أرشيف

Archive for the ‘Misc. منوعات’ Category

وهم التفاعل و الدعم

بسم الله الرحمن الرحيم

وهم التفاعل و الدعم

كم مرة وصلتنا رسالة على البريد الإلكتروني, أو دعوة على الفيس بوك… أو تغريدة على تويتر, تدعونا إلى “دعم” هذه القضية أو تلك؟

كم مرة غيرنا صور صفحاتنا المختلفة على الإنترنت من أجل إظهار التضامن مع قضية ما؟

قبل أن أبدأ لا بد أن أوضح أنني لا أهاجم فكرة تغيير صورة البروفايل على أي موقع من أجل إيصال فكرة للعالم. و لكنني أعترض على من يفعل ذلك و يظن أنه فعل الكثير.

من الأمثلة شريط سرطان الثدي, إشارة المقعدين, أعلام دول مختلفة و غيرها. أو عمل Like لصفحة ما في سبيل “دعم هذه القضية”, مثل “انصر نبيك” و “ادعم إخوانك في كذا”… !

كيف يدعم وضعك للشريط الوردي على صورة البروفايل مرضى سرطان الثدي؟ و كيف يساهم هذا الشريط في زيادة الوعي عند الناس؟ كيف سيؤثر الـ Like لصفحة ما على مسيرتها على أرض الواقع؟ كيف نصرت نبيك أو دينك بمتابعة شخص أو صفحة؟!

من المقبول أن تضع صورة تحمل فكرة لإيصالها إلى العالم, كتصميم يحمل عبارات الدعم للثورة السورية, أو الأسرى الفلسطينيين و غيرها من قضايا الأمة, و لكن بعد أن تقوم بواجبك تجاههم.

ليس من المعقول أن تجعل من نفسك مفكراً و ناشطاً لمجرد أنك استخدمت تصميم إنسان آخر (أو حتى تصميمك) و أنت تجهد نفسك طوال النهار على مفاتيح الحروف!! بالضبط كما أنه لا يجوز لي أن أعتبر نفسي “أنجزت” لمجرد أنني كتبت هذه السطور.

و بينما يكون من المطلوب لقضية ما أن تحصل على التغطية الإعلامية التي تستحقها, و هذا يحتاج إلى فرق تقوم بتسويقها سواء من خلال الإنترنت أو وسائل النشر الأخرى, إلا أساس هذا العمل ليس الإنترنت لأنها قضية على أرض الواقع و ليس في العالم الافتراضي (كما لو كانت القضية حول حجب مواقع أو إدخال قوانين تحد من حرياتهم على الإنترنت مثلاً).

إعجابك بصفحة ما لن يضخ المليارات في البحث العلمي لهذا المرض أو ذاك, نشرك لصورة الطفل الإفريقي الجائع ليتأسف عليه كل أصدقائك لن يشبعه و لن ينهي معاناته! و لن ينهي إعجابك بتلك الصفحة أو مشاهدتك لذلك الفيديو في القبض على مجرم و تحرير شعب فقير! تبرعك المادي للبحث العلمي و بعثات الإغاثة هو ما يصنع الفرق.

رددوا على مسامعنا كثيراً أن ثورة مصر و تونس كانتا ثورات “فيس بوك و تويتر”… و هذا غير صحيح. فهي ثورة الناس و الشعب, و لكن كان فريق من الشعب يستخدم فيس بوك و تويتر كأدوات نشر و دعاية… أداة. نقاشاتنا مهما طالت حول موضوع في التعليقات تحت بوست لن يوصلنا إلى مكان, ربما بسبب أن الكتابة خالية من المشاعر و التعبيرات التي هي من أهم عناصر الحوار و الإقناع, و ربما السبب الأهم أن الناس في الشارع تحت الشمس و في البرد هم من يصنعون الفرق و يأتون بالحقوق.

الإعلام أداة ضغط قوية, نعم, و لكن التحرك الشعبي هو ما يصنع الفرق و يحرك المواقف.

الأشرطة و الأزرار التي نضعها على بروفايلاتنا أو ملابسنا تجعلنا نشعر بالرضا عن أنفسنا أننا لسنا “شوالات سكر” و أننا نتحرك و نفعل شيئاً… نشارك في صنع الفرق, و لكن هذا غير صحيح!

الأدهى من ذلك عندما يصير مقياس العمل عند الناس بـ “من غير صورته” و من لم يغير… و نبدأ بالتشكيك في نوايا و إنجازات من رفض تغيير الصورة. نجلس خلف شاشات الأجهزة, نعلك الطعام و نمضغ العلكة و نقوم بعمل Share للصور و الصفحات و الروابط… و ذلك الرافض لتغيير الصورة أو إعادة المشاركة واقف طوال النهار أمام وزارة أو جهة حكومية يعترض, و يقابل النواب و يكلم الناس, هذا هو “الذي يريد لهذه القضية أن تفشل”!

الدعوات و الإعجاب بالصفحات و الروابط, أو عمل رتويت [Retweet] لتغريدة ما [Tweet] هي نوع من الابتزاز النفسي و العاطفي من المرسل, و رغبة المستقبل في الانتماء للجماعة و الاتجاه العام و ألا يترك وحيداً. فيقوم بعمل retweet كي لا يكون غريباً… فهو من المؤيدين لهذه القضية و هذا هو الإثبات! هو يحب النبي صلى الله عليه و سلم و إثباته إعجابه بصفحة جمع 5630294 مليون معجب!! هي مهتمة جداً بسرطان الثدي و تتعاطف مع المرضى… لا تفهموا ذلك خطا ً, فها هي تضع الشريط الوردي على ملابسها و صورة بروفايلها!

و هل بقية الناس لا يدعمون تلك القضية؟ هل الباحث الذي يعمل في المختبر باحثاً عن أدوية جديدة و عقاقير للتحكم بالأمراض لا يهتم مثلاً بمرضى السرطان؟ هل الطبيب و الجراح يتمنى التعاسة لمرضى السرطان مثلاً لأنه لا يضع هذا الشريط!؟

قم بإرسال هذه التدوينة إلى 10 من أصحابك لتنال شكر كاتبها… واحد أرسلها لكل أصحابه فحصل على توصيلة مجانية من بيته للجامعة. و واحد أهملها فعمل الرواتر لنفسه reset, و آخر “راحت عليه نومة” و لم يذهب إلى محاضراته ذلك اليوم!!

التبرع بالأعضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

التبرع بالأعضاء

كنت في مستشفى الجامعة منذ أيام و رأيت حالات يعاني أصحابها من فشل كلوي, تليف كبدي متقدم, عضلة قلب ضعيفة… و ليس أمامهم سوى التوجه إلى المستشفى الحكومي و تسجيل اسمائهم على قائمة الانتظار لعل أحدهم يموت فجأة لينقذ حياة مريض سيموت بعد حين!

ثم قرأت البارحة مقالاً يتحدث عن أزمة متبرعي الأعضاء في إسرائيل. أثار الموضوع طبيب قلب بعد أن حاور اثنين من متلقي التبرع بالقلب من اليهود المتشددين. قالوا له أنه لا مشكلة لديهم في تلقي العضو, لكنهم لن يفكروا يوماً قطعاً (لو كانوا أصحاء) بالتبرع, لأنه حسب شريعتهم يحرم العبث بجسد الميت. هذا الأمر معروف, لكنه يقول أنها أول مرة يذكرها أحد علانية و بصراحة.

دفعه هذا الأمر إلى اقتراح قانون يعطي الأولوية لمن في عائلته متبرع (أو مسجل في نظام التبرع بالأعضاء) أو هو نفسه مسجل, على من هو غير ذلك إن تطابقت حالتهما.

بحسب وزارة الصحة فإن 10% فقط من سكان إسرائيل البالغين يحملون بطاقات تبرع بالأعضاء, أي ما مجموعه 550 ألف شخص تقريباً. و هي نسبة ليست كافية بالمرة لتلبية متطلبات قوائم الانتظار.

أنا أكتب هذا الموضوع لأنني أفكر و فكرت سابقاً جدياً بالتسجيل في نظام التبرع بالأعضاء, و لكنني لم أخبر أحداً من عائلتي. و من خلال سؤال بعض الزملاء من القدس عن مجرد رأيهم بالتسجيل بنظام التبرع الأعضاء اكتشفت أن كثيراً منهم لا يعرفون أصلاً وجود مؤسسة للتبرع بالأعضاء أو تسجيل بها, و فضلاً عن ذلك, أبدوا بصراحة رفضهم للتبرع بالأعضاء من منطلق أن متلقي العضو سيكون يهودياً, و لكن في نفس الوقت لا يرفضون تلقي عضو دون التدقيق في أن المتبرع هو غالباً أيضاً يهودي. و لا علاقة لذلك إطلاقاً بالدين إنما هي من منطق “محتل – احتلال”.

لما كنت في المدرسة قبل سنوات, أذكر أن منظمة التبرع و زراعة الأعضاء “أدي” وزعت بطاقات اشتراك باللغة العربية, و وصلت أخرى في البريد. كانت البطاقات مرمية على الأرض تملؤ الشوارع, و سلات المهملات قرب صناديق البريد لم تعد تستوعب المزيد من البطاقات! أجزم أن عدد المتجاوبين كان يقارب الـ 0%.

ثقافة الأخذ دون عطاء للأسف ثقافة متأصلة عندنا و تبرز نفسها كلما طلب منا أن نتخذ قراراً فيه نوع من “الدفع”, سواءً أكانت تبرعات مادية (أو حتى فريضة الزكاة) أو تبرع بالدم, أو حتى مجرد التبرع بالوقت و الجهد لأجل المجتمع و الناس. و كل ما سبق لا علاقة له باليهود أو العرب! لأن المبدأ بذاته مفقود و معدوم.

بطاقة التبرع بالأعضاء هي إذن رسمي منك [consent] يسمح للطبيب أن يستخرج من داخلك الأعضاء التي يمكن استخراجها بعد موتك, و التي يمكن أيضاً للطبيب استخراجها إن أخذ الموافقة من صاحب الصلاحية القانونية [next of kin] (زوج/زوجة, أهل… إلخ). و لكن, لأنه كلما طالت الفترة بين موتك و استخراج العضو زادت نسب تلفه فمن المهم استغلال هذا الوقت, و إلى أن يحصل الطبيب (أو مؤسسة التبرع و زراعة الأعضاء) على الموافقة قد يكون تأخر الوقت. بالإضافة إلى أن إعطاءك لموافقة مسبقة خلال صحتك أقوى من رغبات الأقارب.

أن متأكد أن أمي أو أبي (أو أحد أقاربي) سيكلمونني في الموضوع بعد قراءته و يحاولون إثنائي, لكنني مقتنع بالأمر و مصمم عليه. بعد موتك جسدك سيتلف و يتحلل في التراب, لن تحمله معك إلى أي مكان, فلم لا يستفيد شخص بحاجة إلى الأعضاء منه؟ لن يؤلمك هذا… و لن تشعر حتى بنقصه, فأمامك الآن أمور أهم و أعظم تواجهها, و اختبارات صعبة عليك اجتيازها. ما المانع إذن؟

قد يصل العضو إلى شخص يهودي, هذا صحيح, و لكن ما المشكلة؟ لا نجد غضاضة في تلقي عضو من أي إنسان… لأننا في حاجة إليه, و لكن عندما يكون الأمر متعلقاً باحتمالية (و التي قد لا تحصل إن مت في سن متأخرة لأن أعضاءك هرمت) إخراج عضو بعد الموت من جسدك نتردد و نفكر طويلاً بكل قوائم الاحتمالات و الافتراضات الموجودة! قد يصل إلى إنسان أتلف كبده بشرب الخمور, قد يصل إلى شخص يهودي يحرض على العرب, قد و قد… كل هذه الأشياء لا تهمك و ليست من شأنك! ليس أنت ولا حتى الطبيب يقرر إلى من يذهب العضو.

و هذا يقودني إلى مسألة أخرى أهم, لماذا لا توجد في بلداننا العربية مثل هذه المراكز؟ كل من يحتاج إلى زراعة عضو يسافر إلى الخارج. إن كانوا يتحدثون في بلد مثل إسرائيل عن “أزمة تبرع” عند المقارنة ببلد مثل الولايات المتحدة, فتخيلوا أين تقع بلد مثل مصر, ثم يبدأ الجميع بالتساؤل “لم نسب سرقة الأعضاء و التجارة بها خيالية؟!”, حقاً؟؟!

أعضاؤك, بما فيه دمك, ستنقذ حياة إنسان آخر… هو “إنسان” مثلما أنك أنت أيضاً إنسان. و هو محتاج تماماً كما ستصير أنت محتاجاً يوماً ما. اكسب أجر إنقاذ حياة إنسان, و إن كان هذا لا يهمك فتذكر مقدار الفرحة التي سيكون فيها ذلك المريض. كن كالنخلة معطاءً و لا تكن كالجرادة.

ابن الباشا

بسم الله الرحمن الرحيم

ابن الباشا

ابن الباشا تعبير يطلق على كل من يحاول تقليد الغربيين و تصنع طريقتهم, و لأنها عادة مرتبطة بأبناء الطبقة الغنية, أو الباشاوات, فقد سميت كذلك.

أبناء الباشاوات يتفاوتون في الدرجات و “الباشاوية”. منهم من هو “أفندي” صغير, يفضل الانجليزية على العربية و يحاول حشرها في كل مناسبة, و منهم من وصل إلى درجة “بيك” يتقزز من كل ما هو عربي, و يهرب من أي شيء يتعلق ببلده!

في الحقيقة فإنها ظاهرة مقلقة بدأت تأخذ حيزها في الواقع المعيش. نراها في كل مكان, في الدعايات, بأسماء المحلات, حتى بأسماء أبنائنا!

عندما يرغب منتج أو جهة ما بتسويق بضاعة للفئة الغنية فإن الإعلان غالباً ما يكون باللغة الإنجليزية. عندما يفتتح مطعم أو مقهى في منطقة راقية و غالية فإن اسمه سيكون غربياً… بغض النظر عن المعنى.

لماذا يا أخوة؟ ما بها لغتنا العربية؟ من قال أن المتحدث بلسان قومه هو أدنى شأناً؟ و من أخبركم أن لغتنا معرة؟

لا يمكن لأحد أن يناقش بأن لغتنا اليوم ليست في المكان الذي نحب و نرضى, لغتنا العربية داخلها لغط كثير و تحتاج إلى الشحذ و التقويم من جديد. اللغة كائن حي يتنفس و يتغذى على متحدثيها, و متى ما أهملوا تغذية عقولهم و علمهم فإنهم يهملون تغذية لغتهم… و تهزل, و تستمر بالهزال إلى أن تموت و تندثر.

و مع أن اللغة العربية محفوظة من الزوال لأن القرآن نزل بها, إلا أنها ما زالت معرضة لكثير من الأمراض التي تهدد حياتها و استمرارها الصحي.

لغتنا العربية بدأت تموت لما تخلفنا عن العلوم و توقفنا عن الإضافة و الزيادة عليها. إن المنتج لشيء ما له الحق في تسميته, لذا ليس إلا طبيعياً أنه ليس من نصيب أدوات حياتنا شيء واحد عربي. إن لم تزد أمة على العلم كانت زائدة و متطفلة على العلم.

من العيب, و من أقبح العيوب أن نرى شاباً عربياً يعيش في بلد عربي يمكنه أن يعبر باللغة الأجنبية ولا يستطيع فعل ذلك بلغته الأم. اللغة الأجنبية ليس بالضرورة أنها غربية, على الأقل في فلسطين. العبرية تحل في كثير من الأحيان محل العربية بين أهلها, و لأن الاحتكاك محدود بأهل فلسطين فذلك لا ينطبق على الدول العربية الباقية… فيحصل التأثر بالإنجليزية و الفرنسية و غيرهما.

ماذا حصل لنا لتصير أسماء مثل إيثار, خلود , عبير, خالد, عثمان, عمار و غيرهم أسماء “غير مقبولة” لا يليق أن يسمى بها طفل؟ أهذه الأسماء ذات المعاني العميقة القوية أم بعض أسماء لا نعرف لها معنى أو وجهاً!؟

ما الذي يجعل من كارلوس, دي لا فيغا, سيلانترو, جافا تايم أسماء براقة تدل على الرقي؟ أول اثنان أسماء اسبانية, الثالث كلمة انجليزية معناها “بقدونس”, و الرابع “وقت القهوة”! هذه أسماء حقيقية لسلاسل مقاه في وطننا العربي.

لماذا لا نستخدم أسماءً عربية قوية معبرة؟ بماذا صار 7 مليون إسرائيلي (نستثني منهم 25% عرب) أفضل من ملايين العرب؟ كل الأشياء تقريباً لها اسمها الخاص بها, و كل علم له مصطلحاته المتعلقة به, و يفرضون لغتهم على حياتهم. اللغة الإنجليزية ركيكة عندهم (و ليست هذه دعوة لترك تعلم اللغات الأجنبية أو عدم اتقانها) و كل مجال عمل يفرض لغته على الموجودين… حتى و إن كان جميع العمال عرباً! قد تدخل إلى مطعم و كل العاملين فيه عرب, من الطباخ إلى الخادم و مع ذلك فإن كل الكلام المستخدم عبرياً! فالشوكة “مزليج מזלג”, و الصحن “تسلخت צלחת”, و القدر “سير סיר”…

مشكلة اللغة شقان, مشكلة ضعف التعليم, و مشكلة ضعف التعامل. لكل بلد مجمع لغة فأدى ذلك إلى الافتقار لمرجع و أساس واحد للغة, و ضعف “الطرح و التسويق”. فالمجمعات اللغوية إما أن عملها ضعيف غير ذي شأن أو يندر أن تسمع عن قراراتها و قواعدها.

ليس عيباً أن تكون العلوم بلغة أجنبية… في النهاية فإن اللوم يقع علينا لمَ لمْ نعربها و نضف إليها جديداً. واضع الشيء يحتكم الناس إلى شروطه, و من البائس أن نكتفي نحن بتعريب تلك المصطلحات التي قد لا يكون لها أي معناً بعد الترجمة و التعريب!

أنا لا ألوم أي إنسان يقرأ بلغة أجنبية, بل أنا أشجع ذلك لذات السبب السابق… تأليفاتنا بائسة و هزيلة, و ترجماتنا ركيكة عديمة الطعم! لا أمنع أي إنسان أن يكتب لنفسه بلغة أجنبية, أو يستخدم منتجاً بلغة أجنبية… لكنني لا أقبل تستبدل لغتنا العربية فيما بيننا بلغة غريبة دخيلة, كما أنني لا أقبل لأي إنسان أن يكون متقناً للغة ثانية أكثر من اتقانه للسانه الأم. و الأدهى من ذلك ألا يكون ممسكاً بعنان لغته و يسبح في رمل شاطئ اللغة الأجنبية!! فلا أتقن لغته ولا يفلح في اللغة الأجنبية!

أبتئس جداً عندما أرى إنساناً يقرأ رواية إنجليزية لدان براون أو جي كي رولينغ… و يقول عن كتب الجاحظ “صعبة و لغتها غريبة”!! من المؤسف أن يكون القارئ مستمتعاً بأوصاف روايات ستيفن كينغ و يعاني إن أمسك كتاباً للرافعي في فهم صوره التعبيرية و مشاهده الوصفية العذبة. و في نفس السياق ننبهر جداً بشخص قادم من بلد غربي, و مواهبنا المحلية تموت في وظائف مكتبية هزيلة!

الحضارات تكره كل من كرهها, و تعشق كل من عشقها. العيب ليس في لغتنا, بل هو فينا و في تقصيرنا بحقها. لغة أنتجت قصائد زهير بن أبي سلمى و المتنبي لا يمكن أن تكون لغةً قبيحة و معيبة.

غرفة الطوارئ

بسم الله الرحمن الرحيم

غرفة الطوارئ

اليوم الأول في غرفة الطوارئ ضمن برنامج تدريبي… تمر دقائق قبل أن تدخل حالة حادث سير, كسر في الساق, مفصل الركبة فيه نزيف و عظمة الفخذ أيضاً نهايتها السفلية مكسورة. تصل صورة الأشعة و يستدعى جراح العظام على عجل و بعد مخدر موضعي يبدو أنه كان بلا نتيجة يغرز الجراح إبرته في ركبة الرجل ليسحب الدم المتجمع… و يصرخ الرجل بكل قوته كلما حرك الجراح إبرته أو سحبها. بهذا بدأت مسائي في نفس المستشفى الذي ذهب إليه قبلي كثيرون من دفعتي و حلفوا لي أن “الأمور هادية” و لم يجدوا حتى من يحتاج إلى إبرة, فقرروا ألا يكملوا بقية البرنامج!

بعد هذا المشهد الدرامي بحق, رجل يصرخ من الألم و يبدي استعداده للتخلي عن تحريك ساقه مستقبلاً مقابل ألا يستخدم الجراح إبرته مرة أخرى, بدأ مجدداً مشهد آخر. رجل آخر في حادث عمل وقع على رأسه شيء ما سبب له جرحاً في مقدمة رأسه, لم يكن شيئاً ذا قيمة كبيرة من الناحية الطبية… لكن حال زوجته و أفراد عائلته حوله و خارج الغرفة كان هستيرياً.

قلت في نفسي ستخف الأحوال الآن, لكن ما كان مخبئاً لي كان أكبر! جاءت امرأة كبيرة في السن فقدت الإحساس في ساقها اليمين, لم أمكث طويلاً مع الطبيب المعالج لذا لم أتبين تفاصيل الحالة… جذب اهتمامي شيء أعظم, امرأة أخرى تعاني من نزيف داخلي في الرأس… و حالتها حرجة. لم يكن في يد أطباء الطوارئ أكثر من أن يحولوها لتصوير مقطعي و القسم المختص, لكن الذي أثار امتعاضي و حنقي إهمال الأطباء النفسي و المهني لمرافيقها. كانوا أناس بسطاء جداً, من الصعيد. كان زوجها يدور خلف الأطباء و يرجوهم أن يتحدثوا معه… ما بها؟ ما الذي يحصل؟! المرأة كانت تهذي و وجهها نصفه منتفخ. وصلت صورة الأشعة و كان واضحاً حجم النزيف و مكانه, ضغطها مرتفع جداً… و الأطباء يتناقلون الصورة بينهم و كلهم يعلقون بالمصطلحات الطبية على حالتها… و الزوج يسأل ماذا يعني هذا؟ ما بها؟! أجروا بعض الفحوصات الروتينية, ثم وصل طبيب الأعصاب و عاين الصورة و الزوج الملهوف يدور وراءه يتسائل… فجأة انتفض الطبيب بوجهه و صرخ “اتركني و شأني”… “خليني أعرف اشتغل ياااااض”!! و لما انتهى من شغله و معاينة الصورة ترك الغرفة و خرج دون أن ينبس ببنت شفة أو يشرح لأحد الحالة! مضى وقت طويل قبل أن “يتكرم” أحد المعاينين بالحديث مع الرجل و يشرح له الحالة.

في خضم كل هذا, دخلت حالة توقف قلبي غرفة الإنعاش, و بعد أن انتهى مسلسل المرأة صاحبة النزيف أخلى رجل الأمن الممر ليخرجوا الرجل من الغرفة معلنين وفاته.

مررت على حالات متنوعة؛ التهاب بالزائدة, فشل في النخاع العظمي, غيبوبة سكر… إلى أن جاءت حالة مستعجلة, سكتة قلبية… هرع الأطباء بها إلى غرفة الإنعاش و بدأوا بالروتين المعتاد. تدليك عضلة القلب, أنبوب تنفس… زوجته و أخوته خارج الغرفة يصرخون.

بصراحة, حالته لم تكن مبشرة. وصل إلى المستشفى بعد الوقت الحرج (4 أو 5 دقائق من توقف التنفس و النبض) و مدخن شره. وصلوه على جهاز تسجيل كهرباء القلب, و أعطوه أدرينالين, أتروبين و مغنيسوم. و استمر التدليك بشكل متواصل لمدة ساعة تقريباً, تعرض خلالها للصعق مرتين بجهاز تثبيت نبضات القلب.

المشهد كان مجنوناً! جراحون, أطباء قلب و طوارئ و ممرضات كل واحد يحاول تأدية عمله. واحد يحاول إدخال أنبوب التنفس, واحد يدلك و يضغط على صدره, الممرضات يحقن محاليل بحسب طلب الطبيب و كل واحد فيهم يصرخ طالباً شيئاً ما… سماعة, مضخة هواء, كذا و كذا!

كل من كان في الغرفة كانت في عيونه الشيء ذاته… الكل كان يعرف النتيجة و الحالة… لكن عليهم أن يكملوا حسب الأصول. بعد ساعة من المحاولة و العمل, أصدر الطبيب أمره للجميع بأن يخرجوا من الغرفة و يتركوا المريض وحده, كي يزول مفعول الأدوية و الأدرينالين و يتركوا القلب يقرر, لم يعد هناك ما يفعلونه… لكن المسار كان واضحاً, فور أن يزول مفعول الأدرينالين سيزول معه النبض الذي بالكاد يرتفع عن الخط المستوي.

بعد دقائق مرت أعلن الطبيب وفاته و أبلغ زوجته و أخوته و أمه… مرت عليهم بضع لحظات قبل أن يستوعبوا كلام الطبيب… كلامه كان واضحاً جداً, لكنهم كانوا يعيدونه مراراً في أنفسهم و يحللونه بكل الاحتماليات الممكن أن يعنيها هذا الكلام و تجاهل المقصود. كانوا ما يزالون يحللون كلامه و هم يعبرون بوابة الطوارئ إلى أن صرخت زوجته “مات؟! كيف مات!؟ مش ممكن!!”. أمه بدأت تلطم و تقول “كان أمس يكلمنا و ما به شيء!”, و بدأ صراخهما يزداد و يعلو معلنين بصراحة رفضهم لكلام الأطباء و قرروا أنه لم يمت.

مع أن البعض سيقرأ هذا الكلام بابتسامة إلا أنني أؤكد لكم جميعاً أنه كان مشهداً مؤلماً و مفجعاً, و ليس مناسبة للضحك أو الابتسام بأي حال.

في يومي الأول رسمياً في الطوارئ رأيت بعيني كم هو ضعيف الإنسان, و كم هو قريب الموت منا. في لحظات نتحول من كائنات تتحرك و تمشي إلى جثة مرمية على طاولة العلاج يحاولون إعادتها إلى الحياة قبل أن تهرب و تنسل. لحظات تفصلنا عن الصراخ ألماً و ضعفاً بعد أن كنا نجول مختالين.

—————–

كتبت منتصف ليل أمس

مرة أخرى مع قطاع خدمات البطاطا المصرية!!

بسم الله الرحمن الرحيم

مرة أخرى مع قطاع خدمات البطاطا المصرية!!

لا أدري ما هي المشكلة مع القطاع المصرفي المصري… هل هي مشكلة في كليات التجارة و البيزنس؟ أم هي في السياسات الحكومية؟ أم هي التعود على تقديم خدمات سيئة على مدى عقود جعلتها من سمات الصنعة!؟

أستطيع أن أجزم أن المشكلة ليست في الشعب كناس, فهاهي سلاسل مطاعم عالمية مثل برغر كينغ, ماكدونالدز و دومينوز تقدم خدماتها بشكل ممتاز و تسعى إلى إيصالها إلى المستوى المطلوب و المقدم في البلد الأم للسلسلة. إذن ليست المشكلة في التنفيذ, إن أرادت الشركة أن تنفذ سياساتها و تلتزم بمستوى محدد من الخدمة تستطيع فعل ذلك.
لماذا ماكدونالدز و غيرها أحرص على صورتها من بنوك عالمية مثل HSBC, Societe Generale و BNP Pariba؟!

البنوك الحكومية سأسقطها من المعادلة… هي “حكومية” بكل الأحوال و ليست تلك الكلمة ختماً للجودة! لكن بنوكاً تجارية و عالمية… أقل ما يمكن أن تنتظر منها أن تكون على مستوى اسمها و علامتها!

أول الأمور هو سلسلة المتطلبات الطويلة لفتح حساب بالبنك. في بلد معين تحتاج إلى إثبات للشخصية و مبلغ فتح الحساب. في مصر, تحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى فواتير الكهرباء و الماء, عقد إيجار أو صك ملكية, أن تكون 21 عاماً… و كيساً مليئاً بالنقود!! لماذا 12 عاماً؟! و لماذا الحد الأدنى الهائل الذي هو بالمتوسط 840$؟! و لماذا لا تعترف البنوك بختم الدولة بطول الصفحة على جواز؟! إذا كانت الحكومة وافقت على مكوثي في البلد و أعطتني تصريحاً بذلك فهذا ليس كافياً لدى البنوك؟!

توجهت إلى البنوك الثلاثة المذكورة لفتح حساب, و المحصلة في النهاية هي توجهي لبنك آخر و فتح حساب هناك. ثم كانت الصاعقة اليوم عندما توجهت إلى أحد فروع Societe Genrale لشراء جنيهات بالدولارات التي كانت معي, فقط لأنه كان في طريقي و لم أرغب بالذهاب مشواراً آخر إلى محل الصرافة… المفاجأة: لا يمكن لغير العملاء التعامل مالياً مع البنك!! لا يمكنني تبديل عملة, أو حتى تبديل ورقة نقد محلية بأخرى!!

مدير البنك لم يهمه الأمر كثيراً, ما أنا إلا طالب جامعة!! ما لم يفهمه مدير الفرع هو أن “طالب جامعة” مثلي (و أكثر من نصف طلاب جامعتي مغتربون) يمكنه أن يمرر 15 ألف دولار بالمتوسط خلال 9 أشهر إلى البلد. ليس هذا مبلغاً ضخماً بالمقاييس الاقتصادية, لكنه عملة صعبة بغض النظر و ليست “فكة” و “فراطة”!

كلمت خدمة العملاء بالهاتف, لا فائدة. وحدة إدارة الجودة, لا أحد يرد!! في النهاية أرسلت رسالة إلى المجموعة الأم في فرنسا و ما زلت أنتظر الجواب.

أنا أعلم يقيناً أن البنوك الثلاثة التي ذكرت أسمائها لم تصل إلى العالمية و المراكز الأولى في أوروبا و أمريكا لأنها “أي كلام”, و تعاملت مع فروع محلية لها في بلد آخر و كانت الأمور في منتهى البساطة باستثناء التعقيدات الحكومية المفروضة عليهم. صحيح أن النظام المصرفي في ذاك البلد أيضاً ضعيف, و عليه الكثير من القيود في الحركة و العمل… إلا أن البنوك العالمية ظلت تعمل في نطاق قدرتها كي توصل الخدمة كما هي مطلوبة.

لماذا في مصر لا؟ لماذا القطاع المصرفي بالذات؟! يا أصحاب “عجلة الانتاج”  و “خربتوا البلد” أظن أن هناك أشياء أهم يجب الاهتمام بها من جذورها! معدلات الفائدة المرتفعة المجنونة, سن فتح الحساب و متطلباته, الخدمة المقدمة و انعدام ثقافة الخدمية أصلاً!

سبق و أن كتبت تدوينة عن نفس الموضوع, و لا أريد لهذا الموضوع أن يكون تكراراً لما كتبت. و لكن كل زيارة لي للبنك تزيد من غضبي على قطاع يفترض به أن يكون من أنشط القطاعات و أكثرها ديناميكية…

في النهاية, أنا أعلم أن ليس كل زوار البنك يفترض بهم في النهاية الحصول على خدمة إن لم يستوفوا الشروط, لكن إن كان البنك يطرد الجميع فمن سيتبقى ليتعامل معه؟

أترككم مع بعض الدعايات للبنوك, من باب شر البلية ما يضحك… أو حاجة زي كده!

ما زلت هنا

بسم الله الرحمن الرحيم

ما زلت هنا

لا أعلم حقيقة عدد القراء الدائميين لهذه المدونة, و بالتالي فأنا لا أعرف على وجه الحقيقة إن كان هناك من ينتظر تدوينة جديدة كل فترة, أو يستمتع بقراءة واحدة.

بصراحة, أنا لم أترك مدونتي, ولا أنوي فعل ذلك في الأفق البعيد. لكنني أعاني حالياً مما يسمى بـ “حجاب الكاتب” writer’s block, و أخشى أن هذه الفترة امتدت طويلاً أكثر مما يجب. و أشعر أن كتاباتي الأخيرة لم تكن على المستوى المطلوب, على الأقل بمقياسي الشخصي.

في آخر تدوينات بدأت بالكتابة عن أشياء لي بها اهتمام لكن لا أظن أن مدونة شخصية هو المكان المناسب لها, ليس لأنني سأستجيب للضغوط العائلية بـ “عدم الكلام في السياسة و إغلاق الفم”, و لكن لأنني فعلاً أحس بأن هذا النوع من الكتابات جمهوره ليس واسعاً. كما أن الكتابات صارت أقرب إلى الكتابة الأكاديمية أو العلمية و ليس إبداعية أو من القلب. لن أتوقف عن الكلام أو الكتابة في السياسة, لكنني سأحاول البحث عن مواضيع “إبداعية” أكثر.

هذه التدوينة هي ربما طريقة أحاول بها إعادة تشغيل العقل النائم و الجزء الذي كان يدفعني للكتابة و لا يتوقف عن الكلام ليل نهار, و ربما هي طريقة للإعتذار عن التقصير تجاه متابعيني. ربما أشياء كثيرة…

آن الأوان لإعادة إيقاظ هذا العقل المعطل!

التصنيفات:Misc. منوعات

قصص و ذكريات

بسم الله الرحمن الرحيم

قصص و ذكريات

نمر كلنا بظروف و مواقف نحملها معنا إلى أن نموت. هذه المواقف قد تغير منحنى حياتنا, و قد تعلمنا أشياء جديدة أو تجعلنا نقرر تحويل طريقة التعامل مع شيء ما.

ككل البشر, أحمل في ذاكرتي مواقف جميلة, و مواقف أخرى أتمنى لو أنني أعرف ما أعرفه اليوم لأتصرف بشكل لائق. لكن, لا يمكنني تغيير الماضي, ولا ينفع جلد النفس على تلك المواقف, فيبقى لي أن أستخلص العبر و المستفاد كي أتجنب أو أكرر.

سأسرد بعض المواقف المحفورة في ذاكرتي و التي أستمر باسترجاعها باستمرار, و هي أشياء شخصية لن أذكر فيها أسماء, و قد تتضمن أفراداً آخرين قد يقرأون و قد لا يقرأون ما أكتب. فمنهم العذر إن أخطأت, و الشكر إن صححوني.

  • تجربة العدس

عندما كنت في المدرسة الابتدائية, كان في منهاجنا دراسة نمو النباتات و حاجتها للضوء كي تكون غذائها. و كانت في الكتاب تجربة عن ظروف نمو النبات, تجربة زراعة العدس في ظروف مختلفة.

كان المطلوب هو فحص الظروف الباردة و العادية, المعتمة و العادية. فكانت لدي أربع عينات, اثنتان مكشوفتان, و اثنتان في صندوق معتم. و وضعت واحدة ً من كل مجموعة في الثلاجة (ظروف باردة) و الباقي في حرارة الغرفة.

راقبت و سجلت تطور العينات, و بعد أن حان موعد عرض النتائج كانت المفاجأة أن عدداً قليلاً من الطلاب نفذوا التجربة فعلاً و أعتقد أنني كنت الوحيد الذي نفذها بدقة و حرفية. نتائجي كانت أن العينات في الثلاجة لا تنمو بضوء أو غيره, و العينة المعتمة تنمو بسرعة لكنها عديمة اللون, و العينة في الشمس (ظروف طبيعية) تنمو بشكل عادي.

أنا لم أكن أعرف أي شيء عن حلقات الطاقة و غيرها من الأمور المتقدمة التي درستها في سنوات لاحقة في مادة الأحياء, و على ما يبدو كذا كان أستاذي!!

عندما عرضت النتائج, رفضها و قال بأن النبات يحتاج إلى الضوء كي ينمو, فكيف يمكن له أن ينمو بسرعة كما فعلت عينة العتمة؟! سألت أبي عن النتيجة و قال لي بأنها صحيحة, و أن النبات ينمو بسرعة في الظلام و يبحث عن أية نقطة ضوء ممكنة. قرأت كتباً في المكتبة عن الكلوروفيل و تصرفات النبات في الظلام و وجدت أن نتائجي صحيحة. عدت إلى الأستاذ بالاثباتات و استمر على إصراره بأنها نتائجي خاطئة و رفض أن يعطيني علامات زيادة على التجربة.

و كعادة الطلاب اصطفوا مع الأستاذ لأنه “يعلم أكثر” و بقيت فترة في الصف أدعى بـ “مخترع” (لم تكن تقال بطريقة إيجابية) و “مجنون”!

خلاصة القصة: لا تدع أحداً يثبط من عزيمتك, و أعلم أن من لا يقال عنه “مجنون” فهو لا يتقدم. قيل عن كل مخترع عظيم “مجنون” و لولا “جنونهم” ما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. و لولا أنني نعت بالمجنون و “المخترع” لما أصررت على شغفي بالعلوم و الأحياء. و كبر سن من هو أمامك ليست شهادة ً على كبر علمه و فهمه, لا تستهن بنفسك, و ليس عيباً على كبير أن يستفيد من صغير. العلم و المعرفة في النهاية هي علم و معرفة, لا تتأثر بالعمر.

  • مسابقة القصة القصيرة

أيضاً لما كنت في المدرسة الابتدائية كان عندي في يوم واجب لغة عربية, و كنت لا أرغب في إنجازه و كنت أكره مادة اللغة العربية كمادة تدريسية (ولا زلت. لكنني أعشق اللغة العربية كلغة و إبداع). و قررت في ذلك اليوم أنني سأكتب مقالاً (لا أذكر ما هو بالضبط) على هامش الصفحة التي تدلل على بداية الفصل الثاني (كان دفتراً كبيراً قسمته إلى فصل أول و ثان). و سلمت الدفتر ككل الطلاب في اليوم التالي كي أنجو من ضربة العصا لمن لم يسلم, ضربة مضاعفة لاحقاً مقابل أن أنجو من العقاب اليوم!!

عكس توقعاتي و لمفاجئتي, طلبني الأستاذ في غرفته لاحقاً ذلك اليوم و أثنى على كتابتي و مدحها… و كل ما كان يدور في عقلي هو “نجوت من العقاب… يسسسسسس!!!!” :D

أشركني الأستاذ في مسابقات للقصة القصيرة على مستوى محافظتي القدس و رام الله, و حتى ذلك الوقت كنت أكتب بعفوية و برأيي كانت كتابات “عادية جداً” بل و حتى لم أهتم بالموضوع إطلاقاً! كنت فقط “أكتب”! و أحرزت دائماً مراكز لا تقل عن الثاني! و لم أدرك معنى الفوز و احراز المركز الثاني إلا لما أحرزت المركز الثاني مرة أخرى على المدارس الثانوية في القدس.

مسابقات المرحلة الابتدائية كانت بتنظيم وزارة التربية و التعليم, أعلنت النتائج في وقت قصير (بعد شهر تقريباً), و لأنني كنت مجرد طفل فإن كل ما كنت أنتظره هو الجائزة و التكريم! مر شهر و شهران و ثلاثة… إلى أن جاء يوم في امتحانات نهاية العام أن ناداني الأستاذ و أعطاني مظروفاً لونه بنياً فاتحاً قال أنه الجائزة. كان فيه ربع ياسين, و مسطرة بلاستيك, و بعض أقلام الألوان و دفتر رسم… بصراحة كانت أشياء سعرها لا شيء و بدت كأن أحدهم فتح جرار درجه و جمع بعض الأشياء و وضعها في المظروف! لم يرسلوا حتى شهادة تقدير!!

كنت قد نسيت عن أمر المسابقة تماماً, و لم تعن لي “الجائزة” أي شيء إذ أنني لم أستفد من شيء واحد فيها. كان عندي ربع ياسين جودته أفضل, و ماذا أفعل بأقلام الألوان و دفتر الرسم؟! كنت على أبواب الإعدادية!!

العبرة: شخص واحد يثق فيك قد يغير حياتك إلى الأبد. لولا هذا الأستاذ العظيم ما ظننت أنني كنت كتبت يوماً حرفاً و نشرته. و لولا أن موهبتي اكتشفت في عمر صغير لا أعي فيه معناها تماماً لما أظن أنني لاحقتها و نميتها كما هي اليوم, كنت غالباً قلت لنفسي “أنا؟! كاتب؟! لا يمكن!!”. و أرجو من منظمي المسابقات بذل المزيد من الجهد في إظهار التقدير, فهو يترك أثراً أبدياً في نفس المبدع.

  • الإذاعة المدرسية

نتيجة لتفوقي في الكتابة و إحرازي لكثير من الانتصارات في مختلف المسابقات الثقافية و الكتابية, كان اسمي دائماً أول اسم يذكر عندما تظهر كلمة “إذاعة مدرسية” أو “مسابقة ثقافية”!

هذه المرة في نهاية المرحلة الإعدادية, و بعد أن انبهر الكثير من المعلمين من مهارات تقديمي للإذاعة في مرات سابقة, كلفت بترتيب الإذاعة.

و نسيت أمرها تماماً و نسيت التحضير لها, و تذكرت في طريقي للمدرسة في صباح ذلك اليوم!! ألقى طلاب من المرحلة الثانوية أكثر من مرة الإذاعة ارتجالاً, أو على الأقل من غير ورق. و قلت لنفسي “سأفعلها!!”

و حضرت بعض الكلمات بيني و بين نفسي و قلت “ما هي درجة صعوبتها بأية حال؟!”, و حان الوقت بعد أن ألقى المدير كلمته… و صعدت على المنصة العالية التي تشرف على كل طلاب المدرسة, من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية… و تجمد لساني و رجفت رجلاي!! تلعثمت بالكلام و كانت غالباً أسوأ إذاعة في تلك السنة!

العبرة: دائماً حضر لما أنت مقبل عليه, حتى لو كنت من أفضل الناس في مجالك. شهرتك لا تغني عن العمل.

  • المسؤولية هي مسؤولية!

في المرحلة الابتدائية, أو ربما بداية الإعدادية, أوكلت إلي مهمة ترويح أختي و ابنة خالتي (التي هي أيضاً أختي). و كنت سعيداً بهذا لأنها “مسؤولية” و فقط “الكبار” يتحملون مسؤوليات!

لكنني لم أكن أعي تماماً معناها, و بطريقة ما ربما كنت أظن أن بين البشر اتصالات لاسلكية تنقل ما في عقلي إلى عقولهم!!

مرة تأخرت بعد انتهاء الدوام و بقيت مع أصدقائي لنلعب لعبة كرة قدم (و كانت أمي لا تسمح لي بالتأخر بعد المدرسة, و بالتالي فلم أكن أشارك أصدقائي في أي شيء يفعلونه بعد الدوام, و التي غالباً ما كانت تبدو مشوقة!), و لم لا؟ فأنا الآن “كبير” أتحمل مسؤوليات أستحق أن أتصرف مثل “الكبار” و أتأخر قليلاً!!

و ظننت أن تأخري سيكون مبرراً لأختاي و أنهم سينتظرون كالعادة, لكن على ما يبدو فقد تأخرت جداً. و ضجرت ابنة خالتي و أعطاها أحدهم مبلغاً من المال يكفي للمواصلات. و كالباشا ذهبت أنا إلى المدرسة لاصطحابهم فوجدتها مغلقة!! و لما لم أجد أحداً اتجهت إلى البيت “بشكل عادي جداً” و لم تمر في خاطري دقيقة تفكير واحدة!!!

طبعاً أمي و خالتي أصيبتا بالصدمة, و أنا كطفل صغير لم أكن أعي حجم ما فعلت و إهمالي لمسؤوليتي, و استمررت باخبار نفسي “ما المشكلة في الموضوع؟ ألم يصلوا إلى البيت على أية حال؟!”. و في اليوم التالي, و بدلاً من أعتذر لبنت خالتي عن تصرفي بدأت أعطيها درساً عن ضرورة إعادة النقود لصاحبها!!!

في السنوات اللاحقة, و بعد أن كبرت أدركت مدى خطأي و “انعدام مسؤوليتي” وقتها. و أكثر ما يحز في نفسي أنني لم أعتذر أو أعترف أن ما فعلته كان خطئاً!

الخلاصة: الطفل إدراكه الكامل غير موجود, و مع أنه من المشجع أن يتحمل الطفل مسؤولية, يجب أن تكون على حجمه. و عندما يخطأ يجب توضيح أين كان الخطأ و لماذا, و يجب أن تعطى الحلول لهذا الخطأ لضمان اجتنابه في المستقبل.

  • الحب ليس عيباً!

أيضاً إحدى مشاكساتي في المرحلة الإعدادية. في الصيف الذي يفصل بين المرحلة الابتدائية و الإعدادية التحقت بدورة لتعليم اللغة العبرية. كنا مجموعة حوالي الخمسة عشر. و التقيت فيها أختان, واحدة كانت بعمري و الأخرى أكبر مني بسنتين. الأخت الصغرى وجدت لها صديقة أخرى في المجموعة, و أنا “ضربت صحبة” مع الكبرى و بشكل عجيب تآلفنا بسرعة.

كنا أصدقاء نتحدث لوقت طويل في الكثير من المواضيع. في الحقيقة إلى اليوم لا أعرف لم اختارت صحبتي مع وجود اثنين في المجموعة من عمرها. و لكن كعادة تصرفاتي الطفولية التي دائماً ما تدمر أي شيء جيد في العلاقات, خربتها!!

عرفتني في يوم من الأيام بشكل عفوي إلى عائلتها التي جاءت لاصطحابها بعد انتهاء المحاضرة, و لا أدري ما الذي قلته أو فعلته, لكنني متأكد من أنني قلت شيئاً غبياً جعلها تعود في اليوم التالي غاضبة ترفض محادثتي و بقيت كذلك إلى نهاية الدورة.

في الفترة ذاتها أخبرت أحد أبناء أو بنات عمي أنني “أعرف فتاة” و انتشر الخبر بينهم بسرعة! و بدأت السخرية تنهال علي من الأكبر سناً, و المكائد من الأصغر أو المساوين في العمر! كنت أشعر بحالة من النشوة أنني أعرف فتاة من خارج العائلة و الأطر العادية, و في نفس الوقت أخاف أن يتسرب الخبر إلى أهلي لأنني أعلم أنها ستصير “قصة كبيرة”!

صداقتي تدمرت و لم أسمع منها بعدها, حتى أنها حذفت بريدها الإلكتروني مباشرة! و كل ما تبقى لي هو حالة الاستهزاء و السخرية بين أفراد العائلة الصغار أدت فيما بعد إلى مواجهات و تدهور للعلاقات بيني و بين بعضهم إلى أن كبرنا قليلاً و أصلحت.

العبرة: الحب ليس عيباً, و ليس شيئاً عجيباً! و مع أن صداقتي مع تلك الفتاة لم يكن “حباً” بالمعنى الحرفي, إلا أنها كانت صداقة جميلة و كنت سعيداً أنني وجدت شخصاً يشاركني اهتماماتي و يستطيع مناقشتي. العيش تحت مظلة “الحب حرام” و “الصداقة عيب” تولد مضاعفات سلبية كان يمكن تجنبها لو أننا ربينا أولادنا بشكل آخر. ليست هذه دعوة للرذيلة و الحب الفارغ, لكن تصوير الجنس الآخر للأطفال على أنهم “عفاريت” أو شياطين ليس حلاً صحياً لأشياء نظن أنها مشكلة و هي ليس كذلك.

  • الإصرار هو مبدأ كل نجاح

شغفت بالكمبيوتر و الإلكترونيات منذ أن كنت طفلاً صغيراً. و كانت أمي تخفي كل جهاز كهربائي, و تصاب جدتي بالرعب كلما سألت عن جهاز أو مفك!! كان اسمي “كعكوش” (أي كثير العبث و “البحبشة” و “الكعكشة”). و مع أنني لم أتلف أي جهاز فككته, عدا لعبة واحدة فصلت بالخطأ سلكاً من مكانه و لم يكن لدينا مكوى لحام فعدت في فئة “التالف” (مع أنها ليست تالفة, هي فقط تحتاج إلى إعادة لحم السلك على اللوحة) و كانت على أية حال ملكي. تطور حبي للكمبيوتر من البرمجة و تنصيب أنظمة التشغيل إلى أن عدت مرة أخرى إلى الإلكترونيات و الهاردويير. و صار الشغف في هذه المرحلة علمياً, فكنت أقرأ عن كل قطعة أراها و أفهم مبدأ عمل كل شيء على اللوحة. أنا لا أمزح, لكنني كنت أشرح مبادئ الدوائر الكهربائية لبعض أصدقائي طلاب الجامعة في قسم الهندسة!

المشكلة هي أنني لم أكن “ممتازاً” في الرياضيات في المرحلة الثانوية, و كانت عندي مشاكل منذ الصغر في حل المسائل. و في الفيزياء كنت أحب أن أفهم مبادئ عمل الأشياء و لكنني أكره تنفيذ حساباتها. على أية حال اكتشفت فيما بعد أن قصوري في مادتي الفيزياء و الرياضيات لم يكن خللاً في أنا, بل في طريقة التدريس في المدرسة. لأنني حصلت على علامات ممتازة في امتحان الثانوية العامة, و في امتحان تأهيل الجامعات في مجالي الرياضيات و الفيزياء.

منذ نهاية المرحلة الإعدادية رسمت لنفسي خطة, ماذا أريد أن أدرس, أين, إلى أية مرحلة أريد أن أصل. و قابلت أكثر من واحد في المجال الذي أريده كي أفهم ما الذي أنا مقبل عليه, و في النهاية اتخذت قراراً بأنني فعلاً سأدرس هندسة الكترونيات ثم أتخصص في مجال المعالجات الدقيقة.

لكن الذي حصل أن والدي لم يكن مقتنعاً بأنني يمكن أن أكمل مسيرتي في مجال الهندسة, لم “يجبرني” على ترك الهندسة و الإلكترونيات, لكنه لم يشجعني أيضاً. و في النهاية صرت في كلية الطب.

أنا لست نادماً أبداً على كلية الطب, في النهاية كل ما في الأمر هو إعادة رسم للخطط و تعديل لهيكل الحياة التي أتخيلها في المستقبل. أحب الطب و أنا ماهر فيه إن شاء الله.

العبرة: تمسك بمبادئك ما دمت متأكداً منها, لا تدع أحد يزعزع ثقتك بنفسك بحجة “أنهم يعرفونك أفضل منك”. حتى لو كانوا والديك. في النهاية والدي طبيب و اجتاز مراحل صعبة و امتحانات تنافسية, و نجح, لم لا ثقة في أنني قد أفعل الشيء ذاته؟

إن لم يثق الوالدان بابنهم فمن أين يحصل على الدعم و التشجيع؟ و بدون أخطاء و “كعكشة” من أين يولد الإبداع؟

2011 in review

يناير 1, 2012 2تعليقات

The WordPress.com stats helper monkeys prepared a 2011 annual report for this blog.

Here’s an excerpt:

The concert hall at the Syndey Opera House holds 2,700 people. This blog was viewed about 11,000 times in 2011. If it were a concert at Sydney Opera House, it would take about 4 sold-out performances for that many people to see it.

Click here to see the complete report.

التصنيفات:Misc. منوعات

The Help

بسم الله الرحمن الرحيم

The Help

فيلم دراما يحكي عن التمييز العنصري في بلدة جاكسون, ميسسيبي ضد السود في فترة الستينيات.

الفيلم اخراجه رائع, و الأداء فيه مميز. أعجبني جداً.

لم أستطع خلال الفيلم اخفاء “تقززي” أحياناً من التصرفات التي كان يقوم بها البيض “الارستقراطيون” بحق الخدم السود التي تسلبهم من أدنى الحقوق الآدمية التي يجب أن يتمتع بها أي كائن بشري.

فصل السود بقانون رسمي عن البيض, فلهم مدارس خاصة بهم, و مستشفيات و أحياء, حتى أن الأمر وصل إلى تمرير مقترح لقانون يقضي ببناء حمام منفصل للخدم السود عن حمام البيت لأنهم يحملون أمراضاً “سوداء” غير أمراضهم “البيضاء”!!

بطلة الفيلم فتاة شابة ما تزال على فطرتها لا تتحرج من التعامل مع السود و ترى أنهم بشر مثل كل الأثرياء البيض الذين يستبعدونهم, بل أن من ربتها هي خادمتهم السوداء طوال 29 عاماً. هي التي علمتها و بنت شخصيتها المتسامحة هذه.

لهذه الفتاة, التي اسمها “سكييتر”, صديقات أخريات لا يشاركنها نفس الرؤية و يرون أن كل شيء في بلدتهم مثالي ولا حاجة لتغييره. و لم لا؟ فهم أثرياء, و عندهم خدم يعملون بأجور أقل من الحد الأدنى ولا يحق لهم أن يعترضوا, و البيض يطردونهم متى يشاؤون و كيفما يشاؤون!

قادت هذه المجموعة العنصرية من النساء, و هي ليست غريبة عمن حولها من الناس فكلهم كذلك, فتاة أخرى اسمها “هلي” كانت غريبة في تطرفها و عنصريتها. و هي التي اقترحت سن قانون “فصل الحمامات”!

“هلي” لم تكن أماً جيدة ولا تجيد أي عمل من أعمال المنزل, خادمتها كان اسمها “ميني” و كانت طباخة ماهرة. طردتها لأنه في يوم من الأيام شديدة المطر و الريح احتاجت إلى الذهاب إلى الحمام, الذي بنته لها خارج المنزل, و لكنها لا تستطيع. فتظاهرت أنها تريد أن تحضر الشاي و استخدمت حمام الضيوف في المنزل, فغضبت و طردتها, و فوق هذا أخبرت جميع صديقاتها أنها سرقت كي لا تعمل عند أحد!

كانت هناك فتاة أخرى في البلدة اسمها “سيليا” ساذجة بعض الشيء و لا تكره السود. بل أنها كانت تصر أن تأكل مع خادمتها الجديدة و الوحيدة, “ميني”, لأن “هلي” كانت تتجنب الحديث معها و بالتالي لم تعرف عن كذبة السرقة. “سيليا” كانت تعيش وحيدة مع زوجها و كانت عندها مشكلة بأن الجنين لا يلبث أن يجهض بعد فترة قصيرة من الحمل (ربما كان عندها congenital uterine malformation) ولا تجيد الطبخ على الإطلاق!

“سكييتر” حاولت الحصول على عمل في شركة نشر في نيويورك و لكن لأنها لا تملك أية خبرة فقد رفض طلبها و نصحتها رئيسة التحرير بأن تحصل على عمل صحافي أولاً ثم تعود لهم. و بالفعل حصلت على عمل في الصحيفة المحلية و استلمت عموداً عن النصائح المنزلية.

عادت لتكلم رئيسة التحرير عن فكرة كتاب خطرت لها, الحياة من وجهة نظر الخدم السود! و جاء الرد أنها فكرة مميزة و ستقبل بها إن كانت جيدة الإعداد, و بشرط أن تكون قبل مسيرة مارتن لوثر كنغ الشهيرة للحقوق المدنية كي لا يقول الناس أنه مجرد مجاراة للتيار.

لكن من أين تجد “سكييتر” خادمات عندهن الجرأة للتحدث عن تجاربهن و معاناتهن؟ في نهاية المطاف تقتنع خادمة إحدى صديقات “سكييتر” و “هلي”, “إليزابيث”, اسمها “أيبيليين” بالتحدث معها و قص حكاياتها. ثم تبدأ صديقتها الخادمة التي طردت “ميني” بالتحدث أيضاً.

و لكن رئيسة التحرير أرادت على الأقل 12 خادمة بالإضافة إلى قصة “سكييتر” الشخصية مع خادمتهم. و يتم لها هذا بعد أن يقتل رجل أسود بدافع الحقد الخالص على يد رجل أبيض.

الكتاب كتب بأسماء مستعارة و بدون كاتب, و كتأمين على كتمان سر أصحاب الروايات فقد اقترحت “ميني” أن يستخدموا قاعدة الـ small penis. و هي طريقة تستخدم عند كتابة كتاب أو رواية تمس الواقع و تصف أشخاصاً حقيقيين بأسماء مستعارة, و تجنباً للملاحقة القانونية من شخصيات الكتاب يقوم الكاتب بإعطاء الشخصية المعنية عيباً لا يجرؤ أحد على القول بأنه هو صاحبه و بالتالي لا يستطيع رفع قضية أو ملاحقة الكاتب. لن يتقدم أحد و يقول “نعم أنا الشخصية التي في الكتاب التي لها *** صغير أو صاحب هذا العيب و أريد أن أقاضيك!!”.

بعد أن طردت “هلي” “ميني” و أهانتها قررت أن تنتقم منها فخبزت فطيرة “شوكولاتة” التي تحبها “هلي” كثيراً, و أكلت “هلي” هذه “الشوكولاتة” التي يتضح أنها “شوكولاتة” من نوع آخر!! وضعوا هذا في الكتاب, كي يضمنوا ابتعاد “هلي” عنهم, و هي ستقوم أيضاً بالنفي القاطع بأن هذا الكتاب أحداثه وقعت في بلدتهم كي تبعد تلك الفعلة عنها مع أنه لا أحد يدري بها!

ينشر الكتاب, و يحقق أرباحاً, و تحصل “سكييتر” على وظيفة محررة مبتدئة في دار النشر بنيويورك. و تحاول “هلي” أن تهدد “سكييتر” و الخادمات و لكن ليس بيدها أن تفعل شيئاً لأنها لا تستطيع أن تثبت على نفسها أنها أكلت فطيرة “شوكولاتة”!

طول الفيلم و أنا أتعجب و أحمد الله على نعمة الإسلام التي عملتنا “لا فضل لعربي على أعجمي, ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”. تعجبت جداً من التفكير الذي كان في عقول هؤلاء البشر, كانوا يعاملونهم كأنهم نجاسات و شر لا بد منه. و عندما زار مالكوم اكس مكة للحج تغير فكره تماماً و نبذ فكرة عنصرية السود ضد البيض التي كان يتبناها سابقاً, لأنه عرف أن بيض أمريكا وحدهم هم العنصريون و ليس كل بيض العالم. رأى هناك في الحج مساواة قيمة الأبيض و الأسود فلا فضل لأحد بسبب لونه.

أمريكا اليوم لم تعد كذلك, الاستعباد اختفى و صار من الماضي. لكنهم لا يخجلون من الإقرار بأنهم أخطأوا و أنهم ظلموا السود زمناً طويلاً. متى نقف أمام أخطائنا و نقر بها؟ الاعتذار و الاعتراف ليس عيباً ولا ضعفاً, بل هو أقل القليل لتصحيح المسار و الاعتبار من الماضي.

جندب بين الأقدام

ديسمبر 10, 2011 2تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

جندب بين الأقدام

بينما أنا جالس اليوم في أحد “الشوارع” في الجامعة منتظراً للمحاضرة التالية في جدولي قاتل النهار المليء بالفراغات القصيرة, قفز أمامي جندب من الحجم الكبير لونه أسود.

كان هذا الجندب ملفتاً و مثيراً للاهتمام, ليس فقط لحجمه و اللون البرتقالي الذي على رقبته, بل لأنه قفز هكذا فجأة بين الأقدام بلا مبالاة ولا وجل.

أعلم أن الحشرات ليس لديها الإحساس و التقدير الذي لدى البشر, فالنملة و الصرصور لا يدركون و هم يمشون أن هذا قد يكون شارعاً, أو أن هذه البقعة قد تطأها قدم. هم يحسون بما حولهم في تلك اللحظة و يتصرفون على ذلك الأساس. لكن الأمر المعنوي هنا جعلني أفكر.

هذا الجندب كان بين أقدام كثيرة, كلها تكاد تدوسه و تصيره عجيناً مسواً بالأرض, و أحس أكثر من مرة بالخطر فتحرك خطوات قليلة و توقف. وسط هذا الخطر المحدق بحياته بدأ ينظف قرونه الاستشعارية, و مرة يحك جناحه, المنظر واضح أنه ينظف نفسه و “يلمع” أجنحته و قرونه! لم أستطع تجاهل لامبالاة هذا الجندب. أهي جرأته أو هي حماقته؟ لربما هي افتقاده لعقل يبقيه مشغولاً بكل الفرضيات التي لا تنتهي حول إمكانيات موته أو عدم اكتراث أحد بحياته أصلاً!

أفتقد أحياناً تهور الجندب و تركه للحسابات الكثيرة و تنفيذه لما يحب و يراه مناسباً في تلك اللحظة.

أحس و كأنه كلما كبرنا و تعرفنا على العالم أكثر كلما زادت الأمور التي نأخذها بالحسبان و زادت القيود التي تكبل همتنا و سعينا نحو الأشياء.

إذا سكت الجميع خوفاً, فإن من يقول الحق بلا وجل هو طفل. إذا أحجم الناس عن شيء ما و هابوه أقدم عليه طفل. كل ما يظنه الناس مستحيلاً يفعله الأطفال ولا يكترثون بذلك كله!

لا أتمنى أن أعود طفلاً, فقد تعلمت الكثير لأخسره, و لكنني أتمنى أحياناً لو أستبدل أجزاء من دماغي بدماغ الطفولة. و ربما أزيل بعض الأجزاء منه! أريد أن أستبدل ذلك الجزء الذي يستمر بتخويفي من الأشياء و يستمر بحساب العواقب, ذلك الجزء الديكتاتوري صاحب السطوة الأمنية علي! و أريد أن أستبدل قسم اللوم و الذكريات الفاشلة, بل أريد إزالة هذا القسم تماماً! لا أريد عقلاً يصرخ ليل نهار “لمَ لم تفعلها؟ لمَ فعلتها؟!”. قسم يستمر بإخباري بأنه من الماضي و لا يمكن تغييره, و ذاك الجزء يستمر بتوبيخي!

ذلك الجندب ربما يعلم أن نهايته قريبة ولا يمكنه التحكم بها, و ربما لا يعرف. في كل الأحوال هو يخرج كل يوم, ككل الأعداد التي لا تحصى من الحشرات, ليبحث عن رزقه و يمضي يومه في ما تفعله الجنادب. حياته ستنتهي في أية لحظة, إن داسه أحدهم خطأً أو إن مر مؤذٍ فوطئه عمداً, و مع ذلك هو لا يكترث و يجد الوقت ليقف بين كل تلك الأقدام و ذلك الجمع الكبير لينظف نفسه و يتشمس قليلاً!

لا أعلم بماذا كان يفكر, ربما قرر أن ينتحر! لكن هذا الخاطر سرعان ما مر عندما داسه أحدهم بالخطأ فقفز مرة واحدة و أسرع ليختبئ في شق بين حجارة الرصيف. هو يريد أن يعيش, لكنه يعيش كما يريد ولا يهمه رأي الناس بأنه يسوق نفسه نحو الموت, و يرمي بجسمه بين الأقدام.

خوفنا يلجمنا, و ما زال يلجم الكثيرين. يلجمهم من المقاتلة من أجل مستقبل أفضل, و عدالة و حرية تعبير. يلجمهم من المطالبة بحقوقهم. نفكر كثيراً في الأمور على المستوى القريب, ولا نعلم أن المستقبل سيكون أفضل إن تخلصنا من خوفنا.

تمنيت أن أكون أكثر مثل ذلك الجندب, و مثل عقلي الطفولي, و أقل من عقلي المتوجس الذي يحسب كل شيء و يزنه بميزان!! تتكاثر الافتراضات و النتائج في عقلي و لا نجرب أن نفعلها و نرى إن كانت النتيجة كذلك فعلاً!

من الآن سأحاول أن أحسب النتائج أقل, و أكون أكثر “تهوراً”. سأفعل الشيء من غير ندم أو عتاب, و سأتقبل الأشياء كما هي و أحاول إصلاح ما أستطيع مع اعتماد مبدأ “طنش تعش تنتعش” للناس التي لا تبالي. لن آكل نفسي بعد الآن إن لم يتحقق المطلوب, تغيير كامل للأهداف و الرؤى =)

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.