طيارة الورق

بسم الله الرحمن الرحيم

طيارة الورق

لا زلت أذكر تلك الأوقات عندما كنت طفلاً صغيراً, كانت لعبتنا المفضلة هي الطيارة الورقية. الطيارة (أو الطائرة) الورقية عبارة عن إطار خشبي مدعم بالخيوط, و على وجهه قطعة بلاستيك أو ورق جرائد. تربط بخيط طويل و نترك الريح تحملها عالياً في السماء. ما أجمل تلك الأيام🙂.

لم تكن الطائرة الورقية في تلك الأيام مجرد شكل سداسي يطير في الهواء, لقد كانت منافسة بين أطفال الحارة. كنت كثيراً ما أقضي فترة الظهر مع أولاد عمي لنصنع طيارة ورقية؛ أولاً نربط الأخشاب, ثم نربط الإطار و نثبته جيداً. ثم الذيل, ميزان الذيل كان أصعب ما في الطيارة. لقد كانت “هندسة” الطيارات الورقية منتشرة جداً, و كان لها خبرائها. هناك الخبراء بعمل الميزان, و هناك الخبراء بتقدير طول الذيل, و لكل حجم حساب! كلما كبرت الطيارة زاد طول ذيلها و كبر ميزانها, نمسك عقدة الميزان و نقيسها بالنسبة لزاوية الإطار السداسي! هندسة!

لم تكن طائرة الورق هي مجرد ذاك الخشب الذي يطير مع الريح, لقد كانت العمل الجماعي, كانت الجلسات تحت معرش العنب المورق, كانت فترات الطفولة المتهورة! كنا نذهب إلى أماكن جديدة كل مرة بحثاً عن مكان أعلى لنصل إلى ارتفاع أكبر في السماء و نكسب لقب “خبراء الطائرة الورقية” في الحارة! كانت أياماً و لن تعود.

في هذه الأيام قلت طائرات الورق بشكل كبير, و لم يعد يعرف أحد كيف يصنعها. و إن وجدنا طائرة في السماء فإنها غالباً ما تكون طائرة “صينية” مصنوعة للبيع بشكل تجاري, كل ما عليك فعله هو تركيب القطع معاً… و فقط! لم يعد الأطفال هذه الأيام يخرجون خارج البيت ليشاكسوا في الحارات, و هذا شيء ليس جيد إطلاقاً! المشاكسات في الحارات تكسب خبرات لا متناهية, و أعني ذلك و ليس فقط مجرد تعبير. فترات اللعب هذه قد تكون مزعجة لسكان الحي, لكنها مفيدة و ضرورية لنا, هي الفترة التي نذهب لنكتشف “دخلة” جديدة في الحارة و نكتشف إلى أين تؤدي. و في ذلك الوقت كنا نصعد درجات البلدة القديمة و بلدة سلون المجاورة و ندخل الأزقة لنجد أنفسنا في مكان جديد, و نتعلم طريقاً جديدة توصلنا لبيتنا أقصر من الطريق العادي!

هذه الأيام لا يوجد دافع للأطفال ليخرجوا من البيت, فعندهم ما لا يحصى من القنوات التي تبث على مدار الساعة. و في طفولتي لم تكن هناك سوى قناة واحد أو قناتين, تبث في فترة الصباح مسلسلاً واحدة, و في فترة الظهيرة مسلسلاً آخر… و فقط! باقي النهار كانت هناك برامج لا تشد اهتمامنا فنخرج لنبحث عن مغامرة جديدة. كانت ألعابنا عبارة عن “غميضة” (لعبة اختباء و بحث) و “زقطة” (هروب و إمساك) و “صنم” (لعبة التجمد), و كان عندنا جهاز اسمه “أتاري” و هو مثل البلاي ستيشن لكن بشكل بدائي أكثر بكثير, و لم يكن عندنا سوى شريط واحد لها هو “سوبر ماريو”! كنا نركب الدراجات الهوائية و نتسابق, لم يكن كل الناس يملكون سيارات و كانت الدراجة وسيلة قضاء حوائجنا أيام الصيف. نذهب إلى النادي بواسطتها, أو فقط نخرج لركوبها!

كل هذه المعاني فقدت في هذه الأيام, و صارت العطلة الصيفية هي الجلوس أمام التلفاز طوال النهار, و في بقية المساء اللعب على الكمبيوتر!

أقدر أن لكل زمن نشاطاته و ألعابه, و لكل زمن تعامله. لكن جلوس الأطفال هكذا كل اليوم يتشربون الدعايات التي يرونها في قنواتهم المفضلة, و الشخصيات الكرتونية السخيفة (الله يرحمك يا عبسي, و الله يسهل عليك بابا سنفور) شيء غير صحي. و أنا متأكد أن قلة الحركة هذه في فترة الطفولة لهي شيء مضر بأجسامهم في المستقبل. هذه المشكلة تزيد عندما لا يكون هناك وقت دوري يجتمع فيه أفراد العائلة الكبيرة معاً, فالأطفال الذين ينتمون لعائلة صغيرة لا يجدون الكثير من أقرانهم ليلعبوا معهم. و الأطفال الذين يعيشون في شقق هم فعلاً في مشكلة و أنا جربت هذا شخصياً لما كنت صغيراً و انتقلنا من “حوشنا” (تجمع لعدة بيوت, عادة عائلة واحدة كبيرة, داخل سور واحد لها ساحات مشتركة و عادة بستان) إلى شقة في عمارة. كان الوضع مزعجاً جداً!

لا حلول عملية لدي لهذا الموضوع (كسل الأطفال), و ليس من الحكمة حرمانهم من التلفاز و الكمبيوتر. و أيضاً ليس من الحكمة إجبارهم على الخروج إلى الخارج. ربما الحل هو بمشاركة الأب و الأم في نشاطات خارج البيت, كالذهاب إلى الحديقة العامة كل أسبوع. و ربما يجب على الأب أن يعلم أبناءه الألعاب البدنية التي كان يمارسها و هو صغير و يشاركهم في اللعب أيضاً.

بكل الأحوال, تلك الأيام ذهبت و لن تعود. و ستذهب أيام أطفال هذا الجيل و تأتي غيرها, و سيذكرون أيامهم و سينتقدون أيام أطفالهم! هكذا هي سنة الحياة, في تطور و تغير. و لن يعيش أحد عصر من سبقه.

دامت أوقاتكم مليئة بالمفيد, و لا هنتم.

  1. يونيو 24, 2010 الساعة 14:11

    خلص لكن
    بس اتخلص الامتحانات, شو رأيك نعمل طيارة ؟

    المصيبة..
    إنه لو لاحظت, الفترة الزمنية بين كل جيل و جيل صايرة صغيرة كثير
    يعني الفترة الزمنية بين جيلنا و الجيل القبلنا تقريبا من عشرة لخمسة عشرة سنة
    أتكلم عن وقت الطفولة يعني قبل عشر سنين
    و المقياس الفترة الزمنية تقاس بالاهتمامت و طريقة التفكير و روتين المعيشة
    و الفرق بين الجيل القبلنا و القبله أكبر بشوي و هكذا

    اما في زماننا الآن
    الفرق بين جيل و جيل, مع أخذ المقاييس نفسها صار أصغر و أصغر
    بيصل لخمس سنين, و أو حتى أقل
    لدرجة إنه صار ممكن اتلاقي عدة أجيال في عائلة واحدة
    التطور و عصر السرعة بيلعبو دور كبير
    و الأهم من هدون كلهم, طريقة المعيشة للأسرة الصغيرة الاستهلاكية

    صراحة ما بقدر زيد عن كلامك ولا كلمة لما قلت
    ” بكل الأحوال, تلك الأيام ذهبت و لن تعود. و ستذهب أيام أطفال هذا الجيل و تأتي غيرها, و سيذكرون أيامهم و سينتقدون أيام أطفالهم! هكذا هي سنة الحياة, في تطور و تغير. و لن يعيش أحد عصر من سبقه.”

    سلمت يداك حبيبنا عبد الرحمن

    • يونيو 24, 2010 الساعة 15:02

      الفرق مش كبير للدرجة هذي بينهم
      مش عشان الولد ابو الخمس سنين كان عنده بلاي ستيشن 2 و الولد ابو الثلاث سنين عنده بلاي ستيشن 3 يعني انهم من اجيال مختلفة. طريقة تفكيرهم واحدة تقريباً, و الأدوات الموجودة متقاربة (كلهم بيعرفوا ايش الانترنت و هكذا, عكس مثلاً واحد من فترة التسعينات يمكن ما يعرف ايش الكمبيوتر او كيف يستعمله)

      الجيل هو اكثر من اختلاف العمر, الجيل يشمل العادات و التصرفات و غيرها.
      نحن الآن في عصر الانترنت, كان في جيل التسعينات و قبله الثمانينات. كل واحد منهم جيل

      برضو الواحد في حياته بيعيش أجيال مختلفة, يعني احنا نشأنا في جيل نهاية الثمانينات بداية التسعينات, و بعدها عشنا النضج في جيل الانترنت

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: