التجربة القاهرية

بسم الله الرحمن الرحيم

التجربة القاهرية

مر شهر تقريباً على وجودي في مصر. بالنسبة لإنسان كان يعيش في مدينة ضيقة تعداد سكانها لا يتعدى الـ 750 ألف نسمة و انتقل للعيش قريباً من مدينة تعدادها يبلغ 20 مليون نسمة فهذا تطور كبير!

بداية, حاول العديدون أن يكرسوا الصور النمطية عن الشعب المصري, التي مع الأسف, نشروها عن أنفسهم بواسطة الأفلام. أو من خلال تعاملهم مع بعض الفئات التي لا تمثل بالضرورة كامل الشعب المصري. رفضت هذا الأمر رفضاً قاطعاً, و أنا أعلم تماماً أنه لا يمكنني أن أحكم على شعب يبلغ 70 مليوناً من خلال مجموعة من الناس لا تعتبر كسراً من هذا العدد الضخم.

و ما زلت يوماً بعد يوم أكتشف الشعب المصري و نمط الحياة المصرية, و حتى الآن الوضع جيد و ليس سيئاً جداً.

أول ما فاجئني في القاهرة هو امتدادها الواسع, كانت عندي فكرة أنها واسعة و كبيرة, لكن من شاهد على خرائط جوجل ليس كمن شاهد على أرض الواقع! قطعت مسافات داخل مدينة القاهرة نفسها لو قطعتها في فلسطين كنت وصلت من القدس لتل أبيب!

الأمر الآخر كان تعدد وسائل المواصلات و “فوضويتها” بعض الشيء, فحتى الدراجة النارية حولها البعض لمركبة أجرة, و سيارات البيك أب صارت تكاسي في بعض المناطق! و الباصات مزدحمة جداً حتى إنه لمن الطبيعي أن تركب “متعلقاً” بالحافلة! كل شيء يتغير بسرعة, و مواقف الحافلات و النقليات تتبدل رأساً على عقب خلال عشرة دقائق لا أكثر. الجميع يركب الحافلة و “يتشعبط”, و الجميع يركب الميكرو باص (Van) ليصل إلى وجهته, أو يستخدم الميترو تحت الأرض في الأنفاق ليصل للوجهات الأبعد.

لست منزعجاً من نمط الحياة القاهرية, بالعكس أشعر بأنها مدينة تنبض بالحياة جداً, الضوضاء و دخان السيارات و الازدحامات ربما تكون مؤذية لفئة من الناس, و بعضهم قد يأتي لينعى “البيئة” و يتباكى عليها و كيف أننا نقتلها, لكنها دلائل على نبض الحياة. المدينة تعيش من الفجر للفجر, ترتاح لسويعات قليلة لتعاود الدوران مرة أخرى في اليوم التالي.

هناك حقيقة عدة نقاط تثير الإعجاب في نمط الحياة بالقاهرة, أولاً المترو, وسيلة ذكية و رخيصة لقطع مسافات بعيدة. و هو بالمناسبة متطور و محطاته نظيفة و واسعة و ليس كما قد يخيل للبعض بأنها مهترئة و قديمة. واضح بأن الشركة المشغلة للميترو تهتم به جداً. الأمر الآخر أن وسائل المواصلات متوفرة جداً, تستطيع أن تصل إلى أي مكان تقريباً بالحافلات أو الميكرو باصات, أو بالتكاسي.

و لكن بالمقابل, هناك عدة ملاحظات في الموضوع ذاته. المواصلات فوق الأرض تحتاج إلى مزيد من التنظيم, المواصلات موجودة فليست هذه هي المشكلة, لكن المشكلة هي في المواقف و اللوحات الارشادية. تحتاج إلى مزيد من الجهد من بلدية القاهرة الكبرى. و الأمر الآخر هو الشوارع, و هذه لا أعتقد أن تتعدل بسهولة (بالمناسبة الوضع نفسه في كل الدول العربية التي زرتها مع الأسف) و هي طريقة القيادة. فلا حق للمشاة بتاتاً, و قطع الشارع عملية انتحارية حرفياً. و في الشارع هناك جبال يسمونها “مطبات”, شاهدت بعيني أحدها و ارتفاعه يفوق النصف متر!

القاهرة هي النيل, و هي جلسات الليل في المقاهي الشعبية. هي تجربة فريدة في زحام شوارعها, و هي زيارة مطعم في ضواحيها. للقاهرة تفسير خاص لكلمة سحر, فهنا يعيش البشر منذ أمد طويل ولا زالوا و سيستمرون. في القاهرة تجد الأهرامات و أبو الهول منتصباً يحرسها, و في القاهرة تجد الكتب و المعارض الثقافية المختلفة. و في القاهرة تجد نغمة الحياة و نبضها في أبواق السيارات و الحافلات المرتفعة, و فوق الجسور و المحاور العريضة التي تقطع نهر النيل. في جوامعها القديمة و جامعاتها العريقة.

على أية حال, القاهرة لا مدينة مثلها. أعجبتني جداً فكرة العيش فيها, بغض النظر عن كل المشاكل و المنغصات. أدعو الله أن يكون في عون أهلها و أن يبارك لهم في بلدهم. أعزنا الله و إياكم.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: