قادم… الجزء الثاني من المذكرات

بسم الله الرحمن الرحيم

قادم… الجزء الثاني من المذكرات

في الجزء الأول ذكرت الطريق إلى عمان, الأردن و ما حصل معي إلى هناك. قطعت حديثي عند القنصلية, و سأكمله هنا بإذن الله تعالى. وصلت القنصلية الواقعة على الدوار الأول, و كنت هناك الساعة الواحدة تقريباً. وصلت إلى بناء القنصلية, و هي بناء مزخرف بإفراط لها باب حديدي متوسط الحجم وراءه كابينة الحراسة و على طرفها من الجهة المقابلة الحراسة العسكرية التي توفرها الدول للسفارات و القنصليات. طرقت باب القنصلية الحديدي و فتح لي الحارس الغثيث سمج المحيا و سألني أول ما سألني “أنت سعودي؟” و أجبت لا فأغلق النافذة بكل صفاقة و لم يتكلم بكلمة. طرقت الباب مرة أخرى و فتح فعاجلته قبل أن يسأل سؤاله السخيف و قلت له أن معي معاملة تأشيرة دراسية في السعودية فقال لي أن القنصلية مغلقة و أن أعود غداً! أجبته بسرعة أنني اتصلت قبل قدومي مع موظفي القنصلية و أخبروني بكل وضوح أن القنصلية تفتح أبوابها حتى الساعة الثالثة عصراً. قال لي أن الفترة الحالية هي فقط للسعوديين و الأشغال المكتبية, و أنه إذا كنت مصراً على الدخول فيمكنني العودة في الساعة الثانية بعد الظهر حيث وقت تسليم المعاملات المنتهية و لكن… الدخول ليس من هذا الباب المزركش و المزخرف إنما علي أن أدخل من الباب الخلفي! أي باب خلفي؟! و هل القنصلية لها باب أمامي يدخل منه السعوديين و باب خلفي لبقية المخلفات البشرية؟! و سألت بكل وضوح أين هو الباب الخلفي, و لماذا من الباب الخلفي؟ قال لي بأنه لا دخل له بهذه الأمور و أن الباب الخلفي يقع “خلف القنصلية”! ما شاء الله!

كان معي ابن خالتي, و التففنا حول سور القنصلية لنصل إلى زقاق عادي بين البيوت و لفت نظري بين البيوت وجود كابينة حراس مثل الموجودة على الباب الأمامي فاستنتجت أنه هنا في مكان ما بين هذه الأبواب يوجد باب القنصلية السعودية “على عظمتها”! وجدت باباً عادياً كأنه باب بيت من البيوت, لا عنوان عليه ولا حرس… و مغلق! سألت المارة فأجابوا بالإيجاب, و قالوا بأن الباب يفتح فقط الساعة الثانية ظهراً و لمدة ساعة. خرج الجندي الموكل بحراسة الباب من مكتب خدمات يقابل الباب, و لمن لا يعرف الجيش الأردني فإنهم يحرصون على توظيف أغبى خلق الله و يدربونهم فقط على اتباع الأوامر و إلغاء العقل تماماً, كان هذا الحارس بدوياً فمه أسود من كثرة الدخان. سأل ماذا تريد فأخبرته أنه عندي مراجعة لتأشيرة, سأل عن الورقة فناولته إياها (و كان على الورقة اسمي و اسم شخص آخر سيقدم من بلد آخر ولا أعرفه) و قال بكل “دهاء و ذكاء” لكن على الورقة اسمان! قلت له نعم صحيح, قال لي أنت الشخص الذي قدمت من فلسطين أو من البلد الآخر البعيد… و أين الشخص الآخر؟! لم تكن عندي المعلومة التي ذكرتها لكم قبل قليل بشدة غبائهم, فقلت له كمن يكلم عاقلاً أنا من القدس و لا علاقة بيننا لكننا في نفس المعاملة ما شأني به؟ هدأني ابن خالتي و أفهمني الوضع في الجيش الأردني. بعد لحظات من التأمل العميق في الورقة أعادها لي و نطق بالدرر بأن القنصلية تفتح على الساعة الثانية!

بصراحة فقد فقدت كل احترامي للحكومة السعودية بعد هذا المنظر القبيح و هذا التعامل الفظ منهم, ما معنى أن تجعل واجهة القنصلية الجميلة الكبيرة المزخرفة للسعوديين و بقية شعوب الأرض تدخل من باب حديدي صغير كأنها تدخل بيتاً من البيوت المتواضعة الصغيرة؟ ما هي الرسالة التي تصل إلى ذهنك عندما تسمع بأن مكانك ليس هنا, اذهب إلى الباب الخلفي! و هل سمعتم بقنصلية لها باب أمامي و خلفي كأنهم يتعاملون بالممنوعات؟َ! أو كأنه مطعم يرمون القمامة من بابه الخلفي.

من حسن الحظ أن مكتبة عبدالحميد شومان كانت قريبة, و هي مكتبة ليست كبيرة جداً لكن لا بأس بحجمها و كمية كتبها. اخترت طاولة و جلست أنا و كتابي, بدأت أقرأ فيه و كانت المكتبة هادئة. مع الوقت لم أعد قادراً على الجلوس في مكاني, كان الجو حاراً جداً ربما كانت التدفئة مضبوطة على 30 مئوية. كان الجو بارداً, لكن لم يكن الجو قطبياً!! خرجت و كانت الساعة تشير إلى الثانية إلا ربع.

عدت إلى القنصلية و كان الموسم بداية العمرة بعد الحج, لذا كان عدد الشركات التي تريد اصدار التأشيرات كبيراً. فتح الباب و دخلت الشركات أولاً, ثم الأفراد تالياً. على البوابة الصغيرة كان هناك الحارس ضئيل البنية و الذي يتعرق من كل مكان يظهر فيه جلده, كنت أحمل ملف الأوراق و حقيبتي الصغيرة التي فيها بعض النقود و وثائقي و في جيبي الجوال. أخبرني الحارس أن الجوالات ممنوعة في الداخل (بسم الله ما شاء, أنا على الصدد الدخول إلى القنصلية السعودية “بعظمتها و هيبتها”) فسلمت الجهاز لابن خالتي الذي انتظرني خارجاً. القنصلية (من بابها الخلفي) كانت عبارة عن قاعة بمساحة 20×10 متر مربع تقريباً بأربعة نوافذ للموظفين, النافذة الأولى كانت لتصديق الشهادات, و الثانية كانت مغلقة و فيما بعد عرفت أنها النافذة التي تستلم طلبات التصديق في فترة الصباح, النافذة الثالثة كانت نافذة الحج و العمرة و يمكنكم تخيل عدد الشركات الواقفة عليها, النافذة الرابعة كانت نافذة المعاملات. وصلت إلى الموظف و كانت فارغة لا أحد ينتظر عليها, كان الموظف هادئاً و متعاوناً لأقصى درجات التعاون و الخدمة, ساعدني كثيراً في معاملتي و بالفعل فقد كان مثالاً رائعاً لما يجب أن يكون عليه موظفوا الدوائر الحكومة في البلاد العربية.

سلمته الورقة و سألته عن المستندات التي يحتاجها بنشاط و حماس جارف, كنت أظن أن الأمر سينتهي هنا, أسلمه المستندات و يختم على جوازي ختم التأشيرة و ينتهي الموضوع. تأمل الموظف الورقة و بدأ يعدد لي متطلبات انجازها, و أولها أنه لا يمكنني شخصياً إنجازها و إنما يجب أن أوكل مكتباً ينجزها عني! أهو الدلال السعودي المعتاد أم أنها مجرد “تهريجة و نياطة”؟! ما لم أفهمه حتى اللحظة هو لماذا تعتمد القنصلية على المكاتب لإنجاز أشغالها؟ لو فرضنا أن المكاتب قررت أن تغلق أبوابها لسبب من الأسباب فهل هذا يعني توقف الأشغال في القنصلية ذلك اليوم؟! أمر عجيب أن توقف مؤسسة حكومية أعمالها على مؤسسات صغيرة!

نادى الموظف مالك مكتب خدمات, و أفهمه ما الذي يحتاجه مني (لأن المكتب له تعامله مع القنصلية و يعرف المصطلحات و الأشياء المطلوبة). في بداية الأمر لم أرتح كثيراً للموضوع خاصة و أنني لم أختره شخصياً و لكن الموظف ناداه, و لكنني قلت في نفسي لا بأس بما أنه لم يأخذ مني أوراقي أو نقوداً. و اكتشفت في ما بعد أن الموظف دلني على أفضل مكتب من ناحية السعر أو التعامل, و حتى علاقاته مع مختلف الجهات التي لها علاقة بانجاز معاملة القنصلية.

كان المطلوب مني هو الآتي: أوراق الثانوية العامة مصدقة من وزارة التعليم الفلسطيني و وزارة الخارجية الفلسطينية (الله أكبر و لله الحمد, صارت لنا دولة و وزارة خارجية!!! هاتان الجهتان كانتا في حسابي عندما أصدرت شهادة الثانوية العامة و قمت بتصديقها فور إصدارها) و مصدقة من سفارة “دولة فلسطين” في الأردن (مرة أخرى, الله أكبر الله أكبر… ) ثم من وزارة الخارجية الأردنية, بعدها من الملحق الثقافي السعودي في الأردن و انتهاءً بتصديق القنصلية نفسها على كل هذه الأختام!! انتهينا من متطلبات التحقق من صدق الشهادة, و الآن أتى دور التحقق من صاحب الشهادة نفسه… علي أن أزور المخابرات العامة الأردنية و المحكمة (أظن أنها المحكمة العليا, على كل اسمها “قصر العدل”) لفتح السجل الجنائي و “كشف المستور”, و النتيجة إما شهادة حسن سير و سلوك أو غيرها! هذا طبعاً غير “دستة” الصور و فحص طبي للخلو من الأمراض.

لم تكن التصديقات هي المفاجأة أو عدد الصور الكبير, فهذه كلها أشياء معروفة بامتياز عن النظام الأردني و كل ما في الأردن منذ زمن أبي و ربما قبله. لكن المفاجأة كانت المخابرات و شهادة حسن السير و السلوك! هل ما أسمعه حقيقياً؟ هذه زيارة على الأقل ستأخذ من وقتي أكثر من أسبوع. تحيرت جداً في أمري, ماذا سأفعل طوال هذه المدة و أين سأبيت؟ هل ما زلت مصراً على الذهاب إلى السعودية بعد كل ما تعرضت له من مصاعب و تأخير لخمسة أشهر في الموافقة على منحي للتأشيرة؟ عرض علي ابن خالتي أن أبيت في بيته الذي يتشاركه مع طالبين جامعيين آخرين, و قبلت عرضه بسرور. كان البيت الذي يسكن فيه في موقع متوسط في عمان, فهو قريب على الدوائر الحكومية و الوصول إليه سهل. سأقص عليكم ما حصل في هذه الأيام في المقال التالي إن شاء الله تعالى.

لا فقدتم عزيزاً أو وطناً

  1. ابن خالتك
    أبريل 17, 2010 الساعة 21:02

    الله يقويك وتكمل كتابة
    كتابتك حلوة
    بس شايفك متحامل شوية زيادة
    يعني اصارحك بشغلة
    السهولة اللي صارت معك ما بتصير مع ناس كتير

  2. أبريل 17, 2010 الساعة 21:26

    صح و الله, و ما رح اكذب و اقول اني ممكن اكون “موضوعي” بعد كل اللي صار معي
    المهم, انا انتقدت اشياء عامة ما هي خاصة بحالتي انا فقط
    مثلا, الباب الخلفي, و الحارس المصري على الباب الامامي و البدوي على الخلفي. اعتماد القنصلية على المكاتب الخ

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: