قادم… الجزء السادس من المذكرات

بسم الله الرحمن الرحيم

قادم… الجزء السادس من المذكرات

كما بدأت في الجزء الأول بكتابة مشواري من القدس إلى جدة, و وصلت في الجزء السابق إلى إتمام متطلبات طبع التأشيرة. وقفت عند قصتي مع الحافلة لأبدأ رحلتي إلى جدة. بعد أن أنهيت الحجوزات, قمت في اليوم التالي مبكراً (قليلاً) على أساس أن أكون أمام المكتب الساعة الحادية عشرة إلا عشرة. ودعت ابن خالتي على عجل بعدما ساعدني على حمل الحقائب إلى سيارة الأجرة التي أوقفتها مسبقاً, استقليت التكسي و انطلقت على بركة الله داعياً دعاء السفر و سائلاً المولى التوفيق و التسهيل.

وصلت إلى مكتب السفريات, و كان يبعد حوالي 20 كيلو متراً عن البيت. نزلت إلى المكتب و أعلمتهم أنني الشخص الذي تكلم معهم الفرع الآخر بشأنه في اليوم السابق (هناك فرع للمكتب في العبدلي, و محطة الانطلاق موجودة في القويسمة على شارع مأدبا), و هناك سألني الموظف “كم اتفقت مع المكتب على سعر التكسي” فأخبرته, و سلم السائق أجرته و أخذ هو الباقي (سيكون هناك بعد قليل قضية مرتبطة… ) ثم نقلت حقائبي إلى التكسي الجديد. ما إن تحركنا من ساحة الشركة حتى نطق السائق “انت عارف… ممكن تكون الطريق زحمة و في ناس كثير على الحدود… و هيك رح يضيع وقتي… إذا تأخرنا لازم “تكرمنا”, شوفة عينك كيف ما باخذ إلا أجاري و الباقي للمكتب…” إلخ من دواوين سائقي التكسي المعتادة. عمر السائق ربما يناهز الستين, و يعاني من ضعف نظر و عليه أن يضع نظارة للقيادة… لكنه لم يفعل! و كان يقود بسرعة عالية, ما دلني على ضعف نظره (قصر نظر) أنه كان لا يلاحظ الأجسام البعيدة (مثل السيارات أو الأشخاص على جنب الشارع) إلا عندما يقترب منهم, و كذلك الأمر بالنسبة للحفر و الأجسام الموضوعة عندها لتنبيه الناس. القيادة في الصحراء كل هذه المسافة الممتدة… تحرك في الشوق للقيادة و لامتلاك سيارتي الخاصة عندما أصل لجدة و قيادتها على الطرق التي لا تنتهي! لكن مع الأسف فإن كل هذه الأفكار ظلت تنقطع و تتلاشى كلما فتح سائق التكسي فمه بالنصائح و غيرها, هناك شيء عجيب حول كبار السن (ليس كلهم, لكن كثير منهم) هو أنهم يستمرون “ينصحون و ينصحون” و كأن من أمامهم صغيراً ولا يعرف, أو لا يحسن التقدير لنفسه. مع بعض الكبار أحس فعلاً و كأنني ولدت البارحة و “لم أر الدنيا” بعد على حسب تعبيرهم, صحيح أن لهم زمناً طويلاً على وجه البسيطة لكن هذا لا يعني أنهم الذين جربوا و من دونهم في السن لم ير شيئاً ولا يحسن التقدير, أو لا يعرف كيف يتعامل مع الأمور, أو كيف يحافظ على نقوده و غيرها من الأشياء المزعجة التي تشعرك فعلاً بأنك تخرج من بيتك لأول مرة في حياتك!!

وصلنا الجانب الأردني من الحدود و سارت الأمور على ما يرام و بكل سهولة, و بعدها الجانب السعودي. الحدود تتكون من عدة مراحل و فحوصات, فأولاً هناك الفحص الأولي على الوثائق ثم بعدها الفحص الدقيق على الحاسوب. هذه المرحلة هي التي جعلوني أدفع مبلغاً و قدره للتكسي كي لا أؤخر الحافلة فيها, لكن اتضح لي أن العملية كلها ليست أكثر من عشرة دقائق فقط! عشرة دقائق لا يستطيعون الانتظار فيها كلفتني مبلغاً كبيراً من المال و مقداراً كبيراً من الوقت… شغل عرب! في هذه المرحلة قام الموظف بأخذ بصماتي و صورتي, و سأل بعض الأسئلة أذكر أن أولها كان “لماذا قدمت إلى السعودية؟” فأجبته “كيف… ؟” و هي باللهجة العامية تعني مثل ماذا قلت, لم أفهم إلخ. فرد الموظف متعجباً “كيف؟!! جئت إلى السعودية للكيف؟!” و الكيف يعني المرح و بشكل أخص تطلق على من يتعاطى المخدرات و “يكيف” أي يصل لحالة نشوة و “كيف”, و هنا تداركت خطأي بسرعة قبل أن تتسرب إلى عقله أفكار أخرى و قلت “قصدت ماذا قلت, لم أفهم… !” فأعاد علي السؤال و أجبته بأنني قدمت للدراسة🙂

طبعاً كل هذه المدة و سائق التكسي يفعل بي كما يفعل الأب مع ابنه الصغير, اذهب هنا… تعال تعال بسرعة… الان انتظره هنا, و ظل يلاحقني بهذا الشكل المزعج حتى أن الموظف نفسه تعجب و سأل هل أنت ولي أمره أو مسؤول عنه؟! بعدما خرجنا من نقطة الفحص الحاسوبي وصلنا إلى فحص الأمتعة, طلب مني الضابط المسؤول أن أنزل حقائبي من السيارة و أضعها على طاولة الفحص ثم أفتحها, و فعلت ذلك. ثم عاد إلي بعدما انتهى من تفتيش حقائب أخرى و قال لي “ظب أغراضك و الله معك”, لم أناقش, فمن يحصل معه كل هذا التوفيق و التسهيل و يعترض؟! بعد نقطة الأمتعة هناك نقطة الفحص النهائية و هناك يفحص الموظف إذا ما كانت كل أوراقنا سليمة و أننا مررنا بالفعل على كل النقاط ثم ندخل الحدود السعودية, ثم دخلنا رسمياً إلى الأراضي السعودية!

أوصلني السائق إلى الاستراحة بعد الحدود, حيث كان يجب أن ألتقي بالحافلة القادمة من عمان هناك و أكمل رحلتي إلى جدة. هناك في الاستراحة جلست حوالي الساعتين أو أكثر قليلاً انتظر وصول حافلتي, أكلت في الاستراحة في حياتي لم آكل وجبة أرخص منها و مع ذلك كانت بحجم عائلي و لذيذة! و لكني بعدما استقررت في جدة اكتشفت أن سعر الوجبة أيضاً مرتفعاً!!! أنا كنت معتاداً على ثلاثة أضعاف هذا السعر على ساندويش شاورما و ليس على وجبة أرز و لحم!! بعد زمن طويل مر علي لحظة بلحظة جاء الباص, و قابلت أول رجلين سوريين لئيمين في حياتي! أعرف مجموعة من السوريين, و ليس من طباعهم العامة اللؤم أو الفظاظة, و لكن هذان السائقان غيرا المفاهيم!

وضعت حقائبي في صندوق الحافلة, و صعدت لأجدها شبه فارغة! قمت بالحجز على شركة من درجة رجال الأعمال, و طبعاً هناك فرق كبير بينها و بين الشركات العادية الأخرى. سواء من ناحية المقاعد و حجمها أو نوعية الحافلة و التكييف فيها, كانت ممتازة جداً و سعرها ممتاز جداً أيضاً و مواعيدها مناسبة. معادلة نادرة للسفر!

سأكمل بإذن الله تعالى بقية الطريق إلى جدة, 18 ساعة بدون توقف, في الجزء القادم. دمتم سالمين و لأحباءكم قريبين.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: