قادم… الجزء السابع من المذكرات

بسم الله الرحمن الرحيم

قادم… الجزء السابع من المذكرات

مرت ستة أجزاء من هذه السلسلة, و لم يكن في حسبتي أن تطول هكذا! وصلت عند دخولي الحدود السعودية و بداية رحلتي الطويلة فيها, 18 ساعة بلا توقف معظمها ليلاً. كانت تبدو مشوقة بالنسبة لي, و هي كذلك, لكن مع وجود عدد كبير من الناس تفقد متعتها. في الطريق بدأ سائق الحافلة بالمرور على مكاتب سفر صغيرة على الطريق, و بدأت الحافلة تمتلئ نوعاً ما. كانت أول محطة لنا بعد الحدود بعد ساعتين, و هي بالنسبة لي قصيرة و لكن لم خرجوا من عمان مباشرة طويلة. ثم بعدها محطة على الساعة العاشرة مساءاً, كانت طويلة بعض الشيء. نزلنا و تعشى بعض الناس, آخرون فضلوا الاقتصار على الحليب المنكه و فطائر الـ “لوزين” اللذيذة! كانت محطتنا التالية بعد أربع ساعات, و أخذني النوم حتى ذلك الحين. و صراحة فإنها لم تكن “نومة” بالمعنى الحقيقي, فلم يكن معي وسادة و وعورة الطريق تمنع أياً كان من النوم عميقاً!! باختصار, إذا كنت تبحث عن الراحة لا تأخذ الحافلة مهما كانت فخمة! الخيار مفتوح لمحبي التأمل🙂

في الطريق ليلاً فتحت النافذة لأنظر إلى المنطقة حول الحافلة و رأيت منظراً جميلاً, كانت السماء صافية جداً ولا غيوم فيها, النجوم تلمع في السماء و تتلألأ كأنها عقود من الدر أو الجمان. منظر جميل جداً لا ينسى, ولم أكن معتاداً على مثل هذه المناظر في القدس. لا يوجد عندنا مثل هذا الأفق الممتد و السماء التي تصفو بهذا الشكل! دائماً هناك غيم في السماء, و لن ترى النجوم واضحة هكذا حتى في أصفى أيام الصيف!

ثم نظرت إلى الشارع, و في البداية لم أتمكن من رؤية شيء لعدم وجود إنارة في الشوارع و لكن كنت أرى الإطارات الممزقة على جنب الطريق على أضواء السيارات القادمة. كثرة الإطارات و حالتها المزرية هذه تدل دلالة عميقة على حالة النظام في الشوارع و مدى صرامته. أغلبها إطارات شاحنات, و إطار الشاحنة غالباً ما يتمزق من الحمولة الزائدة أو السرعة العالية أو السير لمدة طويلة. أية واحدة فيهم ليست جيدة و تعني عدم الالتزام بقانون ما, و تشكل خطراً كبيراً على حياة المسافرين في الطريق. انفجار الإطار قد يعني لا سمح الله انقلاب الشاحنة بحمولتها الثقيلة و ما ينتج عنه من تصادم للسيارات أو سحق للسيارات المجاورة تماماً للشاحنة. و لكن بالمناسبة, فإن حالة الشوارع في السعودية وضعها أفضل من شوارع الأردن بشكل عام كطريق (اسفلت و تخطيط).

بعد هذا الليل الطويل وصلنا فجراً على مشارف المدينة المنورة و صلينا في مسجد على الطريق, و بعد ساعتين تقريباً وقفت الحافلة أمام بوابة جامعة طيبة (على الحدود الخارجية للمدينة) و كانت هذه محطة النزول للمتوجهين إلى طيبة. وصلت مشارف جدة الساعة 11:30, و أخيراً جدة!! كان شعوري خليطاً بين الفرح و الترقب, فرح لأني وصلت جدة بعد الانتظار مدة قاربت نصف السنة, سأبدأ الآن دراستي. و كنت قلقاً بشأن الفصل الأول الذي تأخرت عنه و السكن. وقفنا على إشارة ضوئية, و هناك رأيت أول شخص يقطع الإشارة الحمراء بشكل “قانوني”! حيث أن الناس في جدة مقتنعون أن إشارة المرور لا تسري على الملتف إلى اليمين, و هو أمر فيه بعض الصحة لكن ليس بالشكل الذي في جدة. في القدس لا تسري الإشارة إذا كان هناك طريق فرعي صغير قبل المفترق يؤدي بك إلى خليج صغير تنتظر فيه قليلاً إلى أن تسنح لك فرصة الإندماج مع الشارع, في جدة يقطعون الإشارة و يلتفون إلى اليمين قاطعين طريق الآخرين القادمين باتجاه الشارع.

اتصلت مع اخوة في جدة قبل قدومي و في الحقيقة لم يقصروا أبداً, و جاء أخ عزيز و استقبلني في محطة الوصول. و أخذني إلى الكلية و ساعدني في أموري هناك, يمكنني أن أقول أنه لولاه لضعت في أول أيامي في جدة إذ أنني لا أعرف أحداً هنا!

الكلية و جدة هذا موضوع آخر تماماً! وصلت الكلية, و كنت أرسم صورة لها في ذهني بالتنظيم و الترتيب و الإدارة القوية المتماسكة. كل هذا لأن الدكتور طارق السويدان يقدمها على قناته الرسالة و يتعاون معهم في برنامج “الفرسان”, و بعد أن تعرفت إلى الدكتور طارق و عرفت منهجه قلت في نفسي أنه لا يمكن أن يتعاون هذا التعاون مع كلية لو لم تكن على المستوى الذي يرقى لرؤيته و طموحه. الكلية باختصار هي كلمتين: دراسة ممتازة و إدارة تعبانة! التفكك الإداري في الكلية يرجع إلى أنهم يتبعون النظام “مركزي – لا مركزي”!! أي أنهم يحاولون جعله لا مركزياً و مرناً لكن المسؤولين الكبار لا يعطون صلاحيات للمسؤولين الأصغر منهم و بالتالي فكل شيء يجب أن يرجع للمسؤول الكبير, فما هذه الـ “لا مركزية”؟!!

كانت أولى مشاكلي في الكلية هي الفصل بين الجنسين, فلا هم يفصلون تماماً بينهم في المرافق و الإدارة و المصالح, و لا يخلطونهم معاً! فنجد أن هناك دائرة لشؤون الطلاب, و أخرى للطالبات, و في نفس الوقت فإن شؤون الطالبات مسؤولة عن قسم من شؤون الطلاب! و كذلك بالنسبة للقاعات, فهناك قاعة كبيرة للشباب و أخرى للبنات, و لكن الجميع يحضر المحاضرات إما في قاعة الشباب أو البنات (يعني أن المحاضرة تشرح للجنسين في نفس القاعة) فما هي فائدة وجود قاعتين؟! ثم إن هناك موضوع البروفيسورات, هناك فصل حتى بين المدرسين و المدرسات, و لكن المشكلة مرة أخرى هي أن الدكتور أو الدكتورة مسؤولة عن المادة لكلا الجنسين, و لو أن شاباً يريد أن يستفسر عن شيء من الدكتورة فعليه أن يذهب إلى قسم البنات. و الدخول إلى قسم البنات يعني محاولة الدخول إلى الحرام ولا المؤاخذة! يجب أخذ موعد قبل يوم أو اثنين مع الدكتورة لكي تقوم الدكتورة باخبار الحارسة بأن لدي زائراً في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية, لا يمكنك أن ترى الدكتورة إلا إذا وافقت الحارسة على إدخالها! أين المشكلة في الموضوع؟ المشكلة هي أن الجميع في قسم البنات محجب و يلبس الزي الكامل, فلماذا لا تقتاد الحارسة الشاب إلى غرفة الدكتورة مباشرة, لماذا يجب حجز موعد؟ سواء أحجز موعد أم لم يحجز لن يتغير وضع البنات و “يتحشموا” زيادة, و قد يقول البعض أن الدكتورة تحتاج لأن تتفرغ, و لكن ليست هذه المشكلة فمن ناحية الدكتورة لا مشكلة في رؤيتها في أي وقت كان. المشكلة هي الدخول إلى قسم البنات بحد ذاته!

بصراحة لقد سئمت من هذا الفصل الغبي! المشكلة هي أن هذا الفصل لا يزيد الوضع إلا سؤاً, فمع كل هذا الفصل فإن نسب التحرش عالية. و “الترقيم” و الغمز (يعني إعطاء رقم الجوال أو محاولة أخذه من الفتاة) منتشر و المحترم هو من لم “يرقم” في حياته سوى مرة أو اثنتين!! و في دول أخرى لا فصل فيها لا توجد كل هذه المصائب!

علينا أن نتطور قليلاً عن عقلية العصر الاسفلتي, لا يعقل أن نشتري أدوات العصر الواحد و العشرين و نستخدمها باستخدامات العصر الحجري! لا يعقل أن نشتري أفخم السيارات و نأكل أغلى طعام و تفكيرنا ما زال واقفاً و متعلقاً بأيام الخيمة و الجمل!! إما أن نتعامل تعامل الخيمة و الجمل, أو أن نتعامل تعامل القرن الواحد و العشرين. تعامل الخيمة كان يجدي عندما كانت الخيمة هي كل ما يعرفه المجتمع, أما الآن فقد صرنا نعرف أشياء كثيرة لم نكن نحلم بمعرفتها أيام الخيم و الجمال. ليس الموضوع خيمة و جمل (مجرد مثال و قياس), الله يرضى عليكم كبروا تفكيركم شوي!

دام العقل تاج رؤوسكم

  1. أغسطس 4, 2012 الساعة 22:15

    أخي عبدالرحمن الله يصبرك , و أعلم أن تعليقي جاء متأخر السنتين و كم شهر بس يادوب إكتشفت مدونتك الرائعة و عجبني وصفك لليلة الصافية و النجوم و لا أقول إلا ما قال المعري : ” ليلتي هذه عروس من الزنج عليـهـا قـلائــد مـــن جـمــان ” و بلغ سلامي لأهلي في فلسطين.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: