أرشيف

Archive for the ‘People الناس’ Category

وهم التفاعل و الدعم

بسم الله الرحمن الرحيم

وهم التفاعل و الدعم

كم مرة وصلتنا رسالة على البريد الإلكتروني, أو دعوة على الفيس بوك… أو تغريدة على تويتر, تدعونا إلى “دعم” هذه القضية أو تلك؟

كم مرة غيرنا صور صفحاتنا المختلفة على الإنترنت من أجل إظهار التضامن مع قضية ما؟

قبل أن أبدأ لا بد أن أوضح أنني لا أهاجم فكرة تغيير صورة البروفايل على أي موقع من أجل إيصال فكرة للعالم. و لكنني أعترض على من يفعل ذلك و يظن أنه فعل الكثير.

من الأمثلة شريط سرطان الثدي, إشارة المقعدين, أعلام دول مختلفة و غيرها. أو عمل Like لصفحة ما في سبيل “دعم هذه القضية”, مثل “انصر نبيك” و “ادعم إخوانك في كذا”… !

كيف يدعم وضعك للشريط الوردي على صورة البروفايل مرضى سرطان الثدي؟ و كيف يساهم هذا الشريط في زيادة الوعي عند الناس؟ كيف سيؤثر الـ Like لصفحة ما على مسيرتها على أرض الواقع؟ كيف نصرت نبيك أو دينك بمتابعة شخص أو صفحة؟!

من المقبول أن تضع صورة تحمل فكرة لإيصالها إلى العالم, كتصميم يحمل عبارات الدعم للثورة السورية, أو الأسرى الفلسطينيين و غيرها من قضايا الأمة, و لكن بعد أن تقوم بواجبك تجاههم.

ليس من المعقول أن تجعل من نفسك مفكراً و ناشطاً لمجرد أنك استخدمت تصميم إنسان آخر (أو حتى تصميمك) و أنت تجهد نفسك طوال النهار على مفاتيح الحروف!! بالضبط كما أنه لا يجوز لي أن أعتبر نفسي “أنجزت” لمجرد أنني كتبت هذه السطور.

و بينما يكون من المطلوب لقضية ما أن تحصل على التغطية الإعلامية التي تستحقها, و هذا يحتاج إلى فرق تقوم بتسويقها سواء من خلال الإنترنت أو وسائل النشر الأخرى, إلا أساس هذا العمل ليس الإنترنت لأنها قضية على أرض الواقع و ليس في العالم الافتراضي (كما لو كانت القضية حول حجب مواقع أو إدخال قوانين تحد من حرياتهم على الإنترنت مثلاً).

إعجابك بصفحة ما لن يضخ المليارات في البحث العلمي لهذا المرض أو ذاك, نشرك لصورة الطفل الإفريقي الجائع ليتأسف عليه كل أصدقائك لن يشبعه و لن ينهي معاناته! و لن ينهي إعجابك بتلك الصفحة أو مشاهدتك لذلك الفيديو في القبض على مجرم و تحرير شعب فقير! تبرعك المادي للبحث العلمي و بعثات الإغاثة هو ما يصنع الفرق.

رددوا على مسامعنا كثيراً أن ثورة مصر و تونس كانتا ثورات “فيس بوك و تويتر”… و هذا غير صحيح. فهي ثورة الناس و الشعب, و لكن كان فريق من الشعب يستخدم فيس بوك و تويتر كأدوات نشر و دعاية… أداة. نقاشاتنا مهما طالت حول موضوع في التعليقات تحت بوست لن يوصلنا إلى مكان, ربما بسبب أن الكتابة خالية من المشاعر و التعبيرات التي هي من أهم عناصر الحوار و الإقناع, و ربما السبب الأهم أن الناس في الشارع تحت الشمس و في البرد هم من يصنعون الفرق و يأتون بالحقوق.

الإعلام أداة ضغط قوية, نعم, و لكن التحرك الشعبي هو ما يصنع الفرق و يحرك المواقف.

الأشرطة و الأزرار التي نضعها على بروفايلاتنا أو ملابسنا تجعلنا نشعر بالرضا عن أنفسنا أننا لسنا “شوالات سكر” و أننا نتحرك و نفعل شيئاً… نشارك في صنع الفرق, و لكن هذا غير صحيح!

الأدهى من ذلك عندما يصير مقياس العمل عند الناس بـ “من غير صورته” و من لم يغير… و نبدأ بالتشكيك في نوايا و إنجازات من رفض تغيير الصورة. نجلس خلف شاشات الأجهزة, نعلك الطعام و نمضغ العلكة و نقوم بعمل Share للصور و الصفحات و الروابط… و ذلك الرافض لتغيير الصورة أو إعادة المشاركة واقف طوال النهار أمام وزارة أو جهة حكومية يعترض, و يقابل النواب و يكلم الناس, هذا هو “الذي يريد لهذه القضية أن تفشل”!

الدعوات و الإعجاب بالصفحات و الروابط, أو عمل رتويت [Retweet] لتغريدة ما [Tweet] هي نوع من الابتزاز النفسي و العاطفي من المرسل, و رغبة المستقبل في الانتماء للجماعة و الاتجاه العام و ألا يترك وحيداً. فيقوم بعمل retweet كي لا يكون غريباً… فهو من المؤيدين لهذه القضية و هذا هو الإثبات! هو يحب النبي صلى الله عليه و سلم و إثباته إعجابه بصفحة جمع 5630294 مليون معجب!! هي مهتمة جداً بسرطان الثدي و تتعاطف مع المرضى… لا تفهموا ذلك خطا ً, فها هي تضع الشريط الوردي على ملابسها و صورة بروفايلها!

و هل بقية الناس لا يدعمون تلك القضية؟ هل الباحث الذي يعمل في المختبر باحثاً عن أدوية جديدة و عقاقير للتحكم بالأمراض لا يهتم مثلاً بمرضى السرطان؟ هل الطبيب و الجراح يتمنى التعاسة لمرضى السرطان مثلاً لأنه لا يضع هذا الشريط!؟

قم بإرسال هذه التدوينة إلى 10 من أصحابك لتنال شكر كاتبها… واحد أرسلها لكل أصحابه فحصل على توصيلة مجانية من بيته للجامعة. و واحد أهملها فعمل الرواتر لنفسه reset, و آخر “راحت عليه نومة” و لم يذهب إلى محاضراته ذلك اليوم!!

علموني كيف أكون مشلفقاً!

بسم الله الرحمن الرحيم

علموني كيف أكون مشلفقاً!

“الشلفقة”… مصطلح فلسطيني – أردني, و ربما سوري أيضاً, له مرادفات أخرى مثل “شغل من قفا اليد” و “شغل نص كم” و “حراثة جمال”, و له ترجمة هي cutting corners. الشلفقة باختصار هي عدم اتقان العمل, مقروناً غالباً بسرعة الإنجاز.

لا عجب أن النبي صلى الله عليه وسلم في إطار بناءه لحضارة الإسلام حض على العمل, و ليس أي عمل؛ بل العمل الشريف الصادق المتقن. لعل أول ما يتبادر إلى الذهن عندما يذكر موضوع الشلفقة هو “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. علوم الإدارة الحديثة و التسويق تركز بشكل كبير على معادلة “الجودة أهم من الكمية”.

استلمت عملاً صيفياً في أحد الفنادق, و للأسف فإن كل من في الفندق “يشلفق” فلا عجب أنه ليس أول الخيارات التي تظهر عندما تبحث عن فندق في القدس!

أنا لا أريد أن أتحدث عن الشلفقة في الفندق تحديداً, لكن الشلفقة بشكل عام. المشكلة في عدم الإتقان أنه ليس حالة عرضية أو طارئة تعتري الإنسان ثم تذهب, الشلفقة نمط حياة. فمن يشلفق في عمله يشلفق في بيته, يشلفق في واجباته, يشلفق في تربية أبناءه… و هكذا! أنا أشلفق و أنت تشلفق و ذاك يشلفق… كل الشعب يشلفق و بقيت القلة القليلة التي تتقن عملها قبل أن تقضي عليه الكثرة المشلفقة إما لتجعلها من فئة المشلفقين أو أن تتسبب بنقلها أو طردها من العمل لأن سرعة إنجازها لا يوازي “إنجاز” المشلفقين!!

المشلفقون يحتجون بأن سرعة العمل هي ما يجبرهم على عدم الإتقان, و لكن الحقيقة غير ذلك. تويوتا من أكبر مصنعي السيارات في العالم, و مع ذلك فإن اسم تويوتا هو مرادف للجودة و الإتقان مهما صغر حجم السيارة أو رخص سعرها, بكل تأكيد هم يصنعون أعداداً مهولة من السيارات كل سنة و مع ذلك كل واحد منها يجب أن يكون على مستوً محدد من الإتقان و الجودة.

الشلفقة هي أسلوب حياة, و شلفقة كل واحد فينا تظهر في حياتنا جميعاً. انظروا إلى شوارعنا و مدننا العربية… الشوارع “شلفقة”, و تخطيط الشارع “شلفقة”, الإشارات و تنظيم السير… “شلفقة”, قيادتنا للسيارات في الشوارع “شلفقة” أيضاً! و أين مدننا العربية من مدن العالم… ؟

الزوايا مزعجة أحياناً عندما نحتاج إلى الدوران حولها بدلاً من السير بخط مستقيم أقصر, لكن ماذا لو كان على زاوية الشارع محل لبيع الصحف؟ إن سلكت الطريق “المستقيم” فإنك لن تحصل على جريدتك التي خرجت من أجل الحصول عليها.

و مع أن كثير من القوانين لا معنى لها و “بايخة” إلا أنه لا يمكننا أن نلتزم ببعضها و نترك الآخر, أو أن نلتزم بحضور الشرطي (في بعض المدن العربية رأيت بعيني كيف أن القوانين تخالف بشكل واضح و مضر بالآخرين و الشرطي واقف يتفرج, و أحياناً يساعد على الفوضى و المخالفة!) و عندما “يغيب القط العب يا فار”!!

ابدأ من الآن بإتقان عملك, مع أنني أتخيل أنها ستكون مهمة شاقة للغاية إن كنت من جماعة “يا اخوك مشي مشي بس انت”, إن كنت تريد أن ترى عملاً متقناً في بيتك و حولك. المشكلة أننا لا ننجز عملنا بشكل متقن و نريد من الآخرين أن يتقنوا عملهم عندما يعملون لدينا أو في بيوتنا… لا تستقيم!

تطور المجتمع و الدولة ليس حلاً سحرياً بيد الحكومة تضغط على زر و تخترع خططاً اقتصادية فتنهض البلد و كأنه تستخدم مصعداً من طابق لآخر! ما فائدة الخطط و الحلول الاقتصادية و الصناعية إن كان عمل من في المصانع “مشي حالك” و “يوم دوام و عديه”؟! عملك و وظيفتك مهما كانت “سخيفة و بسيطة” برأيك و نظرك فإنها تؤثر بشكل كبير في المؤسسة التي تعمل فيها و من ثم في البيئة المحيطة بها.

إن كان من يعمل في المطبخ لا يغسل القدور و الصحون جيداً و “يشلفقها”, فإن الطباخ لن يستطيع أن يطبخ بالجودة المتوقعة منه, الزبون لن يعحبه الطعم و ربما يخسر الفندق زبوناً. إن كان عامل التنظيف في المطبخ لا ينظف الأرضيات و المسطحات بشكل جيد و “يشلفقها” فإن الغارسون ستتسخ ملابسه و هذا لن يعجب الزبائن… الآن تخيل أن كل واحد فيهم “يشلفق” و حاول أن تتصور النتيجة الكارثية!

علموني كيف أكون مشلفقاً… لكنني لن أترك اتقان العمل! هناك فرق بين “العمل بسرعة” و بين الشلفقة, و هناك فرق أيضاً بين “اتقان العمل” و “العمل ببطئ”, تعلم الفرق و لا تكن مشلفقاً أو بطيئاً.

الله يذل أهلكم يا بلدية!

بسم الله الرحمن الرحيم

الله يذل أهلكم يا بلدية!

لا أدري لم في كل مرة أعود إلى بلدي الحبيب و مدينتي الجميلة, القدس, أجد بلدية القدس و قد فعلت مصيبة جديدة و ارتكبت حماقات و تعديات كثيرة لا يسكت عليها.

جزء من مشكلتنا مع بلدية القدس هو عدم وجود أي تمثيل للسكان العرب في البلدية, و جزء آخر من المشكلة هو التفكير السلبي من أهالي المدينة العرب. بالإضافة إلى الجهل العميم بين الناس بحقوقهم و القنوات القانونية التي يمكن عبورها لاسترداد حقوقنا, لا زال بعض الناس خاصة الكبار في السن يرفضون تقبل الواقع بأننا واقعون تحت سلطة الحكومة الاسرائيلية و سيطرة بلدية القدس. نحن نرفض هذه السلطة ولا نقبلها, نعم صحيح, لكن هذا لا يعفينا من الواقع الذي نعيش تحته.

صحيح أن الضرائب التي ندفعها نعتبرها سرقة مغصوبون أن ندفعها, لا يمنع هذا أن نلعب لعبتهم و نطالب بحقوق مكتوبة في القانون. هم يسرقون من جيوبنا, لكن هذه السرقة يدعون أنها مقابل خدمات و تحسينات فأين هذه التحسينات؟

القدس و بلديتها ليست مشكلة للعرب فقط, بل هي مشكلة للسكان اليهود غير المتدينيين. بلدية القدس و نائبها كلاهما من اليهود المتشددين, و اليهود المتشددون لهم أجندة صريحة واضحة… القدس هي عاصمتهم الدينية و يريدونها أن تكون كما يرونها هم. هناك أعداد متزايدة من الشباب اليهود يهاجرون إلى تل أبيب و حيفا لأن القدس حتى بالنسبة لهم أصبحت الحياة فيها لا تطاق! هؤلاء المتشددون لهم أعياد و مناسبات لا تنتهي, و في كل أسبوع عندهم يوم السبت, و فيه لا يجوز أن يقودوا السيارات ولا يستعملوا جهازاً أو حتى النار… هناك يهود يحضرون للصلاة لكنهم ليسوا على قدر كبير من التدين ولا يهمهم أن يقودوا السيارة أو يستعملوا الكهرباء و النار, و في كل سبت تقريباً هناك مشادات و اشتباكات بالأيادي بين هؤلاء و شباب متشددين لأنهم يريدون فرض “حظر التجول السبتي” هذا على الجميع و البلدية لا تفعل شيئاً حتى مع صدور قرار من المحكمة بأن كل واحد حر في ما يفعله و لا يجوز إغلاق مواقف السيارات و تعطيل السير يوم السبت أو غيره (و هذا الكلام من ثلاث سنوات تقريباً) لكن مشكلة “موقف باب الخليل” تتكرر كل سبت و مساء جمعة! (يتهمون السلفيين و إخوان مصر بأنهم يفرضون آرائهم و عقائدهم على الناس, أين الإعلام عن هذه العصابات؟؟!)

ما دفعني إلى كتابة هذه السطور تحديداً هو إنشاء مدرسة بجوار بيتي تماماً, و قبل سنوات اشترينا الأرض و تنازلنا للبلدية عن جزء من الأرض لإنشاء شارع (هذا نوع من الابتزاز تمارسه بلدية القدس على السكان العرب, تقوم بالاستيلاء على جزء من الأرض أو البناية تحت اسم “خدمات و تحسينات” مقابل منحهم رخصة البناء) و بقي جزء من الأرض يفصلها عن الجزء الأساسي من الأرض هذا “الشارع” مساحتها حوالي الـ 20 متر مربع. منذ سنة تقريباً جاءت البلدية و قررت انشاء مدرسة لأهالي القرية (لا يعنيني الأمر أبداً, فهي مدرسة حكومية في النهاية ولا أحد يخرج “متعلماً” منها فضلاً عن أن يتخرج… التعليم في القدس خاص إن كنت تريد النجاح في الثانوية العامة و حتى هذه المدارس بدأ مستواها ينحدر), و بدأ التحفير و الإزعاج (و ما زال مستمراً حتى اليوم) لإنشاء المدرسة. قطعة الأرض التي تكلمت عنها قبل قليل (بالإضافة إلى الشارع) استولت عليها البلدية لتبني مدرجاً يتبع المدرسة… أرضي يا ولاد الكلب!! لم نتلق أي تعويض عن هذه الأرض المسروقة (أو الشارع الذي عرضه 12 متر بالمناسبة), ولا حتى أخذوا الأذن قبل البدأ في العمل.

من جرب السكن بجوار عمارة تبنى يعرف حجم الإزعاج و الفوضى التي تلحقه هو, و نظام البناء بالحجر و على قاعدة صخرية يزيد الطين بلة. القاعدة الصخرية يجب أن تحفر و هذا يسبباً كماً من الإزعاج لا يحتمل, و بعد أن ترفع الأساسات و الأعمدة تبدأ مرحلة البناء الحجري, و يحتاج هذا الحجر إلى قص و تنعيم ثم تكحيل (تعبئة الفراغات بين الحجارة لكي لا تتسرب المياه إلى الحيطان)… كل هذا بجانب شباكي! ساحة البيت صار فيها من الغبار ما يكفي أن أستخدمه لبناء بيت جديد بدلاً من الأسمنت!!

دفعنا ضرائب البيت كاملة, و هي لا تعد ولا تحصى. و ندفع الضرائب السنوية المترتبة علينا ولا نتأخر… الآن صار بجانبي مدرسة, و لا يخفى على أحد كم يخسر العقار من قيمته إذا جاور مدرسة أو منشأة حكومية, ناهيكم عن الفوضى و الإزعاج الدائم من المدرسة و روادها. ليس من العدل أن أدفع ضرائب! و البلدية آذتني كثيراً, سرقت جزءاً من الأرض, و عطلت مدخلاً أساسياً من مداخل البيت (مدخل الجراجات) بالإضافة إلى الفوضى و الغبار الناتج عن أعمالهم.

نحن في القدس لا نحتاج إلى المزيد من المهندسين, أو رجال الأعمال أو المدرسين… لكننا بكل تأكيد نحتاج إلى جيش عتيد من المحامين و دارسي القانون! و نحتاج بشكل تدريجي أن نوصل صوتنا إلى البلدية و تصير لنا قوة تنتزع حقوقنا. فهم القانون و الحقوق المترتبة لنا و استغلال الثغرات هو وسيلة الدفاع و الهجوم, و هو مفتاح بقائنا.

إن كنت من جماعة “حط راسك بين الرؤوس و قول يا قطاع الرؤوس”… اذهب و ضع رأسك حيث يضعه الجميع و لتذهب إلى الجحيم!

الشعب يريد إنهاء الانقسام… ؟

أبريل 15, 2011 3تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

الشعب يريد إنهاء الانقسام… ؟

سلوان - راس العامود القديمة

لربما صارت عبارة “الشعب – يريد – … ” من أكثر العبارات شهرة هذه الأيام كلما أرادت مجموعة التعبير عن رغبتها بشيء ما. النسخة الفلسطينية من هذه العبارة هي “الشعب – يريد – إنهاء الانقسام”. أولاً, المقال لا يناقش حالة الخلاف بين حماس و فتح بغض النظر عن رأيي في الموضوع… النار و الزيت لا يختلطان, و لا الشمال يوصل للجنوب. المقال يناقش حالة “الانقسام” في مدينتي القدس بين أهلها, بين عائلاتها و أصولها (مقدسية, خليلية… إلخ), بين أهل الأحياء التي تبقت لنا لنسكن فيها و التي لا تتجاوز العشرة (الطور, العيساوية, بيت حنينا و شعفاط, صورباهر و جارتها بيت صفافا, سلوان و رأس العامود, و أخيراً واد الجوز و الشيخ جراح و البلدة القديمة “تقريباً لا توجد بيوت شاغرة للسكن هناك حالياً, للسكان العرب بأية حال”).

أولاً, يجب أن أعطي لمحة عن القدس و سكانها. عدد سكان القدس الكلي (عرب و يهود) 763 ألف نسمة, منهم 34% عرب (تقريباً 260 ألف نسمة). فعلياً, أهل القدس العرب كلهم لا يتعدون عدد سكان حي من أحياء مدينة جدة أو الرياض مثلاً. و مع ذلك بينهم من المشاكل أكثر مما بين أهل الوطن العربي كله!

العرب في القدس منهم نسبة كبيرة من أصل خليلي (من مدينة الخليل), و نسبة من أهل القرى أو المدن المجاورة للمدينة الذين انتقلوا للعيش في القدس منذ فترة طويلة بسبب التجارة, أو لأن قراهم دمرت في الـ 48 أو حديثاً بسبب سياسات سلطات الاحتلال بسحب الهويات ممن لا يسكن في حدود المدينة الخاضعة لسيطرة البلدية. و حتى أهل المدينة الواحدة, مثل الخليل, ينقسمون إلى عائلات أخرى كبيرة. كأي عاصمة, القدس هي خليط و مزيج من أجناس و عائلات كثيرة. مساحة نفوذ بلدية القدس تعادل مساحة نفوذ بلديتي حيفا و تل أبيب – يافو معاً و هي أكبر مساحة نفوذ في البلاد تعطى لبلدية واحدة. نسبة الفقر بين السكان اليهود في انخفاض و يبلغ حالياً ما يقارب الـ 27% و في ارتفاع بين السكان العرب – 68% (عائلات).

ما يتوقعه أي إنسان هو أن يتحد الـ 34% ضد الـ 66% اليهود الذين يحاولون بكل الطرق جاهدين لأكل ما تبقى من أرضنا و يظلموننا بكل الأشكال – الأرض, توزيع الثروة, الأشغال و التوظيف, أعمال تطوير الأحياء العربية… لكن الواقع معاكس تماماً لتوقعات البشر الأسوياء!

لا توجد إحصاءات رسمية عن نسبة الجريمة و العنف في المدينة, لكنني أنا شخصياً خلال السنة سمعت بـ 3 شجارات كبيرة شملت حيين أو أكثر (أو عائلتين كبيرتين) و كأنها حرب, حرقت خلالها محال تجارية و سيارات كثيرة, و اعتدي على بيوت و قتل أشخاص, و جرح الكثير. هذه “الحروب” كانت بين العرب, و بين أبناء سكان الحي الواحد أو حتى العائلة الواحدة أحياناً و السبب غالباً هو شجار أطفال يلعبون في الحارة أو وقفة سيارة! أذكر أن شجاراً استخدمت فيه أسلحة نارية آلية و أغلق الحي كاملاً لمدة أسبوع و لم تستطع الشرطة حتى الاقتراب من الموقع, إما لأن الأمور كانت حامية أو بسبب الكسل و العنصرية… أسبوع تقريباً و الشرطة لا تستطيع الاقتراب أو فرض سيطرتها على الحي!!! في المقابل, حصل اقتحام لحيين, رأس العامود و سلوان, و العيسوية, لأسباب عنصرية و مشاكل يثيرها المستوطنون الساكنين في هذه الأحياء أو قريباً منها. هل رأينا أسلحة نارية, هل منعت الشرطة من الدخول لمدة أسبوع؟ لا! أغلق مدخل حي بشكل دائم (العيسوية), و آخر بدأوا بهدم البيوت فيه (سلوان) و القسم الآخر منه (رأس العامود) بدأوا باستيراد مستوطنين يهود ليسكنوا بين العرب و يتوسعون في المباني الموجودة.

إحدى المشاكل “العبيطة” بين سكان القدس هي “الستيريو تايبنغ”, أي تصنيف الناس بشكل أعمى. أنت من عائلة فلان إذن لا بد أنك مفتعل مشاكل, أنت من الحي الفلاني لا بد أنك عميل لليهود و تاجر مخدرات!! طبعاً بعد هذا التصنيف لا بد أن تكمل “أنا ما بحط بذمتي” و كأنك فقط تنقل ما سمعته! و مشكلة أخرى هي انعدام الاحترام بين السكان. لأن الأحياء محدودة, و مساحتها لا تتغير و مخططاتها لم تحدث منذ سنة الـ 67 (الأحياء اليهودية تحدث مخططاتها و تتوسع باستمرار – هذه طريقة الحكومة لشكرنا على الضرائب التي ندفعها تماماً مثل اليهودي الذي يحصل على كل الخدمات) لم تعد هناك “منطقة” لعائلة أو قرية بعينها.

في الماضي كانت كل عائلة أو كل أهل قرية يسكنون في قريتهم أو حيهم لأن الأرض موجودة و التوسع مستمر بحسب حاجة السكان, لكن بعد مجيء البلدية و تحويل معظم الأراضي المتبقية في القدس العربية إلى “خضراء و متنزهات” (منطقة بلدية القدس فيها أعلى مساحة مناطق خضراء في البلاد) يمنع البناء فيها لم يعد هناك مكان للناس ليسكنوا, فصاروا يسكنون أينما توفر حتى لو كان في قرية أو حي آخر. بعض الأحياء ذاب أهلها بين القادمين و صاروا أقلية, و أحياء أخرى النسب فيها تتفاوت لكنها في ارتفاع. خذ هذه المعلومة و طابقها مع “أنا و ابن عمي على الغريب, و أنا و أخوي على ابن عمي” و انظر ماذا تكون النتيجة!

الناس في القدس يعيشون حياتهم بشكل صامت, يذهبون إلى العمل أو المدرسة, يعودون في المساء إلى بيوتهم و هكذا دواليك. تفكير المقدسي العادي لا يتعدى “كيف سأنجح في الثانوية العامة (إن فكر بهذا!), أين سأجد عملاً يدفع أجراً جيداً, أين أجد شقة بسعر معقول و مساحة جيدة و جيران محترمين… ” و هكذا! أشياء لا تدور بخلد سكان القدس العاديين: “مستقبل مدينتينا إلى أين؟, أن أنام في السجن دفاعاً عن بيتي خيرُ لي من الوقوف متفرجاً على الصهيوني يهدمه أو يستولي عليه, أن أعمل بشرف خير لي من أبني مستوطنة للصهاينة مع أن المبلغ مجز, أن أعامل الناس بإحسان و أخلاق خير لي من أشعل ناراً للشر في الحي… “!

أنا أعلم أن 99% من المشاكل و الشرور في القدس بين العرب ليست بسبب اليهود, ولا بسبب “العوامل الاقتصادية الصعبة” ولا بسبب أي حجة نعلق عليها أوساخنا, أس الشر و المشاكل في القدس هي انعدام الأخلاق في التعامل.

العجيب أن مدينة القدس لو قورنت بمدينة مثل القاهرة تعتبر متدينة من ناحية الصلاة و قرب الناس من بعضهم و احترام “الشرف و العرض” (شكلياً و اسمياً), الناس ألطف أيضاً… لكن التسامح غير موجود أبداً.

لا يوجد عندي حل سحري للمشكلة (كيف نزرع الأخلاق و المعاملة بين الناس), و يبدو لي أن الناس مهتمة بحل المظاهر أكثر من الوصول للب… إلى أن يحين موعد “الطوشة” الكبيرة التالية, و إلى تجتمع “وجوه الإصلاح و العطاوي” لتنهب جيوب الجميع… أراكم!

—————————————————————-

-روابط الإحصاءات و المعلومات:

Jerusalem – Wikipedia

القدس بالأرقام – مؤسسة القدس الدولية

الواقع الديمغرافي الاقتصادي لمدينة القدس عام 2007م – مؤسسة القدس الدولية

تأملات نيلية

بسم الله الرحمن الرحيم

تأملات نيلية

دار الأوبرا (أسفل الصورة) و جزيرة الزمالك - القاهرة

جلست على جانب النيل في ليلة من الليالي. كان الجو بارداً, لقد كانت ليلة رأس السنة الميلادية. جلست قريباً جداً من النهر لدرجة أن الماء كان يجري تحت قدمي مباشرة. لم أكن وحدي جالساً, كان حولي جمع كبير من الناس, تجمعوا ليحضروا حفلة المبدع نصير شمة, عازف العود الشهير. كان في يدي كوب قهوة ساخنة, و في اليد الأخرى قطعة معجنات مغلفة بغلاف بلاستيكي. لما انتهيت, ظللت ممسكاً الكيس و في داخله كوب القهوة الفارغ… لست من عادتي رمي القمامة و توزيعيها في الأرجاء! ثم إن تلويث المسطحات المائية خطأ كبير. لكن لم تكن هذه هي الحال مع الجميع!

المكان الذي كنت أجلس فيه هو “ساقية الصاوي” الرائعة, مركز ثقافي جميل و فعال, و عنده الكثير من الحملات الثقافية و التوعوية الإجتماعية الناجحة و المميزة. كان من حولي من يدخن و هم كثر, و القمامة و أكواب الشاي و القهوة تتابع إلى النهر! الساقية عندها حملة مستمرة اسمها الدائرة البيضاء: فخور بأني لا أدخن, و هي كل مكان يمنع التدخين فيه, و طبعاً الساقية أحدها! و هناك حملات النظافة, و سلات المهملات منتشرة في المكان… لكن… !

كنت جالساً أفكر في المكان الذي أجلس فيه الآن, ليس النهر بذاته و ليست الساقية أيضاً. ساورني شعور غريب في ذلك الوقت, لا أدرى أهو عظمة الخالق الذي أنشئ هذا النهر الذي لولاه ما كانت مصر, أم شعور بالجرح نتيجة تيبس مشاعرنا و تعطل تفكيرنا!

فكرت لحظة, ما الذي يفعله الناس؟! أحدهم رما علبة سجائره و سيجارته بشكل مباشر رداً على الفكرة التي مرت ببالي, و آخر ترك الكيس ينزلق من يده كأنه انفلت منه فوقع في النهر… و طفت كل هذه الأشياء الغريبة تسير مع النهر, ترى من يزيلها؟! ألا توجد عندنا “حبة” شعور و ضمير؟! هل هناك شيء ما يقول أن رمي الأوساخ في النهر شيء عادي؟

يسير النهر بطيئاً بلا اكتراث, مخضر اللون مائل إلى البني. و سرعان ما يشق قارب الشرطة السريع صفحة المياه مخلفاً وراءه موجة تسارعت خطاها نحو ضفتي النهر لتضطرب المراكب الراسية هناك. كان في تلك الليلة شيء ما جمد تفكيري و عطله إلا عن ملاحظة انعكاس الضوء و صورة الأبراج الطويلة تعلوها اللوحات الإعلانية؛ أكان البرد أم شيئاً آخر؟ ثم مر قارب آخر يتحرك ببطء, شق أسماعنا هذه المرة بموجة صاخبة من الأغاني و الصراخ من الراكبين, ثم توارى خلف عامود الجسر الضخم.

رجعت إلي أفكار النظافة و التلوث, و خطر ببالي أن مصر كلها تشرب من النيل. هل سيرغب أحدنا بشرب كأس مياه بعد أن ترمي غلاف الشوكولاتة و كوب القهوة في خزان المياه؟! مع ذلك من العادي جداً أن نرمي كل هذا الكم الهائل من القاذورات و الأوساخ, و المصانع إلى الجنوب قليلاً تصب مياهها العادمة مباشرة في النهر, ثم نشرب جميعاً من هذا النهر! كانت النتيجة أن مياه الشرب ملوثة, و فيها نسبة عالية جداً من الكلورين لمحاولة السيطرة على نظافة المياه الواصلة للبيوت, لدرجة أن الرائحة التي تشمها عند برك السباحة هي نفسها التي تشمها من حنفية مياه مطبخك! كانت النتيجة أن كل عائلة و كل فرد لا يريد أن يصاب بالفشل الكلوي أو بجرثومة ما يشتري المياه المعدنية المعبأة, و مهما صارت هذه المياه رخيصةً فإنها تظل تشكل نسبة لا بأس بها من الميزانية. أنا أستهلك ستة ليترات من المياه المعدنية أسبوعياً, أي تقريباً 24 ليتراً شهرياً, ثمنها أكبر من فاتورة المياه التي تأتي من صنبور المياه مع كل ما نصرفه من غسيل للصحون و الملابس, و الاستحمام و كل الاستخدامات الأخرى غير الشرب!

الحكومة المصرية تقول أن البلاد تعاني من أزمة شح مياه, و هي صادقة في كلامها. و لكن المشكلة لها أبعاد و وجوه غير الإحتباس الحراري و ازدياد تبخر المياه, أو السدود الموجودة على منابع النيل. هناك مشكلة التبذير و الإسراف في صرف المياه. الجزر الخضراء في وسط الطريق تسقى بطريقة بدائية غير عملية, فتأتي شاحنة تحمل خزاناً كبيراً للمياه تمر ببطئ بجانب الجزيرة و تصب المياه على الزرع من خلال صهريج يتدلى منها. و كل المزروعات, ابتداءً بالحديقة المحيطة بالعمارة التي أسكن فيها و إنتهاءً بحدائق الجامعة, تسقى بطريقة فتح صهريج المياه و صبها على التراب! و لما نغسل صحناً أو مجموعة ملاعق نبقي المياه جارية و بأعلى قوة. و عندما تحلق لحيتك و شعر وجهك تبقي المياه جارية لتستخدمها ثوان معدودة طول مدة حلاقتك التي قد تمتد إلى نصف ساعة! رسولنا صلى الله عليه و سلم حذرنا من الإسراف في المياه, و قال لرجل كان يتوضأ “لا تسرف, لا تسرف”. هذا في الوضوء فكيف في غسل الصحون و سقي الزرع؟!!

ركبت في قارب صغير, و سرنا في النهر. ما زال تفكيري متجمد و لا تمر في بالي أية خواطر كاللتي تمر في بال كثيرين. بجانبي كانت فتاتان لم تهدأ كاميرتهما لحظة واحدة, و أمامي جلست مجموعة رجال يمزحون و يرفهون عن أنفسهم. و أنا جالس أطالع النهر و أتفحص صفحته!

فتحت الموضوع مع سائق التكسي الذي أخذته بعد انتهاء الحفل إلى ميدان لبنان حيث موقف الحافلات… أجابني و هو يرمي عقب سيجارته من النافذة… معك حق!!!

عن حضارة دكتورة الجامعة و التطور!

أكتوبر 25, 2010 11تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

عن حضارة دكتورة الجامعة و التطور!

الجامعة مجتمع شبابي مصغر للمجتمع, حيوي أكثر, أنشط. و كأي مجتمع يحتاج إلى التوجيه.

عندما تدخل الجامعة و تبدأ حياتك فيها, يحاول الجميع اقناعك بأنه هنا تبنى شخصيتك و يتشكل منحنى بقية حياتك. في الحقيقة, كل هذا مجرد ترهات و كلام فارغ! الجامعة ليست إلا امتداد لتربيتك في البيت, و ليست سوى تطبيق عملي لمبادئك و اختبار على الأرض الواقع لها.

الجامعة تتكون من عنصرين, الطلاب و الدكاترة. عنصر الطلاب و هم عادة من فئة الشباب و بالأغلبية, يفترض بهم العنصر الثاني, و هم الدكاترة, أنهم أغبياء و مجموعة بلهى ليست إلا, و أنهم يحتاجون دائماً لنصائحهم و توجهياتهم. لأكون واقعياً, بعض الطلاب نعم ما هم إلا مجموعة بلهى لا يعرفون كيف يتصرفون بحياتهم, و هم قلة. البقية تعرف تماماً لم هي في الجامعة و لم سافرت بعيداً عن أهلها, إما الدراسة الجادة و إما اللعب و البحث عن العبث, ربما مزيج تختلف نسبه بين الاثنين لدى الآخرين.

ابتلانا الله سبحانه بدكتورة كيمياء حيوية Biochemistry, عمرها مماثل لبقية الدكاترة الذين يحاضرون, في الشيخوخة بلا شك, ربما بين الخمسة و الخمسين و الستين. قصة هذه الدكتورة أن لها نظرة غريبة جداً عن “الحضارة” و “التقدم”. فالحضارة و التحضر في نظرها هي مجرد شكليات في التصرفات, تقتل المعرفة غالباً! الحضارة في نظرها لا تتعدى كونك مستمعاً, أو بالأحرى عديم الحراك و التصويت! و ليست أكثر من أن تجلس و ظهرك مستقيم طوال ساعتي المحاضرة!

التحضر عندها ألا تسأل و ألا تستفهم, فقط أن تجلس صامتاً! و الحضارة هي أن تكون خريج مدرسة “انترناشونال” مع شهادة أجنبية ما! هي لسان يلوي بالإنجليزية أو الفرنسية أفضل من العربية لغتنا الأم! لا تستغربوا يا سادة, كل ما في التحضر و التقدم عندها هو هذه الشكليات.

سيدتي الفاضلة, يا من صم صراخك الدائم كل عشرة دقائق في المحاضرة بعبارة “Silence, no questions, this is not a discussion” أذناي!  يا من كتابك أفضل الكتب و أحسنها, لم يحصل مثله في تاريخ الكيمياء الحيوية! سأحدثك عن الحضارة.

ليست الحضارة أن تجلس و ظهرك بزاوية °90, و ليست أن تتحدث الإنجليزية بطلاقة. ليست الحضارة صفاً من الشهادات تعلق على حائطك. لا, كل هذا ما هو إلا مؤشرات و دلائل على الحضارة.

عندما تخرجين و تتركين قاعة المحاضرات لخمس دقائق ولا حتى في أرقى المجتمعات نتوقع من الطلاب ألا يتحدثوا مع بعضهم, ليست الحضارة أن يكون أفراد المجتمع مجموعة آليات خرساء صماء! عندما تصرخين و تعلقين على كل هفوة لطالب ما بقولك “Be civilized!” تستفزينني إلى حد يدفعني للصراخ لولا أنه ليس من الأدب و “الحضارة”, كما أنني أريد المحافظة على سجل جامعي نظيف! يوماً من الأيام سينفجر صمام الأمان نتيجة تراكمات تصرفاتك و تصوراتك المشوهة عن الحضارة و التقدم!

الحضارة و التقدم قبل كل شيء هي الاعتزاز بأصلك و من أنت, ليست الحضارة أن تلوي لسانك بلغة أعجمية بدون سبب! لم يجعلنا الله شعوباً و ألسناً لنلبس كلنا نفس الصبغة و نتحدث لسان غيرنا من الأمم… و ماذا عن لغتنا؟! أتخجلين منها؟! لماذا “تجعجعين” بأعلى صوتك بأن ابنك تخرج من مدرسة تمنح الشهادة الثانوية البريطانية؟ أظن أن هذا من منطلق أن اللغة العربية ليست لغة متحضرة و لا تناسب عصرنا!

دعيني أحدثك عن حكومة اسمها “اسرائيل”, مع أننا لا نعترف بشرعيتها و وجودها القانوني إلا أنها جاثمة على صدورنا إلى حين نزيلها و نلقيها أرضاً. لست أطرح المثال لغرض الجدل و إثارة الآراء, موضوعنا الآن العلم و التطور و ليس وضعها.

أنا أعيش في القدس, التي تقع بالصدفة تحت حكم الحكومة الصهيونية. الكيان الصهيوني يعتبر دولةً عالماً أولاً, و لم لا؟ فلديهم المقومات التي تؤهلهم لذلك.

اليهود اخترعوا لغتهم الخاصة التي لا يتعدى عمرها المائتي عام, و اسمها “العبرية”. يصعب عليك أن تجد يهودياً يتحدث الإنجليزية بطلاقة, لكن كل مهاجر قادم خلال سنة يصبح متكلماً بالعبرية مثل أي شخص آخر يعيش في بلدي المغتصب. التعليم في الجامعات باللغة العبرية, و كل جامعاتهم الرئيسية مدرجة في قائمة أحسن جامعات العالم ولا واحدة فيهم تدرس بغير اللغة العبرية! ولا أرى جامعة عربية واحدة بينهم, حتى الفلبين و كوريا الشمالية لديها جامعات في القائمة!!! حتى إن هؤلاء القوم الذين هم بلا تراث مشترك نجحوا في سرقة تراثنا الفلسطيني و العربي و سوقوه على أساس أنه تراث “اسرائيلي”, فالحمص و الفلافل و السلطة الشامية و الثوب المطرز صارت تراثاً صهيونياً!

الشوارع فيها نظام, و فيها اشارات مرورية و تخطيط ولا تحتاج إلى مطبات ارتفاعها نصف متر للالتزام بالسرعة ولا إلى شرطي على كل إشارة يجبر السيارات على التوقف! المواصلات منظمة, و هي عبارة عن حافلات “حقيقية” مكيفة و فيها جرس للتوقف و ليست سيارة خردة عمرها ثلاثون عاماً تتفاخر على جانبها بخط أسود علاه الدخان بأنها تسير على الغاز الطبيعي!

النظام التعليمي إلى حد ما ممتاز, المدارس التي تدرس بلغة غير العربية أو العبرية قليلة جداً. تصوري أن النظام لا يقبل بأي نظام معادلة عالمي لشهادة الطب مثلاً إلا أن يخضع الطبيب للامتحان الإسرائيلي, حتى الشهادة الأمريكية! هذه هي الثقة, التي يؤيدها قوة, في جدارة أنظمتهم.

ليست دولة مثالية, بل هي أبعد ما تكون عن المثالية. فهي حكومة على أرض مغتصبة بشعب ممزق لا روابط بينه, عنصرية على درجة عالية و تتفاخر بنفسها. مهما حملت من اثباتات تدل على أنك مواطن فيها يظل اسمك عربي, و تبقى درجة ثانية دون أي كان يحمل اسم “يهودي”! لكن ليست هذا موضوع حديثنا.

أين الحضارة التي تستمرين بالصراخ بها؟! أين هذه الشكليات التي تطالبيننا بأن نلتزم بها عن جوهر الحضارة؟ هل احترمنا أنفسنا و تمسكنا بحضارتنا لنكون أصحاب احترام و قوة و حضارة؟! هل جلوسي كالصنم على المقعد سيجعل مني إنساناً متحضراً أم أنه العلم الذي يكتسب بالسؤال و الاستفسار… عفواً نسيت, السؤال و الفهم ممنوع خلال محاضراتك. و بعد المحاضرة أنت مشغولة جداً و متعبة لتجيبي عن الأسئلة… عفواً!

استمري في أوهامك “الحضارية”! لست هنا أدعو إلى تحويل التعليم في جامعاتنا إلى العربية مثلاً, فتطورنا الثقافي و العلمي لا يسمح بمثل هذه الخطوة, ربما عندما نبدأ بالإضافة إلى العلوم بكميات معقولة و ليست جهوداً فردية نستطيع وقتها أن ندرس بالعربية. ولا أدعو إلى عدم تعلم الإنجليزية أو اللغات الأجنبية, فهي مهمة و تكسب الإنسان آفاقاً جديدة في العلم و الثقافة. لكنني أدعو الجميع إلى القراءة الفعالة و المفيدة. و أدعو الجميع إلى الالتزام بالآداب و الأخلاق العامة و تعاليم الدين, و سواء أكنت مسلماً أو نصرانياً فإن كلا الديانتين تدعو إلى الأخلاق و الفضيلة. كما أن الحضارة لا تعرف لوناً أو عرقاً, و تطور بلد يفيد كل ساكنيه بغض النظر عن جنسياتهم و أصولهم. الحضارة و التقدم تكون عندما تشتري منتجك المحلي و أنت كلك ثقة فيه, و أنك ستحصل على النتيجة الإيجابية التي كنت تتوقعها منه. المظاهر التالية التي تنتج عن التقدم و التحضر ما هي إلا دلائل تشير إلى وجودها, و تصنع المظاهر لا يسري في الاتجاه المعاكس ولا ينتج حضارة! الحضارة عملية جماعية منظمة, تسير بانتظام بكل شرائح المجتمع و طبقاته.

يكفيني ما كتبت هنا اليوم… و إلى كومة المراجع و الكتب التي تنتظر على مكتبي, إلى دروس الكيمياء الحيوية!!

في طابور العيش الجامعي – الكتب

سبتمبر 22, 2010 3تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

في طابور العيش الجامعي – الكتب

شغلة مشابهة, بس بجامعة ثانية

طبعاً الكلام قيل كثيراً من قبل, سواء مني أنا أو من غيري عبر شتى الوسائل و الوسائط. و بحت أصواتنا و نحن ننادي و نقول “صفوا في الزفت دور”. يوم الثلاثاء الماضي رأيت التطبيق الواقعي لهذا الكلام, حوالي 200 طالب جاؤوا ليستلموا الكتب الجامعية المقررة من كلية الهندسة و الطب و الإعلام, فقط.

طبعاً لو حسبناها رياضياً, 200 شخص و كل واحد يحتاج دقيقة و نصف إلى دقيقتين ليتسلم كتبه و لوازمه, و هناك أربع منافذ تعمل, الناتج ساعة و نصف إلى ساعة و ربع من العمل المنظم و هو وقت ممتاز نظراً إلى أن الوقت المخصص للتوزيع هو 3 ساعات.

لكن, المحصلة هي أن يحاول الـ 200 طالب الدخول من الباب الضيق في نفس الوقت! النتيجة النهائية هي وقوف لمدة ساعة و نصف من دون ان يدخل أحد!!

بعد فترة خرج عميد الكتاب الجامعي و بدأ يصرخ بأنه لا كتب إلا بنظام و ترتيب, و نصف ساعة أخرى لم يتكون الدور بعد! تركت الدور و ذهبت إلى محاضرتي و عدت بعد ساعتين لأجد الكم الكبير من البشر اختفى و بقي عدد قليل يعد على الأصابع يقفون في صف مرتب جيد. لكن مع المدة بدأت أعداد أخرى من الطلاب تأتي لأن المحاضرات انتهت, و المفاجأة أن هذه المجموعة من الطلاب أصرت ألا تنتظر خمس دقائق في الصف المنظم و قررت أن تقف أمام المدخل مباشرة في محاولة منها أن تدخل “بالعافية”!!! عندها تماماً عرفت لماذا نحن في هذه الفوضى في حياتنا, سواء الفوضى السياسية أو الضعف الاقتصادي أو غيرها من المظاهر المؤلمة لواقعنا العربي.

كيف يمكننا أن نوظف الطابور البسيط مثل هذا في تطوير أمتنا؟ أولاً طريقة الوقوف في الطابور تعكس الفكر الموجود لدى الواقفين, فمن يمارس “الزق” (الدفع و الضغط) هو سبب رئيس من أسباب فوضانا, و من يقف باحترامه فهو غالباً من يحمل مبادئ النظام و الاحترام التي ستنهض بهذه الأمة. لكن و لكي لا نظلم شريحة من الطلاب, فهناك من “المحترمين” من يجارون “الزقاقين” لكي لا يضيع دورهم.

المشهد العام كان وجود رقيب و مسؤول, سلبي الأداء, و طلاب يتدافعون ولا يستطيعون تنظيم أنفسهم. أكثر ما يزعج بالموضوع أن المسؤول لا يتكلم عندما يرى الطلاب يتجمعون و يحاولون المرور من أمامه “حرفياً” بدون نظام.

و المستغرب أكثر في الموضوع أن هذه الفوضى غير موجودة في صف الفتيات, فيصطففن بالطابور بنظام و ينتهين خلال ساعة!! لماذا هذه الفوضى فقط عند الشباب دون غيرهم؟ و لماذا يظنون أنهم فقط المستعجلون و من لديهم محاضرات تالياً لذا فيجب أن يدخلوا أولاً؟

لن أزيد كثيراً في هذا الموضوع, الكلام كثير و معروف. ما هو الجهد الذي على أمة الإسلام التي يصطف 3 مليون فرد منها في الحرم المكي خلال دقيقة في صفوف مرتبة للصلاة أن تبذله في صف يتكون من 200 فرد أمام باب الكتب؟

متى يا أمتي أراك؟

طيارة الورق

يونيو 22, 2010 2تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

طيارة الورق

لا زلت أذكر تلك الأوقات عندما كنت طفلاً صغيراً, كانت لعبتنا المفضلة هي الطيارة الورقية. الطيارة (أو الطائرة) الورقية عبارة عن إطار خشبي مدعم بالخيوط, و على وجهه قطعة بلاستيك أو ورق جرائد. تربط بخيط طويل و نترك الريح تحملها عالياً في السماء. ما أجمل تلك الأيام :) .

لم تكن الطائرة الورقية في تلك الأيام مجرد شكل سداسي يطير في الهواء, لقد كانت منافسة بين أطفال الحارة. كنت كثيراً ما أقضي فترة الظهر مع أولاد عمي لنصنع طيارة ورقية؛ أولاً نربط الأخشاب, ثم نربط الإطار و نثبته جيداً. ثم الذيل, ميزان الذيل كان أصعب ما في الطيارة. لقد كانت “هندسة” الطيارات الورقية منتشرة جداً, و كان لها خبرائها. هناك الخبراء بعمل الميزان, و هناك الخبراء بتقدير طول الذيل, و لكل حجم حساب! كلما كبرت الطيارة زاد طول ذيلها و كبر ميزانها, نمسك عقدة الميزان و نقيسها بالنسبة لزاوية الإطار السداسي! هندسة!

لم تكن طائرة الورق هي مجرد ذاك الخشب الذي يطير مع الريح, لقد كانت العمل الجماعي, كانت الجلسات تحت معرش العنب المورق, كانت فترات الطفولة المتهورة! كنا نذهب إلى أماكن جديدة كل مرة بحثاً عن مكان أعلى لنصل إلى ارتفاع أكبر في السماء و نكسب لقب “خبراء الطائرة الورقية” في الحارة! كانت أياماً و لن تعود.

في هذه الأيام قلت طائرات الورق بشكل كبير, و لم يعد يعرف أحد كيف يصنعها. و إن وجدنا طائرة في السماء فإنها غالباً ما تكون طائرة “صينية” مصنوعة للبيع بشكل تجاري, كل ما عليك فعله هو تركيب القطع معاً… و فقط! لم يعد الأطفال هذه الأيام يخرجون خارج البيت ليشاكسوا في الحارات, و هذا شيء ليس جيد إطلاقاً! المشاكسات في الحارات تكسب خبرات لا متناهية, و أعني ذلك و ليس فقط مجرد تعبير. فترات اللعب هذه قد تكون مزعجة لسكان الحي, لكنها مفيدة و ضرورية لنا, هي الفترة التي نذهب لنكتشف “دخلة” جديدة في الحارة و نكتشف إلى أين تؤدي. و في ذلك الوقت كنا نصعد درجات البلدة القديمة و بلدة سلون المجاورة و ندخل الأزقة لنجد أنفسنا في مكان جديد, و نتعلم طريقاً جديدة توصلنا لبيتنا أقصر من الطريق العادي!

هذه الأيام لا يوجد دافع للأطفال ليخرجوا من البيت, فعندهم ما لا يحصى من القنوات التي تبث على مدار الساعة. و في طفولتي لم تكن هناك سوى قناة واحد أو قناتين, تبث في فترة الصباح مسلسلاً واحدة, و في فترة الظهيرة مسلسلاً آخر… و فقط! باقي النهار كانت هناك برامج لا تشد اهتمامنا فنخرج لنبحث عن مغامرة جديدة. كانت ألعابنا عبارة عن “غميضة” (لعبة اختباء و بحث) و “زقطة” (هروب و إمساك) و “صنم” (لعبة التجمد), و كان عندنا جهاز اسمه “أتاري” و هو مثل البلاي ستيشن لكن بشكل بدائي أكثر بكثير, و لم يكن عندنا سوى شريط واحد لها هو “سوبر ماريو”! كنا نركب الدراجات الهوائية و نتسابق, لم يكن كل الناس يملكون سيارات و كانت الدراجة وسيلة قضاء حوائجنا أيام الصيف. نذهب إلى النادي بواسطتها, أو فقط نخرج لركوبها!

كل هذه المعاني فقدت في هذه الأيام, و صارت العطلة الصيفية هي الجلوس أمام التلفاز طوال النهار, و في بقية المساء اللعب على الكمبيوتر!

أقدر أن لكل زمن نشاطاته و ألعابه, و لكل زمن تعامله. لكن جلوس الأطفال هكذا كل اليوم يتشربون الدعايات التي يرونها في قنواتهم المفضلة, و الشخصيات الكرتونية السخيفة (الله يرحمك يا عبسي, و الله يسهل عليك بابا سنفور) شيء غير صحي. و أنا متأكد أن قلة الحركة هذه في فترة الطفولة لهي شيء مضر بأجسامهم في المستقبل. هذه المشكلة تزيد عندما لا يكون هناك وقت دوري يجتمع فيه أفراد العائلة الكبيرة معاً, فالأطفال الذين ينتمون لعائلة صغيرة لا يجدون الكثير من أقرانهم ليلعبوا معهم. و الأطفال الذين يعيشون في شقق هم فعلاً في مشكلة و أنا جربت هذا شخصياً لما كنت صغيراً و انتقلنا من “حوشنا” (تجمع لعدة بيوت, عادة عائلة واحدة كبيرة, داخل سور واحد لها ساحات مشتركة و عادة بستان) إلى شقة في عمارة. كان الوضع مزعجاً جداً!

لا حلول عملية لدي لهذا الموضوع (كسل الأطفال), و ليس من الحكمة حرمانهم من التلفاز و الكمبيوتر. و أيضاً ليس من الحكمة إجبارهم على الخروج إلى الخارج. ربما الحل هو بمشاركة الأب و الأم في نشاطات خارج البيت, كالذهاب إلى الحديقة العامة كل أسبوع. و ربما يجب على الأب أن يعلم أبناءه الألعاب البدنية التي كان يمارسها و هو صغير و يشاركهم في اللعب أيضاً.

بكل الأحوال, تلك الأيام ذهبت و لن تعود. و ستذهب أيام أطفال هذا الجيل و تأتي غيرها, و سيذكرون أيامهم و سينتقدون أيام أطفالهم! هكذا هي سنة الحياة, في تطور و تغير. و لن يعيش أحد عصر من سبقه.

دامت أوقاتكم مليئة بالمفيد, و لا هنتم.

و قولوا للناس حسناً

يونيو 11, 2010 3تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

و قولوا للناس حسناً

في الحقيقية فإن هذا العنوان لم يكن على بالي منذ دقائق قليلة, لكن هذه الآية لمست موضوعاً مهماً أريد أن أوصله لكل الناس.

في الإسلام عندنا مبدأ ثابت هو “الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر”. و هو مبدأ واسع ولا يقتصر على التصرفات أو معناه الظاهري, ليس شرطاً أن يكون الأمر بالمعروف يعني اعطاء النصائح أو الحض على الخير, المعروف يمكن أن يكون كلمة جميلة تخرج من الفم إلى أذن من يستحقها. كثير من الناس نسوا أو تناسوا الجزء الأول من المبدأ, الأمر بالمعروف, و تمسكوا بالقسم الثاني “النهي عن المنكر”.

لست مفسراً و ليس الموضوع دينياً, و لكنني أحاول ربط قوله تعالى “و قولوا للناس حسناً” بفهمي الشخصي لمبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. لقد نسينا كيف نمدح و نقول الكلام الجميل, و لكننا أيضاً في المقابل لم نتوقف عن التجريح و عيب الأشياء و الناس.

صار المدح على الفعل الحسن شيئاً غريباً, و إذا مدحت شخصاً ما على مظهره الحسن مثلاً سيستغرب و يقول “ما المناسبة؟”, و ستقضي الخمس دقائق التالية تشرح له أن مدحك إنما هو تشجيع, و كما لو أنه لبس لبساً غير مرتب فإنه سيعاب يستحق أن يمدح على الفعل الحسن. العمل الجيد أولى بالمدح من العمل السيء بالذم.

إن انعدام التشجيع هو سبب من أسباب التراجع و الفتور, يجب أن يكون هناك توازن بين النقد و التشجيع, فلو زاد النقد بدون كمية التشجيع المناسبة فإن العطاء سيقل و ربما يتوقف. كذلك لو زاد التشجيع كثيراً بدون إبداء نقاط الضعف لتحسينها و تقويتها فإنه يصبح بلا طعم.

لنبدأ كلنا بمدح من يستحق المدح, حتى لو كنا لا نعرفه, لنقوي دعائم مجتمعنا و أواصر المحبة بالمدح و حب الخير للناس. لسنا أعداء, و لا يعيش كل واحد منا وحده في هذا العالم. نتأثر و نؤثر بمن حولنا, فإذا أردنا أن نتأثر إيجابياً فلنؤثر إيجابياً بدورنا. لن نقطف العنب مثلاً من شجرة التفاح, كذلك المدح و التشجيع لن يحصل إذا لم نشجع بعضنا. لن نحصد الإنتاج الوفير إذا لم نسق الزرع و نسمده.

هذه دعوة لكم جميعاً, من الآن, لنبن مجتمعاً جيداً متفائلاً ممتلئً حيوية و نشاط.

دمتم مبدعين

يا “محمد”, هات كاتشب… !

بسم الله الرحمن الرحيم

يا “محمد”, هات كاتشب… !

بما أنني بعيد الآن عن القدس و عن شوارعها و أهلها, فما لي سوى أن أكتب عن أحوال شوارع البلد التي أعيش فيها حالياً… جدة. حقيقة قبل أن أبدأ فإن كثيراً من الناس أبدوا تحفظهم على كلامي الذي قلته في تدوينات سابقة من بيروقراطية للحكومة و تكاسل في إنجاز المعاملات, و قالوا بأن هذا الكلام قد يوصلني للسجن و الطرد من البلد. هذا فقط يعطيني مؤشر بسيط عن نوايا الحكومات العربية ككل بشأن التطور و الصعود إلى الأعلى. عندما أتحدث عن بيروقراطية حكومة فهذه ليست جريمة ولا حتى في مقاييس التخلف, و الأمر الآخر هو أنني أريد من الحكومة و موظفيها أن يتحسنوا و يتطوروا… أن يخدموا المواطن أولاً لا أن يسرقوا منه!

مقالتي اليوم سأكتبها عن أحوال شاهدتها كثيراً هنا, خاصة في المطاعم. أين أخلاقنا؟

سأسرد قصة قصيرة تكررت مشاهدها أمام ناظري عدة مرات, يدخل طفل صغير عمره ربما عشرة سنوات أو أكبر قليلاً إلى مطعم وجبات سريعة مثلاً. يبدأ الولد بإصدار الأوامر بكل فظاظة إلى الموظف, عمره قد يكون أضعاف عمر الولد الصغير, و يقف مكانه يتلقى الشتائم و الإهانات من الولد الوقح ليلبي له طلبه.

كنت جالساً على طاولة في زاوية من زوايا مطعم ما, و كان “الكاونتر” أمامي حيث تتقدم بطلبك و تدفع ثم تستلم, طلبت أنا ما أردت ثم جلست آكل. بعد فترة جاء ولد صغير طوله يكاد يصل الكاونتر, و سأله الموظف ماذا تريد فبدأ بإلقاء ما يريد عليه بشكل مزعج و بطريقة الأوامر العسكرية “هات واحد كذا و ثاني كذا, حط عليهم كذا و كذا”, و عندما يخبره بالحساب يناوله النقود “متفضلاً” عليه قائلاً “خذ”! و بعدما يجلس على الطاولة و يستلم طلبه يتذكر أنه يريد المزيد من الكاتشب أو الصلصة فيصرخ بأعلى صوته “يا محمد هات كاتشب!”. أي وقاحة هذه و أية قلة احترام للذات؟!

العديد من أصدقائي السعوديين اشتكوا لي سوء خدمة بعض موظفي المطاعم, و لكن المصادفة أنني أكلت في هذه المطاعم سابقاً و لا سوء في تعاملهم فاتفقنا أن نذهب كلنا و “نختبرهم”. تقدمت أولاً و طلبت ما أريد و رد علي الموظف بكل أريحية و ترحاب و لبى طلبي و لم أشعر أنه تضايق أو أساء معاملتي, عندما جاء دور أصدقائي عاملهم كما يعامل أي سعودي موظفاً مسكيناً مثله! ما هو السبب؟ قبل أن أتقدم بطلبي سلمت عليه و لم أناده بـ “محمد” بل “أخي” و بكل هدوء تفاهمنا على المتوفر على القائمة و الأسعار و دفعت ثمنها و شكرته عندما مد يده لي بباقي النقود. أما أصحابي فلم يسلموا بل بدأوا بإصدار الأوامر مباشرة و لم يشكروه و لو مرة واحدة أو يظهروا له أي لطافة أو طيبة.

بصراحة “محمد” هذه تزعجني أكثر من أي شيء آخر في الموضوع, هذا اسم نبينا صلى الله عليه و سلم, و مع ذلك قد ينادون به الموظف النصراني أو الهندوسي أو أياً كان ما دام وافداً. السعودي أو المقيم هنا لا ينادي أخاه الذي لا يعرف اسمه بـ “محمد” بل بألفاظ مثل “يا طيب, يا بوي, يا خوي…”, لماذا لا ننادى العامل بمثل هذا؟! هل نحن أعلى منهم طبقة مثلاً؟ هل تجرح “كرامتنا” جداً أن ننادي الموظف بـ “أخي”؟! أليس أخاك؟؟! أليس يشهد بأن لا إله إلا الله؟! و لربما علاقته مع ربه أفضل من علاقتك به, و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما قال: “كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه”… كم منهم يقوم الليل و يصوم النهار يظلم و يسكت, لو سل سيف الدعاء علينا ما سلم من الظالمين واحد. اتقوا الله فيهم, فإن الرزق على الله و إن الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده.

“يا محمد هات و تعال” ليست مجرد مشكلة عابرة على لسان مجموعة أطفال عابثين, إنها ظاهرة اجتماعية تأصلت فيهم نتيجة تراكمات على المدى الطويل. تأصلت عندما يفعل الولد فعلته و والديه يجلسون على نفس الطاولة يسمعون ولدهم يصب الإهانات على العامل المسكين الذي يقف صامتاً, و الأهل صامتون طبعاً لا ينبسون ببنت شفة. لو فعلت أنا مثل هذه الفعلة النكراء أمام والدي لوبخني و أجبرني على الاعتذار للعامل. أين أخلاقنا؟ أين ديننا الذي يأمرنا بخفض الجناح للمؤمنين؟ أين دور الوالدين في كل هذه الفوضى الأخلاقية و الأزمة المتأصلة في نفوس كثير من سكان هذا البلد؟

علينا أن نفهم أن هذا العامل هو أولاً و أخيراً أجير يحاول كسب رزقه و وظيفته هي خدمة العملاء لا أن يستعبد. عندما يحمل هذا الموظف صينية الطعام إلى طاولتك و هو مطعم “خدمة ذاتية” علينا أن نشكره بحرارة على هذه الخدمة, لأنها ليست ضمن مهماته. و كذلك عندما نترك بكل إهمال و قذارة بقايا ما أكلناه على الطاولة و نغادر المطعم ثم يأتي الموظف لينظف ما تركناه. نفس الشيء, الخدمة ذاتية, عليك أن تحمل بقايا طعامك إلى سلة القمامة و تعيد الصينية مكانها. ترك البقايا هكذا هو من أعمال البهائم و ليس من أعمال البشر أصحاب العقول التي تفكر, و هذا ليس مطعماً من الدرجة الراقية إنه مجرد مطعم وجبات سريعة رخيصة!

يمكنني أن أقول أننا سنرى التطور و النهضة عندما أرى الولد الصغير يحترم الموظف كأنه أخوه الكبير أو عمه (على المقياس الصحيح للأخلاق لا على المقياس المنحرف). عندما نعامل العامل باحترام و تواضع سنتلقى خدمة أفضل منهم و هم سيشعرون بالراحة في عملهم و بالتالي سينعكس هذا على مستوى الخدمات و سرعتها. عندما نبدأ بتحمل نتائج اختياراتنا حتى النهاية سيبدأ مؤشر التطور و النهضة يصعد, و يصعد متسارعاً إلى أعلى نقطة, عندما نربي أبنائنا على الإحترام و الأخلاق, على الإنضباط و احترام القانون مهما كان, عندها بإذن الله سنكون نحن الغالبين و نحن أصحاب القيادة.

لا أريد أن نجلس “ننتظر” هذه اللحظة, الوصول إلى قمة الجبل لا يكون بالتخيل أو الجلوس على صخرة بانتظار أن تحمل “الطبيعة” هذه الصخرة إلى أعلى القمة. الوصول إلى الأعلى يحتاج إلى بذل المجهود في الصعود, يحتاج إلى العمل و ليس فقط الأقوال و الكلام و النظريات.

دمتم متواضعين.

________________

الموضوع نشرته أيضاً في منتدى عرب هاردويير بتاريخ 15 مايو 2010

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.