العيد

بسم الله الرحمن الرحيم

العيد

كلما اقترب عيد بدأت “التحضيرات” في كل عائلة, كل بما يستطيع (و فوق ما يستطيع أحياناً), و كلما اقترب عيد تفتحت عيوني أكثر على واقعنا المرير

أنا أتكلم عن أناس ناضجين واعيين, و لا أتكلم عن عيد الأطفال. لكن يبدو أن عيد الأطفال صار هو عيد الكبار أيضاً, مع فرق بينهما, عيد الكبار تكبر فيه الأشياء أما عيد الأطفال فإنه على حقيقته و براءته

العيد بالنسبة للأطفال هو ملابس و حلويات و نقود, فلماذا صار عيدنا هكذا؟ لماذا صار الملبس هو ما يهم, و ما كان يفترض أن يكون إكراماً للضيوف صار فوق الطاقة, و لماذا صارت الماديات و المظاهر هي ما يهم؟ سؤال صعب مؤلم

كلما اقترب عيد تهافت الكبار و الصغار على شراء ملابس جديدة, و كأن الملابس الأنيقة في الخزانة لا تكفي. لماذا هذا التبذير؟ و هل الهدف من العيد هو لبس الجديد فقط؟ و نسينا الأصل و هو أن يلبس المرء الملابس اللائقة لإظهار الفرحة. لا أريد من الجميع أن يسلكوا مسلكي, لكن أتركوا الناس تذهب إلى حيث شاءت ما دامت لا تضر بالمصلحة العامة و المبادئ الصحيحة. نسينا أن حكمة من حكم صدقة الفطر و شهر رمضان هو تذكر الفقير و الشعور معه, و كسر شعور التكبر و التجبر في النفس, و تناسينا الحجيج الذين وقفوا منكسرين بين يدي الله على جبل عرفات و الأضحية التي ذبحنا يوم العيد و وزعناها على الفقراء و المحتاجين. لا بأس بإظهار الفرح, و اظهار أثر نعمة الله علينا, لكن الله تعالى أمرنا بألا نبذر و ذكرنا بأن  المبذرين هم إخوان الشياطين. و هلا تفكرنا بهذا التشبيه, إخوان الشياطين؟! إخوة لمن أخرجنا من الجنة؟ إخوة لأرذل المخلوقات؟ أنقبلها على أنفسنا ولا نقبل بأن يسب الوالد بشتيمة هي أهون كثيراً من هذا التشبيه

لا تجعلوا أيها الناس المظاهر كل همكم, و “ماذا سيقول عني الناس” هي هدفكم. فلو أرضيت كل أهل الأرض لن تنتفع من ذلك بشيء, إنما هو ما تبنيه لنفسك بأعمالك الحسنة و أخلاقك الحميدة و التزامك بالمحاسن و المكارم. و يا شباب, يا إخوة من عمري و جيلي, في و فيكم دماء حديثة فوارة, لنجعلها في ما يبني الأمة و ينشلها من قاع الهرم العالمي. يا شباب, لن يبني الأمة “جيل” و “بنطال ساحل” و لن يبنيها الدلال و المياعة و الفتوة الزائفة على بعضكم. إنما يبنيها التعاون و التعب و العرق, يبنيها الشدة و شد الهمم. و ما أحوجنا إلى الجندية في هذه الأمة لتذكرنا بالإنضباط و العمل ضمن فريق, لتذكرنا الإعتماد على النفس و القوة. لتزرع فينا روح الحق و الحرية, لتذكرنا كيف نرمي عن كواهلنا الجبن و اليأس, لنتعلم كيف نثور على الظلم و الإستبداد و الجهل

إفرحوا أيها الناس بالعيد, و لا أطلب من أحد أن يعيش أياماً سوداء في العيد ففي السنة أيام كثيرة نعيش فيها سوداويتنا. لكن لا تنسوا ما حولكم, لا تتخدروا بفرحكم و ترموا أنفسكم عن واقعكم. لا تنسوا إخوان لكم لا يجدون ما يأكلون و أنتم ترمون بقايا الطعام التي تشبع الحي بكامله, لا تنسوا إخوة لكم لا يجدون من الثياب سوى ما يتصدق به عليهم الناس حين تنظرون إلى جديد لبسكم في المرآة, لا تنسوا عائلات لا يجد ربها عشر ما نعطيه لأطفالنا ليصرفوه يوم العيد (العيدية). لا تنس أشقاء لك ينامون تحت أشجار زيتونهم في العراء, بل و يطردون من تحتها لأنهم يؤذون المنظر العام, عندما تجتمع مع عائلتك آمناً تحت سقف بيتك, لا تنس المسجد الأقصى عندما تصلي العيد و تكبر التكبيرات و تذكر الله بصوت الجهور, لا تنس إخوة لك يصلون في الشوارع لأنهم يمنعون من دخول مصلاهم, في البرد و الحر, على ناصية الطريق و الأرصفة

تذكر أيها الخليجي, و يا كل من وظفت عندك عاملاً, العامل الباكستاني و الهندي و البنغالي و الآسيوي و المصري و غيرهم, هل أديتهم حقهم؟ و هل عاملتهم كما يحب الله و رسوله؟ هل اتقيت الله فيهم و خفت دعوة المظلوم منهم؟ المظلوم… و آه من الظلم! لو يعلم الظالمون ما يملك المظلوم من أسلحة لما أغمض جفنه في ليلته. و لو يعلم المظلوم ما لله و لمشغله عليه من حق, من أداء للأمانة و نصح للمسلمين ما غش أو خان الأمانة

تذكروا جميعاً يا مسلمون نتانة الجاهلية و العصبية العمياء, تذكروا يا ما من تخافون الله ما يكبكبكم في جهنم… لسانكم

و أما حكوماتنا فلا داع ٍ لتذكيرهم بأي شيء, فهم “ظل الله في الأرض” و يحكمون بشرع الله. لا أطال الله أعمارهم لما ضيعوا من الأمانات, لا بارك الله في من ضيع أو باع قيد أنملة من أرض المسلمين. و لا أبقى الله من يظلم المسلمين و يمكن رقابهم من الكفار. اللهم لا تر من ضيع الأمانة و خان العهد سبل الهداية إلا بعدما يرى سبل العذاب و الويلات, و لا تبق من لا يرحم شعبه و رعيته ولا يؤد أمانته التي تولاها فرحاً

ليكن عيدنا هذا عيد ثورة على واقعنا العفن المهترئ, ليكن عيدنا هذا عيداً نتذكر فيه حق الله علينا و نعيد حساباتنا كلها. لنكن يداً واحدة على أعدائنا و لنرجع إلى الطريق القويم. يا أيتها الجموع البائسة التعسة, ثوروا! فماذا بقي لكم لتخسروه؟ و أول ثورتنا تكون على نفوسنا الضعيفة و ولعنا بالمظاهر البالية الفانية

ليكن عيدنا هذا عيد محاسبة و مراجعة لأنفسنا, لا إفراط ولا تفريط, و لا تنس نصيبك من الدنيا كما لا تضيع حظك من الآخرة. وفقكم الله جميعاً و إياي الى الصواب

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: