في ملجأ للفقراء. و في هذه الأثناء و وسط كل هذه التقلبات و الحياة السيئة ما زال يحاول بيع آخر جهاز عنده و يدرس من أجل الوظيفة الجديدة. في نهاية المطاف يستطيع هذا الرجل الأسود, بلا تعليم عالٍ ولا مأوى بأن يحصل على الوظيفة الخيالية و يتطور إلى أن يصل إلى تأسيس شركة الاستثمارات الخاصة به باع حصته فيها بمئات الملايين من الدولارات!

الفيلم جعلني أفكر عميقاً في ناس لم أكن أفكر فيهم كثيراً من قبل. الفقراء. لا توجد شخصية معينة أو صورة محددة للفقر. قد يلبس الرجل أمامك بدلة جيدة و يتدرب في واحدة من أكبر شركات الاستثمار لكن الـ 8 دولارات التي في جيبه هي كل ما يملك و آخر ما عنده.

أفكر ملياً في أناس أراهم كل يوم, النقود تعني لهم شيئاً, كل فلس منها. أنا بصراحة لم أعرف معنى الفقر, ولا أعرف معنى “محدودية الدخل”. لم أضطر للعمل و الإدخار من أجل تعليمي و مصروفي. تمر أحياناً أيام أن تنفد النقود من الجرار, و يمر يوم أو يومان… لكن في النهاية المال موجود إما في البنك أو على شكل دولارات تنتظر التصريف… أو في أسوأ الأحوال على بعد حوالة بنكية من الأهل!

حياتي ستكون, بإذن الله, جيدة و مريحة, و لكن نسبة عظيمة من الأسباب هو أن الفرص أتيحت لي. كم من الشباب الذين يرغبون من كل قلبهم أن يكملوا دراستهم, لكن لا يستطيعون لأنهم لا يستطيعون توفير قسط الجامعة؟ و ما هي أصلاً نسبة الأفراد في المجتمع الذين يملكون مبلغاً يمكن أن ينقذهم من أزمة مفاجئة غير محسوبة؟ كثير من الناس يعيشون بما لديهم لذلك الشهر, و ليس عندهم مبلغ يوفرونه للمستقبل أو هو مبلغ ضئيل يطير مع أول ارتفاع طفيف في الإيجار أو مخالفة سير قاسية.

هؤلاء ليسوا “فقراء” أو “محتاجين”, لكنهم أصحاب دخل محدود. دخل يحده بداية الشهر و نهايته, و محاولة مده فيما بينهما!

تدريجياً, نبدأ بفقد الاحساس بمعنى القرش و الفلس, لأن احساسنا متأثر بشكل دائم بالدنانير و الألوف. الكف التي ألفت الخشن من الصعب أن تحس الناعم, و المطاط بعد أن يشد لفترة طويلة يصعب أن يعود لطوله السابق.

أسوأ ما يمكن أن يفعله والدان هو إغراق ابنهم بالدلال و الأموال. الطلبات مجابة و دائماً عنده. حتى لو كان الوالد غنياً و حالهم ميسوراً من الخطأ أن يعطيه دائماً ما يريد, على الولد أن يعمل و يتعب من أجل طلبه. عليه أن يعرف معنى العمل و كسب القرش ليعرف قيمة انفاقه. حتى لو كان الابن غير محتاج للمال أو العمل, عليه أن يعمل. فيتعلم شكل الحياة و أخلاق الناس, و يحس بالإنجاز و يكسب قليلاً من المال.

كم من الناس كانوا جديرين بفرصة لتغيير حياتهم و كسر العجلة السقيمة و لكن لم تكن لديهم الفرصة أو الإمكانية المالية؟ ألا يستحق الجميع فرصاً متكافئة ليحاول كل واحد أن يحسن حياته؟ و كم من مدلل عابث يبذر دنانير والده, و عنده الفرص مفتوحة ليكون في نهاية المطاف شاب بشهادة صورية في تخصص رديء يعيش على ثروة والده و نفوذه, ألا يستحق واحد أن يتبادلوا الأمكنة ليتحسن كلاهما؟

——————————–

كتبت يوم 30 نوفمبر, 2011, بسبب “اختفاء” كوابل الهاتف بشكل عجيب (و بمساعدة بعض أولاد الـ ****) من يوم 26 نوفمبر إلى 1 ديسمبر.

12 Angry Men

بسم الله الرحمن الرحيم

12 Angry Men

November 29, 2011

هذا الفيلم الذي جاء من سنة قديمة ولد والدي بعدها! هذا الفيلم جاء من سنة 1957. الفيلم بالأبيض و الأسود, و قبل أن يبدأ البعض بالتأفف من هذا الفيلم “الأنتيك”, سنة 57 و أيضاً أبيض و أسود, أحب أن أطمنهم أنني لم أشاهده عشقاً بهذه النوعية من الأفلام, و لكنه واحد من الأفلام القلائل من هذه السنين القديمة مصنف في كل قائمة طالعتها عن أفضل الأفلام على الإطلاق مهما اختلف ذوق الكاتب أو تغير نوع القائمة. كان لا بد أن أشاهده. كما أن الاسم مغرٍ! =]

12 رجل غاضب! على غير العادة لم أطالع تفاصيله على IMDb, ببساطة لأنه دائماً مصنف ضمن أفضل الأفلام ولا حاجة للتأكد من جودته, فلم تكن لدي أدنى فكرة عن محتوى الفيلم أو قصته. ظننت أنه سيكون مشابهاً لأفلام أحدث تتحدث عن قصة عصابة أو مجموعة تعرضت لمشكلة ما, و سيحاولون حل هذه المشكلة خلال الفيلم, مثل فيلم Reservoir Dogs مثلاً.

الفيلم كان عبارة عن مجموعة, لم تكن عصابة, و لم يكن فيه أي نوع من الآكشن و الحركة. في الحقيقة, الفيلم كانت كل أحداثه تدور في غرفة مغلقة, لم يخرجوا منها, و لم يخرج منها أي مشهد (مشاهد ذكريات, أو أحداث تحدث خارج الغرفة) و يجلسون حول طاولة. في هذه المرحلة, أتخيل بعض القراء يزيد تأففهم, فيلم قديم, أبيض و أسود, تدور كل أحداثه في غرفة جالسين حول طاولة… I’m outta here!!! =D

لو كنت قرأت كل هذه التفاصيل قبل مشاهدة الفيلم ما كنت شاهدته, لكن الحمد لله أنني اكتشفته بنفسي =)

هذا الفيلم دليل واضح و جلي على أن الفيلم الجيد لا يستغني عن حبكة محكمة و قصة متينة لها هدف واضح و رسالة تريد إيصالها. الفيلم ليس بالمؤثرات التي فيه, ولا أسماء الممثلين أو حجم الشركة المنتجة و الدعاية له (احم… Avatar, Transformers, Iron Man…). ربما ينبهر البسطاء بتقنيات الـ 3D, الممثلات الفاتنات, نوعيات السيارات و الإكسسوارات المستخدمة, لكن كل هذا ما هو إلا كالبهارات الكثيرة التي تستخدم للتغطية على ردائة اللحم. الفيلم بحبكته و رسالته, الممثلون و المخرج وظيفتهم إيصال هذه الرسالة بأفضل صورة و طريقة, و كم من فيلم خرج من شركة انتاج مغمورة و غير معروفة بميزانية ضئيلة و كان أفضل من مئة فيلم من شركات هوليوود الكبيرة!

قصة الفيلم تدور حول محاكمة لشاب عمره 18 عاماً, قُتل والده طعناً بسكين. و هؤلاء الـ 12 رجلاً هم الـ Jury (الحمد لله, من انتشار العدل و الديمقراطية, و القضاء العادل في وطننا العربي فإنني لا أعرف المصطلح المرادف بلغتنا!), و يبدأ الفيلم بمشهد يعلن فيه القاضي أن المحاكمة في مراحلها الأخيرة و حان موعد النطق بالحكم, و عليهم أن يجتمعوا و يقرروا بالإجماع الحكم على هذا الصبي, بريء أو مذنب, و يخرجون إلى الغرفة المخصصة لهم ليتناقشوا و يقرروا.

يبدأ الاجتماع بعد أن يجلسوا كلهم بتصويت أولي على الحكم, 11 صوت مذنب, 1 بريء! و بما أن القرار يجب أن يكون إجماع أو لا حكم يبدأون بالنظر إلى الرجل الذي صوت مخالفاً الجميع!

يبدأ الرجل بشرح موقفه قائلاً أنه ليس مقتنعاً بأن الشاب مذنب, ولا يعني هذا أنه يقول أنه بريء, هو فقط يريد أن يقتنع كي يدلي بقراره. و يبدأ بشرح الأمور التي جعلته لا يقتنع بأن الشاب مذنب, و خلال الفيلم يتضح أن الرجل يفهم واجب الـ Jury بشكله الصحيح. فقام بالتحقق من بعض الأشياء, كما استخدم عقله و ذكاءه و لم يسلمهما لمحامي الدفاع أو الادعاء بالطريقة التي عرضوا فيها الأدلة.

و خلال الفيلم يبدأ آخرون بتأييد قراره و وجهة نظره, و تبدأ تتضح أسباب مختلفة لدى البقية لإدانته, أغلبها نابعة من حقد أو فكرة مزروعة في رأسه, أو فقط لأن عنده مصلحة يريد أن يلحقها قبل ساعة معينة لذا فهو “يمشي مع الجماعة كي تمشي الأمور و يخلص”!

الفيلم يعتمد على المنطق و الإقناع, و الكاتب ذكي كي يجعلك تجلس ساعةً و نصف تتابع مجموعة من الأشخاص تتناقش. و يوصل فكرة لا تستطيع إيصالها ولا بألف مقال أو خطبة. هذه المجموعة بيدها حياة أو موت إنسان, لكن قليلون يعون حقيقة هذا الأمر بشكله الصحيح. ولا يتبع هذا القرار مصالحك أو مشاكلك الشخصية, أو الأفكار و الآراء التي تمتلكها مسبقاً في رأسك.

ليس لمجرد أن هذا الفتى من منطقة فقيرة و تشتهر بالجريمة فهو بالتالي تلقائياً “مجرم”. و ليس لأن له سوابق جنائية كالسرقة أو السطو فهذا يعني أنه قاتل. لا يمكنك أن تقول “بالتأكيد قتل والده, و الدليل أن لديه سجلاً و الجريمة منتشرة في منطقتهم”! هذا ليس دليلاً أو اثباتاً.

الفيلم يحمل قيمة معنوية جميلة و قيمة. لا يهم إن كانت محاكمة أو حياتنا العملية, لا يمكننا أن نعامل الناس بناءً على افتراض مسبق أدخلناه في عقولنا. الانحياز, العنصرية, الحقد, هذه كلها أشياء كثير منا يتعامل على أساسها, بوعي أو بغيره. و بعضها قد نبرره لأنفسنا بمبررات دينية أو اجتماعية… شيء نغلف به هذا التعامل و نستر به سوأة العمى.

و قيمة أخرى هي أن شخصاً واحداً يمكن أن يصنع فرقاً. لو قلتها بالوصف و الكلام لكان الفيلم لا يصدق و يبقى مجرد فيلم, لكن عندما تشاهده, و تقتنع أنت بالدليل و ترى الخلل في الروايات و الأدلة المعروضة, كما يقتنع بقية الرجال الذين كانوا في البداية معارضين, سترى أنه بالفعل يمكن لرجل واحد ثابت على رأيه و معه دليله أن يصنع الفرق, و فرق واسع. من إرسال إلى الكرسي الكهربائي إلى الحرية, العكس تماماً!

أن تطلق مذنباً يحتمل أن يكون بريئاً أفضل من أن تقتل بريئاً أو تظلمه لاحتمال أن يكون مذنباً. يجب هذه أن تكون قاعدة عند جميع الناس قبل القضاء و القضاة. الظلم عاقبته وخيمة. و رب دعوة في جوف الليل من مظلوم أودت بالظالم و أردته.

——————————–

كتبت يوم 29 نوفمبر, 2011, بسبب انقطاع الهاتف وقتها. شخص (أو أشخاص) بتركيز ضمير مرتفع و نسبة أخلاق و دين عالية سرقوا الكوابل و انقطعت الخطوط عن “البلوك” كله! الانقطاع استمر من ساعات الصباح الأولى (غالباً قبل منتصف الليل) يوم 26 نوفمبر و حتى 1 ديسمبر. الله يجعل نحاس الأسلاك اللي سرقتها تشويك في جهنم!

التصنيفات:Movies أفلام الوسوم:, , , ,

Inception

بسم الله الرحمن الرحيم

Inception

November 29, 2011

بما أن النت منقطع حالياً (في تاريخ كتابة هذا الموضوع) بسبب سرقة أسلاك التلفون من خزانة التوزيع الرئيسة للشارع كله, فهذا يعني أن الانترنت أيضاً مقطوع! و لحسن حظي, في اليوم الذي أنهيت فيه امتحاناتي!

لم يكن أمامي خيار سوى مشاهدة الأفلام المخزنة عندي, سواء أكانت في قائمة الانتظار لم أشاهدها بعد, أو أنها في الأرشيف و شاهدتها.

و بما أن كتاباتي الحياتية متوقفة حالياً ولا يسعفني عقلي بأية خاطرة أو فكرة للتحليل أو الانتقاد, فلا ضير أن أكتب عن الأفلام التي أشاهدها. سأبدي رأيي بالفيلم و ملاحظاتي عنه.

فيلم Inception شاهدته هذا الأسبوع  للمرة الرابعة, و نادراً ما أعيد مشاهدة فيلم سبق و أن شاهدته إلا إن كان متميزاً فعلاً و يجذبني, و هذه القائمة تتضمن أعمالاً مثل The Dark Knight, The Godfather, The Shawshank Redemption.

فكرة الفيلم جديدة, غزو العقول و زرع الأفكار. الإخراج رائع ولا غبار عليه, كذلك التمثيل, التصوير, الحبكة.

أولى ملاحظاتي على الفيلم, و الملاحظات غالباً ما تظهر بعد مشاهدة الفيلم للمرة الثانية إن كان رائعاً فتبدأ بالتركيز على أشياء فرعية في القصة و التمثيل, أولى ملاحظاتي هي الجهاز الذي يستخدمونه للدخول في حالة الحلم.

هذا الجهاز استفزني من الناحية الطبية, الأحلام في الدماغ و التشابكات العصبية فيه, كيف يمكن لمجموعة من الأشخاص أن يتشاركوا حلماً عن طريق الدم؟! و ما هي وظيفة المضخة الصغيرة التي تستمر باصدار صوت مثل “بسسسسست بخ” مثل مضخات الهواء (و هي تضخ سائلاً)؟ و “الحالم” يوصل نفسه بالمضخة أو الجهاز بواسطة أنبوب و إبرة (مثل المستخدم لسحب الدم), الدم يذهب إلى الجهاز ثم ماذا؟ كيف يعود للمستخدم؟ هل يضخ الدم و يعيده من خلال نفس الأنبوب؟ ثم السؤال الذي لا إجابة له, لو فرضنا أن الأشخاص المشاركين بالحلم يستطيعون نقل الأحلام عن طريق الدم, هل تختلط دماؤهم مثلاً؟ و بما أن الابرة و الأنبوب لا يتغيران فهذا أعظم خطر على الصحة, إما أن الفيروسات والأمراض تنتقل من خلاله, أو ببساطة قد يختلط دم مستخدمين و يحصل تفاعل في جسم أحدهما لعدم توافق فصيلة الدم!! و يستمر السرحان الطبي, ولا تؤاخذني, انتهيت من امتحاناتي للتو!!

و لكن, أظن أن فكرة الدخول إلى الحلم باستخدام خوذة أو قبعة ستبدو سخيفة, و لو أنها أقرب للواقع و ممكنة التطبيق. فالخوذ و القبعات استهلكت كثيراً في مثل هذه الأفلام (الدخول إلى العقل البشري), و فكرة الجهاز الذي يعمل عن طريق الدم فريدة و جديدة.

ثم الحلم نفسه, في أكثر من مرة يثبتون أن الحلم بلا حدود. فيتحول الرشاش إلى قاذفة قنابل, و يستطيعون إدخال ما يشاؤون من أجهزة و آلات لاستخدامها. هل من المستحيل أن يتخيل أحدهم تصفيح السيارات (تعديلات بسيطة لا تلفت الانتباه) أو ناقلة جنود تحميهم, أو أن يتخيل آلة عجيبة تعالج الجروح لتخلص المسكين “سايتو” من عذاب الطلقة التي أصيب بها؟

و كيف يسري تأثير المنوم بعد لحظات فقط من حقن أنفسهم, و يبدأ الحلم فوراً؟! هذا يخالف كل ما يعرفه العلم عن الحلم و النوم! و بما أن العقار يسبب حالة النوم السريعة هذه, فأتخيل أنه من مجموعة الأفيونات (opioids), و التي تتسبب بالإدمان بعد الاستخدام المتكرر أو المتواصل (نفس مبدأ عمل الهيروين, و هو الأفيون!).

هناك اختلاط بين الحلم و الحقيقة و ليس بينهما دائماً فاصل واضح. فيستطيعون الدخول في حالة حلم أعمق خلال الحلم, و لكنه ما زال “حلماً”! عقلك يعي أنه حلم, فكيف تستطيع الدخول في حالة حلم أخرى؟ كيف تستطيع تشغيل سيارة محركها يهدر؟

و كيف يمكن لشيء واحد أن يتغير بتغير الأشخاص؟ مثل “درجات بينروز”, كيف يمكن للشخص الحقيقي و الشخصيات اللاوعي الخيالية أن يصعدوا الدرج و كأنه متواصل, ثم في لحظة ما يظهر أنه منقسم و في الهواء, و في مرحلة لاحقة يقوم “آرثر” برمي واحد من حراس عقل “روبرت” من عليه!

و ما هي احتماليات وجود طالبة أمريكية, تدرس الهندسة, في باريس (و اسمها الاغريقي العجيب “أريادني”) تدرس كورساً مع بروفيسور يبدو أنه بريطاني (لكن ربما حصل على الجنسية الأمريكية, بما أنه يعيش هناك!) لتلتقي بـ “دوم”؟! و هذا البروفيسور, إما أنه والد “دوم”, فلماذا لا يتكلم باللهجة البريطانية, أو أنه والد زوجته السابقة “مول” و التي يبدو جلياً من لهجتها أن الانجليزية ليست لغتها الأصلية!

و كيف أدخلوا “أريادني” تحت تأثير المخدر لتدخل حالة الحلم دون أن تدري بذلك؟ عندما تبدأ بالهلع و هي جالسة حول طاولة المقهى و تبدأ الأشياء تتفجر و تتطاير من حولها! لا أظن أن أي شخص سينسى تفاصيل “بسيطة و ثانوية” بعد أن تخبره أنك تريده لعمل “ليس قانونياً تماماً”, و أتخيل أنهم مشوا إلى المخزن الذي استخدموه, و حتماً فإنها ستتذكر شيئاً مثل أن تدخل إبرة في ذراعها!!

ثم قصة التأثيرات الخارجية على الحالم داخل حلمه, فنرى أن الاهتزازات البسيطة خلال قيادة “يوسف” للفان تؤثر على البقية, خاصة الجاذبية و التزحلق العرضي للفان خارجاً من الزوايا, فخلال وجودهم في الفندق في المستوى الأول يحسون بذلك, و نرى الجاذبية تتغير و تتقلب… لكن في الوقت ذاته الغارقون في المرحلة الثالثة (المستشفى كما يسمونها في الجبال الثلجية) لم يحسوا سوى بانهيار جليدي واحد, و بينما كان “آرثر” يقاتل رأساً على عقب نتيجة لتقلبات الجاذبية, كان البقية في حالة طبيعية و المفترض أن المؤثرات الخارجية تتضاعف كلما تعمقوا!

و في النهاية يموت “سايتو” في حلمه و يغرق في حالة “الغيبوبة” و التيه داخل عقله الباطن لأن التخدير ثقيل جداً ولا يسمح لهم بالاستيقاظ إن ماتوا في الحلم و يموت أيضاً “روبرت”, و يقرر “دوم” أن ينقذهما بأن يدخل إلى عالم الغيبوبة. في وقت سابق, و خلال الفيلم كرروا أكثر من مرة أنهم يسقطون في الغيبوبة إن ماتوا, فكيف دخل “دوم” و “أريادني” إلى الغيبوبة باستخدام “جهاز الأحلام”؟! و كيف دخلوا إلى غيبوبتهما و “دوم” و “أريادني” يتشاركان حلماً واحداً؟

و يعيدونهم إلى الصحو من الغيبوبة بقتلهم, ألم تخطر على بال الغارق في هذا البحر أن يقتل نفسه و يخرج فوراً؟!! لماذا يحتاج إلى “قاتل” ليعيده إلى المرحلة السابقة من الحلم؟

كلمة أخيرة:

الفيلم كان رائعاً بكل المقاييس, و هو أحد أكبر أفلام سنة 2010. المخرج اسمه كبير و مشهور (و أظن أن هذا زاد في تضخيمه فوق مقداره, و رأينا ذلك في الدعاية الهائلة للفيلم و روعته قبل إطلاقه و عرضه فقط لأن مخرجه كريس نولان), ولا ينفي هذا صفة الروعة أو الاتقان عن الفيلم. الممثلون أيضاً مشهورون و أدوراهم جاءت مناسبة تماماً لشخصياتهم.

الفيلم حقق مبيعات طائلة, و هو على قائمة أفضل 10 أفلام على مر التاريخ, و كذلك على قائمة أعلى 10 إيرادات. هذا كلام كافٍ عن مدى إتقانه و قدرته على جذب الناس.

——————————–

كتبت يوم 29 نوفمبر, 2011, بسبب سرقة أسلاك الهاتف ليلة 26 نوفمبر و انقطاع الخدمة إلى يوم النشر.

التصنيفات:Movies أفلام الوسوم:, , ,
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.