الرئيسية > Me & People أنا و الناس > آخر يوم قبل الجد

آخر يوم قبل الجد

بسم الله الرحمن الرحيم

آخر يوم قبل الجد

إنه آخر يوم قبل بداية الفصل الثاني, إنه آخر فصل لي في الحياة المدرسية كلها, بعدها سأنتقل (بإذن الله تعالى) إلى الجامعة. إنها أيام تذهب و لن تعود, لم أجرب مفارقتها بعد, لكنني سمعت كثيراً عن الحنين إليها! يقولون إنها أجمل الحياة, هل يعقل أن تكون سنة العذاب و العمل المكثف المضني هي أجمل سنة في الحياة؟! هل سأشتاق إليها حقاً؟ لا أكاد أصدق هذا الكلام!

الضغط كبير في هذه السنة, على الجميع؛ على الأهل و على الطلاب, الأهل يفرغون الضغط الذي يتلقونه من الناس على أبنائهم, و الطلاب في معظم الأحيان يشعرون بالضغط لكن لا يبذلون الجهد المطلوب من وراء هذا الضغط

ما زلت مقتنعاً في قرارة نفسي أن نظام التوجيهي هو نظام عقيم فاشل! فهو لا يقيس مقدرة الطلاب العلمية قدر ما يقيس مقدرتهم على الحفظ و البصم! و ما زلنا بنفس النظرة المتخلفة لطلاب العلوم الإنسانية, نظرة الإستهتار بقدراتهم و التقليل من شأنهم. مع أنني لست من طلاب الفرع الأدبي, إلا أنني أرفض نظرية “التياسة” التي تحيط بطلاب هذا الفرع, إنها النظرية التي تفترض أن كل من لا يستطيع أن يكمل المشوار العلمي بالرياضيات و الفيزياء هو غبي و لا يستحق مكاناً في الحياة المدرسية!

نظرتي للمدرسة و فهمي لرسالة التدريس و التعليم توجهني لرفض كل التقسيمات الغبية الموجودة أمامنا اليوم, فلا علمي و لا أدبي! ببساطة شديدة, إما أن نشطب كل هذه التقسيمات, أو أن نفصلها حسب هدفها. فالفرع العلمي مطلوب من طلابه أن يتقنوا الرياضيات و الفيزياء, فلماذا نثقلهم بمواد الحفظ و “التزهيق” العقيمة؟ صحيح مطلوب منهم أن يتقنوا اللغات و بعض العلوم النظرية, لكن ليس بالدرجة الموجودة! يجب إلغاء كل هذه التوزيعات و تفصيلها بشكل أكبر, فيتم تقسيم الطلاب إلى فروع حسب التقسيم الجامعي, فرع طبي و فرع هندسي, و فرع أدبي و هكذا, و تلغى كل شروط القبول إليها, فلا يدخل أحد مكرهاً إلى فرع, كما يحصل مع كثير من طلاب الفرع الأدبي, فيحصل بذلك التوزيع العادل للطلاب و المهن في المجتمع

حقيقة لماذا يهتمون كثيراً بالفرع العلمي و ينسون الفرع الأدبي؟ معظم طلاب الفرع العلمي سيذهبون ليصبحوا أطباء و مهندسين, بينما معظم الفرع الأدبي سيتحولون إلى أساتذة, و وفق التوزيع الحالي فأن كثير منهم مكرهون, و الكثير منهم نتيجة لتوجيه الشريحة السيئة من الطلاب إلى هذا الفرع هم من “الهمل”, من نريدهم أن يعلموا أبنائنا في المستقبل؟ من سيكون قدوة الطفل الصغير غداً؟؟ إذا كان قدوة طفلي غداً سيكون هذا المتسكع الهارب من الرشيدية وسط الدوام الرسمي فلا بارك الله في هذا المجتمع!

الأستاذ يجب أن يكون أعلى المراتب في المجتمع, و يجب أن تكون وظيفة لا يصل إليها إلا من يستحقها, كما نفعل اليوم مع الطب و نصعب الأمر على طلابه و لا يدخله إلا من يستحقه كذلك يجب أن يكون الحال مع مهنة التعليم

أين ذهبت “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”؟ إنها اليوم “العلم في الصغير كالحفر في الماء”! و لا حول ولا قوة إلا بالله!

في الحقيقة فإنني كنت أفكر البارحة في مستقبلي, و لمعت في رأسي فكرة الأستاذ! لم لا؟ أريد من الأجيال أن تحفظ عني, أريد بناء جيل من المتعلمين المهذبين, أريد أن أكسب بعضاً من هذا الأجر العظيم الذي يربحه المعلم المتقن! لم أتخل عن حلمي في حمل شهادة عالية في علم من أدق العلوم المعاصرة, الهندسة الدقيقة, لكن مع هذا أريد التأثير في الأجيال الصاعدة. من سيكون أثره أعظم؟ الجالس في مكتبه يصمم تقنيات تزيد من أرباح الشركة التي يعمل لديها, أم المعلم يدور بين الصفوف و الفصول؟

ليس صحيحاً أن الأستاذ هو من لم يكمل تعليمه بشكل صحيح, رأيت نماذج براقة في مدرستي, أفتخر بأنها علمتني, أستاذ اللغة العربية جمال الباشا, و أستاذ الأحياء سامي عبد الكامل, و أستاذ الفيزياء عمر معتوق, و أستاذ الرياضيات عبدالرحيم محمود, و أستاذ اللغة الانجليزية جميل عجالين حفظهم الله جميعاً, كلهم نماذج مشرقة, متعلمون و عندهم الخلق و العلم, و جميعهم نجحوا في حياتهم المدرسية  و تفوقوا, و منهم من تفوق في حياته العملية خارج نطاق المدرسة أيضاً, هذا هو نموذج الأستاذ المثالي بحق …

آخر يوم قبل الفصل الثاني الدراسي في صف التوجيهي, هل سيكون آخر فصل مدرسي في المدرسة؟ و هل سيكون أفضل من سابقه؟ أدعو الله بذلك, و وفق الله جميع الطلاب و الأستاذة

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: