امتحاناتنا!

بسم الله الرحمن الرحيم

امتحاناتنا!

لا أدري ما الذي حصل لي هذا الشهر و الشهر السابق, لم تعد الكلمات تنساب من ذهني انسياباً, و لا المواضيع تتلاحق في رأسي. هذا هو السبب في انقطاعي عن الكتابة في الفترة الأخيرة, و لعله خير إن شاء الله.

موضوع اليوم خطر على بالي بعد موجة الاعتراضات التي ملأت الصحف و مواقع الأخبار, خاصة المصرية منها, عن “مجازر” وزارة التربية و التعليم المصرية على حسب وصف عدد كبير من تلك المواقع. و المقصود هنا هو امتحانات الثانوية العامة المصرية, و المجازر كلمة للمبالغة في وصف صعوبتها.

تذكرت حينها مقاييس الامتحان و الاختبار في وطننا العربي الواسع! نظام العلامات, و نظام أنه من الطبيعي أن تحصل ما نسبته 99.9% من الطلاب على العلامة الكاملة 10/10! بصراحة, هذا الشيء لم أسمع عنه في غير البلدان المتأخرة, و بلادنا العربية تشكل شريحة بارزة فيها. يفترض بالامتحانات أن تظهر تقييماً لفهم الطلاب يمكن قياسه كمياً, و هو ما لو أخذنا به فيجب أن نخرج بتدرج يبدأ من اللاشيء إلى الفهم التام أو شبه التام. هذا الكلام يعني أن هناك توزيعاً طبيعياً للطلاب و للبشر بشكل عام, في قعر المنحنى هناك بطيئوا الفهم, في المنتصف الأغلبية و أعلاه المميزون. لكن عندنا أرى شيئاً مثل شخص يحصل على تقييم 100% في امتحانات نعاملها على أساس أنها المسار الذي يقرر سيرنا في حياتنا فهذا شيء جداً يستحيل! هل يعقل أن هناك في الدنيا من حصل العلم كله؟! هل هناك من فهم فهماً تاماً كل مواضيع الكتب التي درسها؟ يستحيل, و أنا لم أترك مقاعد الثانوية العامة من بعيد.

المشكلة هي في تفكيرنا نحن. عندما كنت صغيراً, كنت أرجع إلى البيت سعيداً إذا حصلت على علامة كاملة (هذا الكلام في الصف الأول ابتدائي و بعده بسنوات قليلة). الحمد لله كنت متفوقاً في صغري, من الناحية الأكاديمية, و كنت ذكياً كما يقول لي كثير من الناس, و إن شاء الله أن أكون ما أزال. في يوم من الأيام, عدت إلى البيت و معي ورقة مكتوب عليها 9.5/10, ردة الفعل كانت “كنت تقدر تجيب 10, ليش جبت 9.5؟!”!! مع أنني أحب والدي و عائلتي كلها, لكنني لا أتخيل خيبة ولد صغير عمره قرابة العشر سنوات درس في اليوم السابق و لم يخرج ليلعب لأن “عنده امتحان” ثم مكافئته من أهله هي “كنت تقدر تجيب أحسن”!

أعتدت في صغري أن أدخل إلى غرفة المكتب في بيتنا, أغلق الباب ثم أضع كتبي على الطاولة لأبدأ دراستي. و لكن بعد فترة أترك الكتاب من يدي و أتناول كتاباً من المكتبة و أقرأه بدلاً من امتحاني! كنت كثيراً ما أقرأ كتباً في نفس موضوع امتحاني, ثم أجيب المطلوب مني في الامتحان و لكن ليس بكلمات كتاب المقرر و انما بكلامي أنا حسب ما فهمت الموضوع. كانت غالباً نتيجة الامتحان تكون ناقصة علامات لأن الإجابات لم تكن كما أملى علينا الأستاذ في الحصص, و ليس كما صف مؤلف المقرر الإجابة في كتابه. المحصلة التي “فهمتها” بعد عدد من الامحتانات ناقصة العلامات هي “لا نريد طالباً يفهم و يعي, نريد آلة تصوير تنسخ و تطبع”! و مرت السنين, و حان دوري “لأقرر مصير حياتي”. ليس الكلام حول خطط المستقبل أو القرارات المؤثرة في مسار حياة شخص عاقل, و لكنه يدور حول امتحانات الثانوية العامة, التوجيهي, و هي حالة مرضية تصيب الطلاب لمدة سنة من الضغط النفسي و استنزاف القدرات العقلية للطلاب (إذا بقيت منها بقايا), و تصيب كل المجتمع فترة شهر أو يزيد هي فترة ذهاب الطلاب لأداء امتحاناتهم. كل البلد يتحول إلى “امتحانات”, و فعلاً فإن آخر ما يريده طالب ثانوية عامة هو شخص يسأله بكل بلاهة عن أداءه في امتحاناته “المصيرية”!

كانت الرسالة التي تلقيتها طوال سنوات دراستي في المدرسة هي “لا تقرأ, و ابصم”! النظام التعليمي في كل الدول العربية لا يحفز الطلاب على القراءة أو “التعلم”, إنما فقط يعود على حفظ مصفوفة كلمات لا يطلب منك فهمها بتاتاً و كل ما يجب عليك فعله هو تذكرها و كتابتها على ورقة امتحانك. سهلة!

أذكر جيداً مجموعة من زملائي كانوا فعلاً أذكياء و متفوقين بشهادة الجميع, تحولوا إلى مجموعة من الطلاب في قعر المنحنى التحصيلي. و أنا كذلك لم أبق على رأس المنحنى, نزلت إلى المستوى “العام”! لكن هذا كله بحسب التصنيف “النسخ لصقي”, و أنا الآن في الجامعة أحمد الله على كل الأوقات التي “أضعتها” في قراءة كل تلك الكتب بدلاً من قراءة مقرر سخيف معلوماته قديمة. العلم كنز لا يفنى و المعرفة هي أقوى سلاح.

جزء من المشكلة أيضاً كان “المشارطة”. كنت دائماً أطلب الأشياء من أبي و أمي, مرة جهاز موبايل و مرة دراجة هوائية, و هكذا كل سنة شيئاً ما! و كان هذا الجواب من أهلي غالباً أن يكون تحقيق هذه الرغبة مربوطاً بحد أدنى من المجموع النهائي في تلك السنة, يعني مثلاً “احصل على 95 و سنلبي لك رغبتك”. هذا الأسلوب كان أيام صغري إلى مراهقتي, الحمد لله الآن أنا “كبرت” و لم يعد يصلح هذا الأسلوب معي🙂 . إلى كل الآباء الذين يقرأون هذه السطور, و كل من سيصبح بإذن الله أباً, و كل من ستصبح أماً (مميزين إن شاء الله تعالى): لا تستخدموا هذا الأسلوب! هذا الأسلوب يحول النظر عن الهدف إلى المحصلة, فتتحول المحصلة إلى هدف. الهدف كان التفوق و الفهم (أساساً), فصار الهدية أو “المكافئة”. هذا الأسلوب غالباً يؤدي بالطفل إلى عدم تحقيق المستوى المطلوب المشترط.

النقطة الثانية في “مشكلة تفكيرنا” هي أننا لا نتقبل أن يكون الطالب كما هو, صحيح أن كل والد و والدة يريدون أن يكون ابنهم متفوقاً لكن يستحيل أن يكون كل المجتمع متفوقاً! لا نتقبل مستوى الذكاء الذي فيه الطفل. لم يخلقنا الله جميعاً أطباء و مهندسين, من سيكون النجار و الحداد و سائق التكسي إذن؟! و هناك عدة أشكال للذكاء كما يؤكد العلم النفسي, فهناك الذكي علمياً, و هناك الذكي اجتماعياً و يعرف كيف يتعامل مع الناس, و الذكي عملياً فلا يصعب عليه أي عمل ينجز باليدين. و هناك من يجمع بين عدة مستويات منها. أريد من الأهل و المعلمين جميعاً أن يؤهلوا الأبناء لمستقبلهم أياً كان, و لنضع في بالنا أن العيب ليس في أن يكون الولد سائق تكسي أو فني صيانة. بل العيب أن يكون الولد فني صيانة لا يتقن عمله, و سائق تكسي لا أخلاق عنده. العيب كل العيب أن ننتج أفراداً لا يتقنون ما يعملون! يعني كما نقولها بالعامية, الولد طالع كذا طالع ليش ما نساعده يكون مميز فيها؟! بالمناسبة, الطب ليس صعباً كما يتخيله الناس لكنه يحتاج إلى جهد و مثابرة, فقط. قليلاً من $$ أيضاً🙂

في نهاية الموضوع, ألخص المهم: يجب أن تتغير طريقة نظرنا للامتحانات و المدرسة. يجب أن تتغير طريقة تعاملنا مع من حولنا في ما يتيسر لهم و يحبونه, إذ أنه لا معنى لشخص أنهى دراسة الطب و هو يحب الهندسة “لا منه ولا من طبه” كما يقال. نظام التقييم و النظام التعليمي ككل يجب أن يتغير و يتطور, نظام العلامات صار بالياً و غير دقيق. بنظري فإن نظام الـ A B C أفضل, إذ أنه يصنف الطالب حسب موقعه على المنحنى و بالنسبة لبقية أقرانه و ليس بالنسبة لنقطة ثابتة قد يزيد بعدنا عنها أو يقل. لأن المميز سيكون متميزاً عن أقرانه حتى لو كانت علامته منخفضة (و كذلك المستوى العام للعلامات), فيأخذ “ممتاز” بالنسبة لمن هم في جيله أو بالنسبة للمنهاج التعليمي و زملائه.

دمنا كلنا متطورين متقنين.

  1. يوليو 8, 2010 الساعة 03:55

    مشكلة التدريس عندنا في السعودية تقوم على التلقين حيث يقوم الطالب قبل الإختبار بحفظ الكتاب و الملخصات ثم أثناء الإختبار يقوم بتفريغ المعلومات في ورقة الإجابة و بعد الإختبار ينسى معظم المعلومات

  2. يوليو 8, 2010 الساعة 23:00

    هذه فعلاً مشكلة, و هي مشكلة أكبر عندما نرى طلاب الطب يحملون معهم هذه الطريقة إلى كلية الطب. فيطلبون من الدكتور تحديد “المطلوب” من المادة و “كيف” سيأتي الامتحان!!
    أنا أتعجب جداً من هذه النوعية من الطلاب, فالأصل أن أي طالب جامعي و خاصة طالب الطب عليه أن يدرس كل المعلومات المتعلقة بتخصصه ليس من أجل الامتحان بل من أجل تخصصه هو و عمله في المستقبل

    كل مشكلة و لها حل, و لكن يجب أن يقتنع الناس بتطبيقها

  3. OT hers cann OT
    أغسطس 8, 2010 الساعة 00:00

    مشكلةُ الامتحانات مشكلة حقيقيّة .. ولم تعد متوقّفةً على الأهل والمعلّمين

    بل على الطلابِ أنفسهم .. أولئكَ الذينَ يعتادونَ بلوغَ محصلاتٍ عاليةٍ حقّاً بالحفظِ البصمِ فقط

    ثمّ يجعلونَ مِنَ الآخرينَ الذينَ يتحرّونَ في مذاكرتِهم الفهمَ والإتقان .. مجرّدَ أضحوكة

    أناساً في مؤخّرةِ الرّكب .. لا دورَ لهم سوى تلقّي الفشلِ إثرَ الفشل .. بروحٍ ريّاضيّة

    لا يقتصرُ هذا على أيّامِ المدرسة .. فالأمورُ في الجامعةِ أسوأُ حالاً .. وأعقد !

    وحتّى حينَ يحاولُ أحدُ مدرّسي الكليّةِ أن يخاطبَ عقولَ الطلبةِ قبلَ أن “يحدّدَ مقرّراً” للمادة

    فهذا يدفعُ الكثيرينَ للشكوى وقد يؤدّي بإدارةِ الجامعةِ لتقييدِ صلاحيّاتِ المدرّس !

    الوضعُ ليسَ بهذهِ البساطة .. يحتاجُ الأمرَ لكثيرٍ منَ الإصلاح

    إنّما لا نفقدُ الأمل .. وكما قلتَ حضرتك ..

    على آباءِ الجيلِ القادمِ ومعلّميه تقعُ المسؤوليّةُ القادمةُ في تصحيحِ ما سلف !

    جزيلُ ودّ

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: