أول يوم طب بشري

بسم الله الرحمن الرحيم

أول يوم طب بشري

ليس هذا أول يوم لي في كلية الطب, و ليس أول يوم لي حرفياً في جامعتي الجديدة. لكنها أول محاضرة علم أنسجة Histology.

دخل علينا دكتور مادة الأنسجة على الموعد المحدد في المدرج الخشبي الكبير, تفوح منه رائحة الخشب العتيق مختلطة برائحة الفورمالين من المعامل القريبة منه, يجلس فيه حوالي الـ 250 طالب و طالبة. منهم من يتحدث بحماس إلى من هو بجانبه, و منهم من جلس صامتاً ينظر إلى اللاشيء أو يسترق النظرات إلى الجنس الآخر. ثم دخل الدكتور, رجل في الثلاثينيات من عمره ربما, قصير القامة و لديه ساق أطول من الأخرى مما سبب له مشاكل أخرى في قامته. لم أذكر هذه الأشياء من باب الاسترسال في الوصف على عادتي أو للتقليل من شأنه, هذا الإنسان أعطاني انطباعاً منذ أن نظرت إليه بالهيبة و الاحترام؛ رجل هادئ متزن. و بعد أن أتم فريق التحضير مهامه من تجهيز لشاشة العرض و غيرها, تكلم هذا الرجل و أعطانا خلاصة كلية الطب و مهنة الطبيب. تكلم بكلام موزون رائع على بساطته و عاميته المصرية. تكلم فقال بما معناه:

“إن كلية الطب ليست مكاناً لمن يبحث عن الشهرة أو المكانة الاجتماعية, كانت هذه أول كلمة قالها, إن مهنة الطب مهنة إنسانية ليست مجرد مصدر للعيش و الرزق؛ فهدفها الأسمى و الأساسي هو التخفيف من آلام البشر و همومهم. إن من دخل كلية الطب فقط ليصبح “طبيباً” و يحمل شهادة الطب ليكتسب المكانة الاجتماعية أو غيرها من الأشياء مكانه ليس فيها, صحيح أن دراسة الطب بحد ذاتها نبيلة و صعبة, لكن الاختيار النبيل الذي يأتي نتيجة أسباب خاطئة لا يجعل اختيارنا صحيحاً. و سوق العمل ممتلئ بالأطباء, فلم يعد العائد المادي عالياً كما كان قبل سنوات طويلة. ربما ستحصلون كلكم على شهادات, و تنجحون في الاختبارات المطلوبة, لكن من سيبدع منكم و يتميز هو من يحب الطب ولا يتعامل معه على أساس أنه مجرد مهنة أو ينحصر داخل العيادة فقط. الطب أسلوب حياة كامل, و عندما كنت في مكانكم كنا نسميه قاتل المواهب, لما يتطلب من وقت و جهد كبيران يشغلان عما سواه. غداً إن شاء الله حينما تخرجون إلى سوق العمل ستتعلمون أن الطب ليس مجرد معاينة للمريض و كتابة وصفة للعلاج.”

و بعد بضعة ملاحظات و توجيهات بشأن نوع و طبيعة المادة, أكمل كلامه:

“في البداية ستكونون متحمسين لفحص كل حالة, و التعرف على مشاكل المريض و مساعدته بصدق و حرارة. مع الوقت و مع كثرة الحالات و اكتساب الخبرة ستبدأ حماستكم تقل, و سيصبح المرضى لديكم “حالات” و أرقام و ليس بشر يحسون و يشعرون. فتصبح آلم الحالات “طبيعية” إذا كانت موصوفة و معروفة في كتب الطب! إياكم و الوصول إلى هذه المرحلة, فإنما الطب هو الشعور بمعاناة البشر و الرغبة بمساعدتهم و التخفيف من آلامهم. حتى أسخف الأمراض و الأسئلة التي يسألها و يعانيها المريض عظيمة الشأن, الطبيب يفقد مع الوقت شعوره بالألم و تتخدر حواسه. كونوا دائماً على استعداد لمساعدة أسخف الحالات (برأيكم) لأنه ما من شيء أغلى من صحة الإنسان, ولا شيء أصعب على الإنسان من أن يكون محتاجاً للمساعدة و يلقى الرد البارد أو التجاوب الناقص. تذكروا أنكم في يوم من الأيام أنتم أو أحد أحبائكم ستستلقون على سرير الفحص تشكون للطبيب علتكم و ألمكم, فعاملوا المرضى كما تحبون أن تعاملوا.”

و شرع الدكتور بشرح أول فصل في كتابنا من ناحيته (للمادة دكتوران, كل واحد يشرح قسماً من الكتاب), و أسهب في الشرح و ما أظن أنه ترك أحداً لم يفهم. و أفرغ الدكتور ما عنده من علم في هذه المحاضرة و حانت ساعة انتهائها, فخرجت أتفكر في كلامه و أواصل سيري باتجاه الدرج لأذهب إلى المعمل تالياً على جدولي. و كان السؤال الجوهري الذي خرج به بعض الطلاب (طلاب العلامات و الشهادات, لا الفهم و الاستفادة)… دكتور, كيف حتيجي الأسئلة يعني؟؟!

  1. ali alshreef
    يوليو 9, 2011 الساعة 16:04

    بــــــــــــــاركـ اللهـ فيــــك وبكتورك الفاظل فقد وصف وماضني بأن هنالكـ مثل هذا الوصف عسانا نستفيد جميعا مما قاله تحياتي لكـ يا أخي

  2. dania
    مايو 24, 2013 الساعة 09:24

    جزاك الله خير❤

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: