قصة على باب التكسي

فبراير 20, 2010

بسم الله الرحمن الرحيم

قصة على باب التكسي

مع أن المواصلات العامة في بلدي تصنف ضمن قائمة أفضل شبكات المواصلات في العالم, و تحمل العديد من الأرقام القياسية العالمية مثل أكبر محطة مركزية و ثاني أكبر أسطول حافلات مواصلات عامة, لكن هذا لا ينفي وجود خلل في بعض الخطوط و مع بعض المشغلين

و “صادفت” اليوم واحداً منها, حيث لم تتوفر حافلات تقلني إلى بيتي على الخط المعتاد (لأن سائقي الخط قرروا أن اليوم هو الجمعة و لا داعي لأن يعملوا متأخرين!), خلاصة القصة أنني كنت مع أربعة آخرين على موقف الخط رجلان و اثنان أخوة. المهم لتسهيل الموضوع سأرمز للرجل الأول “بالكهل” و الآخر “بالرجل”. بعد الانتظار بعض الوقت لم تأت الحافلة و ضج “الكهل” و صار يتلفت حوله يبحث عن سيارة أجرة “تكسي” ليذهب إلى بيته. المشكلة ليست أنه قرر أن يعود بالتكسي بدلاً من انتظار الحافلة لعلها تلتزم بموعدها و تأتي, لكن المشكلة أنه لم يكن يملك المبلغ المطلوب ليركب التكسي فكان عليه أن يتشارك المبلغ مع أناس آخرين الذين هم في هذه القصة أنا و “الرجل” و الأخوان, فقال “الكهل” بحماس مظهراً تبرمه و ضجره “لنبحث عن تكسي يقلنا و نتشارك كلنا المبلغ” و فعلاً ذهب “الرجل” يبحث عن تكسي و اتفق معه على المبلغ المتعارف عليه لمثل هذه المسافة و عاد يخبرنا فقام “الكهل” مسرعاً و متحمساً إلى التكسي, و أراد أن يجر معه الأخوين و لكنهما تفلتا منه و قالا أنها ينتظران والدهما ليأتي و يقلهما. صرنا الآن ثلاثة, و المبلغ المطلوب كان زوجياً, و بالتحديد أربعون شيكلاً. إذن من المفترض أن يدفع كل واحد 13 شيكلاً و يسقط سائق التكسي حقه في الشيكل المتبقي أو أن يدفع أحدنا شيكلاً زيادة

مشى التكسي حتى وصلنا تقريباً ثلاثة أرباع المسافة و بدأنا نحضر النقود, و دفع “الرجل” للـ “كهل” قطعاً نقدية لم أعرف مقدارها في ذلك الوقت, و كان أنا معي ورقة نقدية من فئة الـ 20 شيكلاً و كان “الكهل” يجلس بجوار السائق فأعطيناه النقود. الآن من المفترض و المنطقي أن أسترجع أنا سبعة شواكل, لكن الذي حصل هو الآتي: جمع “الكهل” كل النقود التي أعطيناها إياه, و أضاف إليها ما تيسر من جيبه ليكمل الأربعين شيكلاً و انتهى الموضوع معه! ثم إنه تململ قليلاً و أخرج من جيبه شيكلان أعطاني إياهما و سكت! فقلت له ما هذا؟ قال إنه لا يملك سوى إثنا عشر شيكلاً! قلت له حسناً… و برأيك هذه حسبة على أساس إثني عشر شيكلاً؟ و التفت إلى “الرجل” بجانبي و سألته كم دفعت؟ قال خمسة عشر شيكلاً, ثم قلت “للكهل” على كل واحد منا ثلاثة عشر شيكلاً, تحرك و قال نعم… قلت له و الشيكلان…؟

هنا بدأ “الكهل” يمثل و يتحرك في مقعده و يتمتم, قلت له: قلت أن معك إثني عشر شيكلاً, في هذه الحالة على الأقل سأدفع أنا أربعة عشر شيكلاً و “الرجل” نفس المبلغ لنغطي على “فقرك” قال “طيب…”! قلت له في عرفك شيكلان هما باقي أربعة عشر شيكلاً؟! في هذه الحالة أنا دفعت ثمانية عشر شيكلاً و دفع “الرجل” خمسة عشر شيكلاً, و بحسبة بسيطة لم تدفع حضرتك سوى سبعة شواكل!! لم يتكلم و استغل الفرصة بأن وصلنا إلى وجهتنا ليغطي على الموضوع

لم ينته الموضوع هنا, فما الشيكل و الشيكلان عندي؟ أو حتى ما هي العشرون؟! لكنني وقفت له لأنه كان صاحب الفكرة “الحماسية” بركوب التكسي, و هو يعلم تماماً كم يكلف التكسي و لكنه في نفس الوقت لا يملك أو لا يريد دفع الأجرة كاملة. تأملت وجهه قليلاً و نظرت إلى شيبته التي لم يستح عليها و نظر إلي “ماذا؟! ماذا فعلت؟” و بادلته نظرة ازدراء, و شعرت في نفسي بقليل من الكبر صراحة. فكرت في رمي الشيكلين له لتكمل فرحته “بالشحادة” و التطفل لكنني عدلت عنها و أدرت له ظهري

بعد فترة أعدت تحليل الموقف و ما دار فيه مرة أخرى, و دارت في رأسي مجموعة أفكار. أولها قوله تعالى: “و من يهن الله فما له من مكرم”, و معناها كما دارت في رأسي كيف أنه كهل كبير في العمر و مع ذلك لا يجد غضاضة في التطفل (من باب الكائنات الطفيلية التي تعيش متطفلة في جسم الحيوان أو الإنسان). أين عزة النفس و الكرامة؟! و فوق هذا أيضاً لا مشكلة عنده من أين يتطفل, سواء أكان ذلك شاب أصغر منه عمراً أو غيره, و تعود المذلة و التطفل لدرجة أنه صار عادياً عنده و يستغرب من ينظر إليه شزراً ينكر عليه تطفله! الفكرة الثانية التي جالت في رأسي هي مسألة الأمانة و الصدق. كل واحد يعلم ما في جيبه, و كم يستطيع أو ينوي الإنفاق منه. و طبعاً أجرة التكسي معلومة و أُكدّت عليه قبل أن يركب و مع ذلك لم ينبس ببنت شفة! سواء أكان هذا من باب التلذذ بالتطفل أو البخل الشديد أو غيرها من الأسباب فإن القاعدة البديهية تقول “إذا لم تملك ثمنه لا تحصل عليه”, لا تملك أجرة الركوب عليك أن تعود إلى بيتك مشياً على الأقدام أو أن يسامحك صاحب الحق في النقود (سائق الحافلة أو سائق التكسي أو مهما كان يأخذ أجرة على توصيله), و فعلتها أنا شخصياً أكثر من مرة… مرة أنسى محفظة نقودي و مرة تكون جيبي مثقوبة من غير أن أعلم و تنزلق القطع النقدية منها, لكن ولا مرة اقتربت من سائق الحافلة و أخبرته أنني لا أملك الأجرة بل أدير ظهري و أكمل الطريق ماشياً على أقدامي ولا حتى أؤشر للسيارات لتركبني لأنني لا أتخيل نفسي أطلب فضلاً من أحد (مع أنني سأرد الأجرة لسائق الحافلة في اليوم التالي) ولا أحتمل المنة! لكن ما فعله “الكهل” خرق كل عهد للناس بالحياء أو الخجل و أهرق كل نقطة كرامة لديه, فقفز صارخاً يبحث عن تكسي و أراد أن يجر معه أكبر عدد من الناس ليركبوا و هو يعلم في قرارة نفسه أنه لا يملك ثمن الأجرة أو لا ينوي إخراجها! و يعلم الله أنني ما ركبت معهم إلا لأنني لم أرها تخرج من رجل عنده مروءة يترك رجلان يتقاسمان مبلغاً كبيراً, و كان بإمكاني الإتصال بأحد الوالدين ليأتوا و يقلوني و لكنها كانت كما قلت, أخفف عنهما الأجرة و ليس علي فيها ضرر أو خسارة. لكن ما استفدته من هذا التكسي كان إعادة تذكير بأنه ليس كل الناس يهتمون بالقيم العربية الأصيلة كالشهامة و المروءة, و أعادتني إلى كوكب الوطن العربي حيث الدناءة تسود! و الدرس الثاني كان ألا أعطي الراكب بجانب السائق النقود مرة أخرى, بل أسلمها للسائق يداً بيد و أستلم الباقي كما هي التقسيمة العادلة بيننا

مهما يكن الأمر, ماذا حصل للتعفف؟! أين ذهب ماء الوجه و الحياء؟هل وصل بنا الحال أن “نشحد” من شاب ربما بعمر ولدك الكبير؟ للعلم فإن الرجل يبدو من مظهره أنه عامل, أي ليس بالغني و لا الفقير, رجل عادي المستوى… بالتأكيد فإن أجرة التكسي أو الحافلة ليست مشكلة كبيرة بالنسبة له. و لا مشكلة عندي لو قال الرجل أنه لا يملك أجرة الطريق أو غير السبعة شواكل التي دفعها و أكل بقيتها مني و من “الرجل”, لكن يجب أن يكون هذا باتفاقنا قبل أن نصعد في السيارة, “أنا يا جماعة لا أملك سوى هذا المبلغ, هل نتصاحب؟” بعدها حسب ما نتفق و نقرر نتوكل على الله و نركب, أما أن تفرض الأمر الواقع على الناس في آخر لحظة فهذه دناءة و حقارة بكل جدارة! و لا تأسفن على السفيف و الدنيء قليل الهمة

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

%d مدونون معجبون بهذه: