حامد بو رنان

بسم الله الرحمن الرحيم

حامد بو رنان

كم من أخوة و أحباء لنا نفتقدهم في حياتنا؟ نتذكر أيامنا معهم و حياتنا السابقة؟ واحد من هؤلاء, و هو واحد من قلة قليلة, في حياتي هو “حامد بو رنان”. عرفته منذ أن بدأت أعي ما يدور حولي, في سنوات طفولتي الأولى جداً. مرحلة سعيدة جداً في حياتي امتدت حوالي ستة سنوات لتبدأ بعدها فترة أخرى تميزت بتقلبات و تغيرات كثيرة لم تعجبني جداً.

حامد كان طفلاً, هو اليوم شاب مثلي لكن معرفتنا كانت في الطفولة. أصله جزائري و كنا نعيش في فرنسا. لم تكن بيننا صلات قرابة ولا دم, لم تكن لهجتنا واحدة ولا فهمنا يوماً ما يقوله الآخر بلهجته العامية, لم نتشارك الأصل و الوطن, كل ما كان بيننا هو أنه أخي و صديقي المسلم. لم أكن أعرفه سوى أنه صديقي و أخي الذي أراه في المركز الإسلامي في مدينتنا. كانت بين عائلتينا شيئاً أقوى من الصداقة, ما جمعنا معاً كان المسجد و المركز الإسلامي, فبنيت صداقتنا على هذا الأساس, أخوة إسلام.

لا أستطيع أن أصف قربنا معاً, كنا أخوان من عائلتين. لم يعلمنا أحد قط معاني الإيثار و التسامح, ولا قالوا لنا هذا يسمى إخاء و هذه محبة. لكننا كنا نطبقها ببراءة الطفولة و دون أدنى تردد. أذكر جيداً أنه جاء و عائلته مرة لزيارتنا, و أول ما دخل من الباب أعطاني لعبة كانت معه لا أذكر ما هي, و أعطيته أنا شريط فيديو كان على ظهر جهاز الـ VCR دون تفكير ولا أدنى تردد. لقد كانت أخوتنا تتعدى وصف الكلمات, و صداقتنا كانت أقوى من روابط نواة الذرة!

و دارت بنا الأيام, و قرر والدي أن يرجعا إلى القدس موطننا و بلدنا. كانت أمي, رضي الله عنها, لا تحب الغربة كثيراً. فهي لم تفهم لغتهم تمام الفهم, و لا تخالطت كثيراً مع الناس سوى العرب و المسلمين الذين عرفتهم و كونت صداقات معهم في المركز الإسلامي. منذ أن كنت طفلاً, أرضعتني أمي مع حليبها حب الوطن و حب القدس و فلسطين. كانت دائماً ما تقول لي “تلك أرضنا اغتصبها اليهود, إن لم نرجع إليها فسيأخذ مكاننا فيها يهودي”. و على العكس مما يحدث لكثير ممن يولدون و ينشأون في بلاد الغرب, كانت دائماً تحرص على الكلام بالعربية تماماً في البيت, علمتني القرآن و حفظت منه. كانت دائماً تقرأ لي قصصاً عربية فصيحة و تحثني على الكلام بنفس الطريقة, و لربما أدين لها بما وصلت إليه اليوم من حب للكتابة و القراءة.

لم يكن والدي يرغب كثيراً في الرجوع إلى الوطن, و كانت له وجهة نظر يمكننا اعتبارها. فعلاقات الأخوة التي قامت بينه و بين رجال المركز الإسلامي كانت أكبر من أية علاقة قد تنشأ في الوطن. كانوا رجالاً و عائلاتهم لا يعوضون بمال الدنيا و لكم أرغب في العودة إلى هناك فقط لألتقهيم مرة أخرى و أسترجع تلك الأيام الرائعة البراقة. ولا أراني أبالغ لو قلت أنهم كانوا ما يشبه المؤاخاة التي حصلت بين الأنصار و المهاجرين. كان الواحد فيهم يصل إلى تلك البلاد لغرض الدراسة أو العمل لا يملك فلساً, فيقدمون له المأوى و المساعدة بكل ما يقدرون عليه, حتى إذا قوي و صار كمن سبقوه ساعد من يأتي من بعده, و قويت روابط الأخوة بينهم.

و حانت ساعة رحيلنا عن تلك البلاد, و عدنا لنبدأ حياة جديدة في وطننا. عدنا عائلة مسلمة عربية, و لبنة في صمود القدس, شوكة في حلق اليهود الغاصبين. كنت فرحاً غاية الفرح لعودتي إلى هذه الأرض التي لطالما حدثتني أمي عنها و حننتي إليها, ولا أظنني كنت واعياً لمعنى “وطن” و “صمود” و غيرها من الأسباب التي دفعتنا للعودة إليها, لكنني أذكر حماسي الشديد للعودة إلى هذه الأرض المباركة. عددت أحجار سور القدس العتيقة حجراً حجراً في طريقنا إلى بيتنا المستقبلي, و نزلت الدرج كرة واحدة دافعاً الباب الحديدي الأزرق الكبير في نهايته, الذي ما يزال حتى اليوم قابعاً في مكانه يشهد على كل واحد منا وقف تحت قنطرته, بقوة و فرح. و أكملت باقي الطريق قاطعاً ساحة الحوش بسرعة البرق لأنزل إلى البيت… أخيراً أنا في القدس التي لطالما سمعت عنها الأحاديث و الآيات, و القصص و الحكايات, أخيراً!

انقطعنا عن اخوتنا في فرنسا, انقطعت وسائل التواصل حتى لتكاد معدومة سوى بضعة اتصالات بين والدي و أصدقائه. لا أذكر تحديداً شعوري تجاه اضطراري لترك حامد و عائلته و انقطاع التواصل بيننا, ولا أظنني كنت واعياً لمثل هذه الأشياء, كالطفل الذي يموت واحد في عائلته ولا يعي تماماً معنى فقدانه إلى أن يكبر و يكمل وعيه. كنت أفكر دائماً في حامد و عائلته, كان تقريباً الطفل الوحيد الذي أذكره جيداً.

و تقلبت بنا الأيام, حتى جاء صيف سنة 2009 لأسافر إلى تركيا لألتحق بـ “أكاديمية إعداد القادة 2” الخاصة بالدكتور طارق السويدان. وصلت متأخراً نصف يوم عن الموعد المقرر بسبب تأخير في جداول الرحلات المقررة, ففاتني لقاء التعارف بين الأعضاء. و بعد عدة أيام, و بينما أنا خارج لتناول الكعك و شرب الشاي في فترة الراحة خلال محاضرة أتحدث مع الأصدقاء الذين ألتقيتهم في هذه الأكاديمية الرائعة, لمحت شاباً على صدره بطاقة تعريف تقول “حامد بو رنان”. لم أصدق عيني للحظة, و تقدمت منه بتوتر أسأله إن كان من فرنسا و أصله جزائري فكان جوابه الإيجاب, سألته إن كان من مدينتنا فقال نعم. لم أصدق ما يحصل أمامي لهنيهة, و يعد أن استجمعت نفسي أخبرته بمن أكون و قلبي يخفق بشدة و لم يصدق هو أيضاً. كان بيننا عناق طويل و سلام حار أثار عجب كل من كان في لوبي قاعات المؤتمرات. ما هذه الصدفة العجيبة؟! و كيف حصلت؟ إنه قدر الله جمعني بأخي من طفولتي مرة أخرى دون تخطيط ولا معرفة.

لا أدعو الله إلا بكل الخير له و لكل عائلته, و أسأله أن يوفقهم و يعينهم. حامد اليوم بعد أن تركته مدة تزيد عن الأربعة عشر عاماً يحفظ القرأن كاملاً و لغته العربية قوية, و ما زال يداوم على الذهاب إلى المركز الإسلامي. ما زال كما عهدته منذ أيام طفولتي. أغيرت أخلاقي أنا وحدي الحياة؟! أسأل الله أن يرزقنا جميعاً الأخلاق الحميدة و يثبتنا عليها.

اللهم اجمعني به و عائلته و كل اخوتي هناك مرة أخرى, و خذ بيدهم إلى الخير و ما ترضاه يا رب العالمين.

ردكم الله إلى أحبابكم و إخوانكم, ولا أطال غربتكم.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: