قادم… الجزء الأول من المذكرات

بسم الله الرحمن الرحيم

قادم… الجزء الأول من المذكرات

كنت قبل شهر تقريباً قد كتبت موضوعاً فيه عزمي على السفر من القدس إلى جدة و سرد ما حصل معي في الطريق. و ها أنا أوف بوعدي و أبدأ بكتابة الجزء الأول!

بدأت رحلة سفري من القدس إلى جدة في الثلث الأخير من شهر شباط لسنة 2010, و لا أذكر التاريخ بالضبط. تأكدت من حقائبي للمرة الأخيرة (و هي قابعة في زاوية الغرفة منذ أكثر من خمسة أشهر بانتظار الفرج في التأشيرة!) و أكملت الناقص ثم توجهت على بركة الله إلى شركة النقل. خط سير المسافرين مثلي يكون أولاً بالذهاب إلى عمان, الأردن. لذا فكان يجب علي أن أذهب إلى هناك ثم من عمان أستقل الحافلة إلى جدة.

اذكر ذلك اليوم جيداً, لقد كان الجو غائماً و قطرات خفيفة من المطر تتساقط كل حين, في الليلة السابقة أمطرت السماء بغزارة, لذا فقد توقعت أن يكون الجو ماطراً في اليوم التالي فلبست سترة سميكة. و كانت المفاجأة أن الجو تغير تماماً و لم تمطر طوال فترة وجودي في عمان و لم أحتج للسترة, زيادة وزن و حمل! عندما أوصلني أبي إلى موقف شركة النقل رأيت جنود الاحتلال يتمركزون في مواقعهم مغلقين مداخل البلدة القديمة, لقد كان هذا اليوم أول أيام الإغلاق و التحضير للمواجهات التي حصلت بعدها بأقل من أسبوع. ما زال الوقت مبكراً و لم تشرق الشمس بعد, كان موعد تحرك السيارة بعد نصف ساعة. اشتريت التذاكر و حملت حقائبي إلى السيارة, ودعت والدي الذي انتظر قليلاً و أوصاني ببعض الوصايا ثم تسهل في طريقه.

لا أذكر أشياء مميزة في طريقي من القدس إلى معبر الحدود الأردني-الاسرائيلي, ربما لأنني معتاد على هذه الطريق و لن يجلب انتباهي فيها شيء “عادي”, لكنني أذكر أنني أحسست بالطريق أطول من أية مرة سابقة. و رأيت الجبال الصحراوية مكسوة بغطاء أخضر (و هي صحراء قاحلة لا ينبت فيها شيء), فحمدت الله على نعمه التي أنعم علينا قبل سفري. و ذكرتني أيضاً بأن الخير في بلادني كثير, فحتى الصحراء تزهر و تخضر إذا وجدت الرعاية. مساحات شاسعة فارغة, للأسف غير مستغلة بأي شيء و متروكة بالكامل للنهب و السرقة, و كما يقول المثل الشعبي “المال السايب يحرض على السرقة”. اليهود يستغلون هذه المساحات شيئاً فشيئاً, يزرعونها و يقيمون المستوطنات و نحن نيام نقول أنها صحراء لا تنقع!

وصلت الجانب الاسرائيلي من الحدود, رحلتي استغرقت حوالي ثلاثة أرباع الساعة, و انهيت دفع “الرسوم” المفروضة على كل من يعبر “بالخاوة”. انتهيت سريعاً من أموري و ختمت مستنداتي, و بقيت انتظر امتلاء الحافلة حوالي ساعتين من الزمن! لا أظنكم فهمتم ما قلت لذا سأشرح, بالأصل هناك منطقة حرام بين اسرائيل و الأردن, عرضها حوالي الثلاثة كيلومترات, يمنع عبورها أو التواجد فيها. بعد توقيع معاهدات “السلام” بين اسرائيل و الأردن صارت الحدود مفتوحة (كانت في البداية فقط لسكان الضفة الغربية, الان للجميع) و لكن بقي البناء مكانه, و علينا أن نقطع ما كان “المنطقة الحرام” إلى حيث البناء الأردني. و لهذا السبب فإنه توجد حافلة تنقل الركاب بين الحدود الاسرائيلية و الأردنية.

وصلت الحدود الأردنية, في حافلة لا تكييف فيها ولا نوافذ تفتح, و بدأت اجراءات الدخول. ختمت بطاقة الجسور (بطاقة تعطى لمن يحملون جواز السفر الأردني مهما كانت بطاقة الهوية التي يحملونها, و هي تختم بدلاً من جواز السفر على اعتبار أننا نحمل جواز سفر أردني و لا يجوز أن تختم فيزا بين شقي الوطن!!) ثم دفعت رسوم استخدام المعبر, نفس الوضع في الجانب الآخر “سلبطة”, ثم بحثت عن حقائبي بين الحقائب المرمية بعد قسم الفحص. وجدت الحقيبة المسكينة مرمية على وجهها بدلاً من أن توضع على المكان المخصص للحقائب, و رأيت حقائب آخرين ترمى كأكياس القمامة فاستنتجت أن الشيء ذاته حصل لحقيبتي. ثم خرجت إلى الساحة لأركب سيارة أخرى توصلني إلى عمان, جاء متطفل تظاهر بحمل الحقائب (بعدما أدخلت نصفها في صندوق السيارة!) و انشغل بحمل حقائب أخرى, ثم التفت يقول “اللي يطلع من نفسك”! يمكنكم أن تسموها “شحدة مقنعة” أو “شغل نص كم” أياً ترونه مناسباً, أعطيته “اللي طلع من نفسي” و ركبت السيارة و تحركنا.

في السيارة جاء حظي الجميل بجانب سيدتين كبيرات في السن, و بالعادة فإن السيدات عندما يكبرن في السن عندما فإن وزنهن يزيد بشكل فظيع, و لكم أن تتصوروا سيارة سيدان مخصصة لأربعة ركاب فيها عجوزان “دوبها واسعتهم السيارة” يأتي ليجلس بجانبهن شخص آخر!! أتوقع أنني صرت مثل “توم” القط عندما يقع بين شيئين!

في الطريق إلى عمان أيضاً لا شيء يذكر, لكن هذه المرة هناك بناء متصل من الغور إلى عمان على العكس من القدس إلى الغور. عندما تصل إلى عمان تشعر بنفسك وصلت إلى بلد عربي فعلاً, النصب من هنا و هناك, و “استهبال” الناس كثير. على سبيل المثال لا الحصر جاءني سائق تكسي يعرض توصيلي إلى وجهتي “فقط بـ 5 دنانير” و المسافة كلها لا تكلف أكثر من دينارين. عليك أن تحذر جداً أمثال هؤلاء لأنهم كثر. استقللت تكسي آخر و وصلت إلى وجهتي و كان في استقبالي ابن خالتي, الذي استضافني برحابة صدر لمدة اسبوعين في بيته هو و أصدقاؤه.

عندما حزمت أمتعتي من القدس, لم يكن في بالي أكثر من مجيء الموافقة على منحي التأشيرة لأحملها إلى القنصلية السعودية في عمان و أتوجه سريعاً إلى جدة, لم يكن وارداً في حساباتي أن يكون الموضوع أطول من يومين. لكنني مكثت في عمان ما يقرب من الأسبوعين! لماذا, و كيف؟ سأسرد بقية حكاية القنصلية في المقال التالي بإذن الله تعالى و ما حصل معي خلال تلك المدة فتابعوني

دمتم آمنين في أسفاركم

وصلت القنصلية الواقعة على الدوار الأول, و كنت هناك الساعة الواحدة تقريباً. طرقت باب القنصلية الحديدي و فتح لي الحارس الغثيث سمج المحيا و سألني أول ما سألني “أنت سعودي؟” و أجبت لا فأغلق النافذة بكل صفاقة و لم يتكلم بكلمة. طرقت الباب مرة أخرى و فتح فعاجلته قبل أن يسأل سؤاله السخيف و قلت له أن معي معاملة تأشيرة دراسية في السعودية فقال لي أن القنصلية مغلقة
  1. أبريل 16, 2010 الساعة 09:18

    بداية موفقة تحمسنا على إكمـال السلسلة

    فلا تتردد بطرحها قريبا

    موفق بإذن الله

    و شكرا لكـ

  2. دانية
    أبريل 16, 2010 الساعة 11:30

    ذكرتني برفح و نقطة العبور المصرية و الاسرائيلية و الباص اللي من غير كراسي قاعدين عالشنط و العفش و الصغير فوق الكبير و الدنيا كلها بهدلة و الناس فوق بعض
    حسبي الله و نعم الوكيل

  3. أبريل 16, 2010 الساعة 15:14

    بإذن الله تعالى يا ايثار, سأجعل ما مقداره يومين تقريباً بين كل جزء و الاخر لأبقي على الحماس و ليكون هناك مجال للقراءة
    الله يكون في عوننا جميعاً يا دانية, لكن الوضع على جسر اللنبي أفضل من هذا بكثير. الحمد لله جلسنا على كراسي و الحقائب كانت في الصندوق المخصص, لكن نوعية الحافلات سيئة و عمرها أكثر من عشر سنوات

  4. أبريل 17, 2010 الساعة 00:10

    بالتوفيق أخي عبد الرحمن …

    ومقال جميل …

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: