قادم… الجزء الثالث من المذكرات

بسم الله الرحمن الرحيم

قادم… الجزء الثالث من المذكرات

وصلت إلى البيروقراطية العربية في القنصلية السعودية و كمية المتطلبات الكبيرة لطبع تأشيرة جاهزة. لا أخفيكم أنني لم معتاداً على نوع التعامل و المتطلبات هذه, و الأمر الآخر أنه لم يكن في حسابي أكثر من يومين في عمان! في ذلك المساء اصطحبني ابن خالتي إلى الجامعة الأردنية, و كانت قريبة من البيت, و تناقشنا حول اختياري للسعودية كبلد للدراسة و لهذه الجامعة بالتحديد و أرشدني للاستخارة و أفهمني حقيقتها و أنها ليست كما كنت أتصور تصلى لمرة واحدة و غيرها. عدنا للبيت و سارعت للوضوء و الصلاة, و دعوت دعاء الاستخارة “الهم إني استخيرك بعلمك و استقدرك بقدرتك و أسألك من فضلك…” و شعرت لأول مرة فعلاً بمعانيها تمس قلبي “فإنك تقدر ولا أقدر, و تعلم ولا أعلم و أنت علام الغيوب” و لا أستطيع وصف ما جال في صدري لحظتها و في الأيام المقبلة, عليك أن تجربها بنفسك… و الله إنها لراحة بال عظيمة و سكينة للنفس, و نور هداية في طريقك.

طلع الصباح, و كان أول شيء على جدول أعمالي زيارة المخابرات. لمن لا يعرف المخابرات في الأردن (و أظن أنها في كل الدول العربية على نفس المنوال) فإن زيارتها و الخروج منها تستحق التهنئة بالسلامة, تجلس في غرفة مظلمة و يأتيك المحقق يريد أن يزل لسانك بأي شيء لتغيب ولا تعود, يسأل أسئلة سخيفة… يتهمك اتهامات ملفقة… كلها لتنهار و تعترف!! توكلت على الله, و كما فهمت من ابن خالتي فإن تعسر الأمور يعني أن أمري شر و إن تيسرت فهو خير (و هو معنى دعاء الاستخارة “اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري فاقدره لي و يسره لي ثم بارك لي فيه, اللهم و إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري فاصرفه عني و اصرفني عنه و اقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به”). رنت آخر جملة في الدعاء في قلبي “و اقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به”, يا رب أرضني به يا رب أرضني به. يا ربي أنت تعلم أين الخير و لا أعلم فيسره لي. مضيت على هذه الحال إلى أن وصلت مبنى المخابرات فرع عمان, كان الحرس على الباب بشوشون و يمازحون الناس, دخلت إلى الداخل و كان على الكاونتر شخص “وجهه مصقع”… ما علينا! سلمت جوالي و دخلت للتفتيش و كان الجندي شاباً صغيراً من نفس سني, كان مرحاً جداً و محترماً لأقصى درجات الاحترام. حمدت الله على تيسير الأمور, فهذه كلها علامات تيسير. دخلت إلى الداخل و أخبرت الموظف أنني أحتاج شهادة حسن سير و سلوك, أرشدني إلى تعبئة الطلب المخصص لذلك و ارفاق الطوابع (الطوابع مثل طوابع الرسائل, لكنها تستخدم بدلاً عن النقود, فتشتري عدد الطوابع المطلوبة و ترفقها مع الطلب) ففعلت و دخلت إلى المكتب المختص بهذا الشأن. اقتربت من نافذة يجلس فيها موظف و سألت إن كان تسليم الطلبات هنا لشهادات حسن السير, أعطيته جواز السفر و الصور المطلوبة ثم قال لي بعد أسبوع و أعطاني موعداً على ورقة باليوم و الساعة! سألت بدهشة: فقط هذا هو؟ بعد أسبوع؟! لا تحقيق لا شيء؟ لن يراني الضابط و لن يسألني؟! الحمد لك يا رب, الحمد لله على تسهيل الأمور و تيسيرها. سلمت على الجندي المحترم عند خروجي و استلمت جوالي ثم توجهت إلى البيت. لم يكن عندي ما أفعله ذلك المساء فقررت أن أنزل إلى شارع الملكة رانيا ريثما يعود ابن خالتي و زميله في السكن من الجامعة, و بما أن البيت قريب من البوابة الرئيسية للجامعة الأردنية فقد كانت المطاعم كثيرة هناك. اشتريت ساندويش شاورما, و أعجبني فاشتريت آخر! و جلست آكل أراقب الناس و ما يفعلون, لاحظت عدة أشياء أولها أهل الخليج و السيارات السعودية الكثيرة في عمان. طبعاً الوضع ليس جيداً البتة هناك, ترى كل شيء يخالف الآداب و الدين, الشباب السعوديون (مع الأسف الشديد) أغلبهم يأتون لعمان فقط ليتنشقوا بعض الحرية التي لا تتاح لهم في السعودية, و غالباً ما يخرجون عن نطاق الحرية إلى نطاق الحرام. فشرب المسكرات صار عادة عند كثير منهم و غيرها الكثير. و لا أنسى هنا طبعاً الفتيات… في عمان, الفتيات ليسوا ككل الفتيات! عمان بتفتحها الزائد تستوعب أشكالاً و ألواناً من الناس, و تستقبل “موضات” من العيار الثقيل يقبل عليها الشباب و الفتيات بنهم. و لبعد الجامعة نوعاً ما عن وسط البلد و قربها من ضواحي عمان الغربية حيث تعم هناك البلاوي فلا يوجد استنكار كبير أو غرابة! هناك ترى الشباب يمارسون “حرياتهم” مع الفتيات دون أدني خجل أو حرج, فترى من يمسك يد فتاة و آخر واضعاً ذراعه حول خصرها… و ربما لو كان حظك تعساً كفاية (أو سعيداً, تعتمد على منظارك للموضوع) سترى من يطبع القبل على مختلف الأجزاء و الأنحاء. بصراحة و صدق فإن الوضع الأخلاقي العام في عمان لم يعجبني كثيراً, حيث تختلف المعايير هناك اختلافاً كبيراً عن القدس. و ينعكس الوضع الأخلاقي على سائق الأجرة و سائق الحافلة, و التاجر في دكانته و الماشي في الشارع وصولاً إلى الشرطة و موظفي الدولة.

أول ما يعكس الانحاط العام للأخلاق الشوارع. في الشارع يتبين لك معدن الناس, و القيادة أخلاق كما يقال. و قد بين لنا الرسول صلى الله عليه و سلم هذا فأمرنا بغض البصر و كف الأذى و رد السلام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. في شوارع عمان لا يوجد شيء مما أمرنا به النبي صلى الله عليه و سلم, فلا إعطاء لحق المشاة أو حق دخول الشارع من طريق فرعي, و لا غض للبصر أو كف للأذى و المشاكل و اللسان الطويل. و طبعاً الأمر بالمعروف و النهي لا يحتاج إلى كلام! شارع مخطط بثلاثة مسارات تجد فيه خمس سيارات! و خط عبور للمشاة فقط للزينة, عبور الشارع في عمان يحتاج إلى فن و تدريب, عليك أن تقطع الشارع خطاً خطاً لا مرة واحدة! فعليك أن تنتظر إلى أن يخلو مسرب من السيارات لتقطعه و هكذا إلى تجد نفسك قطعت كل المسارب و وصلت إلى الجهة الأخرى!! الغمازات و الأحزمة زينة في السيارات و ليست للاستخدام اليومي, لا يوجد داع لاستخدام الغماز مثلا بل عليك أن تدخل بلا مقدمات أو استئذان و تقطع خط سير السيارات في المسرب الذي تريد الذهاب إليه. إذا كنت في أقصى اليسار و تريد الالتفاف في مسار يقع أقصى يمين الشارع فلا مشكلة أبداً, أقطع الشارع عرضياً!

في عمان المواصلات العامة لا بأس بها مقارنة بدول عربية أخرى (لا أريد أن أحرجهم بذكر أسماء, كجدة مثلاً!) و إن كانت لا ترقى لمستوى المواصلات العامة في القدس. عمان تعتمد على شيئين في مواصلاتها, التكاسي الصغيرة و الحافلات النظامية أو السيارات النظامية “سرفيس”. الفرق بين السرفيس و التكسي هو أن الأول له مسار محدد يسلكه و أجرة معينة لا يأخذ منك غيرها حتى لو كنت الوحيد في كل السيارة (أو الحافلة) أما التكسي فهو تكسي, يعمل على العداد و يوصلك إلى حيث تريد. المواصلات رخيصة جداً في عمان (كل هذا الكلام مقارنة مع القدس) و متوفرة, فكنت أعتمد عليها (كما يعتمد عليها آلاف السكان في عمان, السيارة الخاصة من الكماليات هناك) في “مشاويري”. و بما أننا في سيرة المواصلات فلا بد أن أذكر “دواوين” سائقي الحافلات و التكاسي, و كلمة دواوين هي أساساً جمع كلمة “ديوان” و هو مكان اجتماع العائلة الكبيرة في المناسبات, فيكون قاعة أفراح أو مكان للعزاء أو الاجتماع للعيد و هكذا. و في الديوان يتبادل الرجال الكلام و يتحدثون في كثير من المواضيع, من هنا جاءت كلمة “دواوين” لتعبر عن أن المتكلم لا يسلك الطريق المستقيم في الحديث بل “يلف و يدور”. كثير من سائقي التكاسي في الأردن هم ضباط مخابرات يتصيدون الناس في الكلام و يجرونهم إلى انتقاد النظام أو قول كلمة حق ليأخذونهم إلى المخابرات بدلاً من البيت! الأسلم ألا تبدي موقفاً أو رأياً من حديث السائق خاصة إذا بدأ بسب الحكومة أو انتقادها ليجر قدمك إلى سبها أيضاً.

الشيء الآخر العجيب في عمان هو الماء! خدمات الماء في عمان تعيسة لأقصى الحدود, حيث يتوجب على السكان أن يشتروا مياه الشرب من شركات المياه المعدنية. و خط المياه الذي يأتي من شركة المياه يفتح ثلاثة أيام في الأسبوع فقط. طبعاً نظام توزيع المياه هزيل, و سمعت أناس يشتكون بأن المياه لم تصلهم منذ ثلاثة أسابيع!

مكثت في عمان أسبوعان, و بكل تأكيد لا يعقل أن أسرد مدة طويلة كهذه في مقال واحد! انتظروني في المقال القادم بإذن الله تعالى

دامت الأخلاق زينة لنفوسنا

  1. مايو 3, 2010 الساعة 13:39

    ما طاوعني قلبي شوف صفحة لإلك بدون تعليق
    مذكرات رائعة, من شاب أروع

    أخي عبد الرحمن
    لا حرمنا الله منك

    و فعلا كما قلت
    دامت الأخلاق زينة لنفوسنا

    لا هنت

    • مايو 7, 2010 الساعة 23:36

      تسلم, انت الافضل… بصدق
      أشكرك, تحياتي🙂

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: