عيد الغربة

بسم الله الرحمن الرحيم

عيد الغربة

AP Photo/Hassan Ammar

يوم العيد يوم مميز, يوم العيد هو يوم فرح و احتفال. يوم العيد هو يوم ينتظره الصغار طوال العام ليلبسوا الجديد و يفرحوا بما لديهم من قروش قليلة ينفقونها هنا و هناك, و يوم العيد هو يوم يذبح المسلم أضحيته (عيد الأضحى, مثل هذا اليوم المبارك) و يوم يفطر الصائم بعد شهر الصيام.

هذا العيد كان مميزاً كونه أول عيد لي في الغربة بعيداً عن أهلي. للعيد طعم مختلف معهم, و أنا متأكد أن عيدهم من دوني طعمه مختلف. لكن مع هذا و ذاك, الدنيا عيد و فرح, سواء أكنا في الغربة أم في أرض الوطن! كانت بداية اليوم بالنهوض باكراً للاستعداد لصلاة العيد, ثم لبس الملابس و رش العطر و النزول للمصلى, و هو أرض حديقة قريبة من الجامع الكبير.

نزلت مكبراً و أنا أتفكر بحال العيد في هذه البلاد, عاداتهم تختلف عن عاداتنا, و الطباع لا تتجانس! وصلت إلى المصلى و وجدت مكاناً أجلس ففرشت سجادتي و جلست أكبر حتى موعد الصلاة. في خارج الحديقة كانت هناك ثلاث ناقلات أفراد كبيرة تابعة للأمن المركزي و سيارة إطفاء و عدة سيارات شرطة و أمن مركزي صغيرة, لا أدري أهي من مستلزمات العيد أم أن المتعارف عليه بين الناس هو الخروج في مظاهرة بملابس العيد الجديدة صبيحة هذا الاحتفال المنتظر طوال السنة؟! صلينا الصلاة ثم جلسنا للخطبة, و كانت خطبةً “بلاستيكية” من نوع المقولب الجاهز.

بعد الصلاة التقيت مع مجموعة شباب طيبة كنا اتفقنا مسبقاً على الذهاب لبيت أحدهم للإفطار الجماعي و الاجتماع. كان صراحةً لقاءً جميلاً لطيفاً, أفطرنا ثم جلسنا نتحدث و نلقي النكات و بعض الأسئلة, ثم ذهبنا كل لحال سبيله.

كان الجميع يلبس ملابس مرتبة جديدة (ليس بالضرورة جديدة أي لم تلبس, لكنها ملابس لا تلبس جداً), و هو ما لم أتوقعه صدقاً! كنت أتوقع أن تأتي الأغلبية بتيشرتات جيدة و بنطلونات جيدة أيضاً مع حذاء ملمع لا أكثر, لكن المفاجأة أن كثيراً منهم لبسوا البذلات مع ربطات العنق! كانت الجلسة فلسطينية بامتياز, فكان كل الحاضرين فلسطينيو الأصل, و الأغلبية فلسطينية الموطن. و كانت الأغلبية الساحقة من الحاضرين من مدينة الخليل, فعلت اللهجة الخليلة المميزة في أرجاء المكان و أثرت على لهجتي المقدسية حتى أنني حتى الآن ترن في أذني بعض الكلمات الخليلة التي لا نقولها في القدس. “مش عارف (بإمالة الألف بشكل فظيع! مثل مش عاريف!)” و “هيوته (ها هو)” و “هأيتيه (الآن)” و غيره من الملامح الخليلة… سامحكم الله يا أهل الخليل, أفسدتم علي لهجتي المقدسية!! لم تخل الجلسة أيضاً من لهجة أردنية عمانية شرقية, و لهجة فلسطينية شمالية محببة و ظريفة!

في هذا اليوم رأيت وجهاً جديداً للعيد, وجه التعاون و التآخي بين إخوان لم يجمع بينهم شيء سوى الغربة و المعرفة في الله. وجه تقدير النعمة و شكر المولى المنعم عليها, رأيت مشاهد فقر مدقع لا نراها, و لله المنة, في بلادنا – على الأقل ليس في القدس. رأيت فرحة العيد تلمع في عيني البائع البسيط عندما يسمع كلمة شكر و عبارة “كل عام و انت بخير” تخرج بصدق و ابتسامة. فهمت معنى “العيد فرحة و أجمل فرحة” على وجوه الأطفال البسطاء يلعبون و يركضون في الشوارع و الممرات غير عابئين بهموم الدنيا التي حملناها نحن على ظهورنا. لم يحن بعد وقت قتل هذه الطفولة و البراءة بالأحمال و الأمانات, فليلعبوا إذن و ليستمتعوا بيومهم إلى حده الأقصى.

لربما هناك رابط وثيق بين مستوى راحة البال و غمرة السعادة و بين مستوى المعيشة و الدخل المادي, أقول ربما. لكن لا يعني هذا أن كل الفقراء سعداء و أن كل الأغنياء تعساء, فلا تعميم و لا قاعدة. ولا يعني هذا أيضاً أنه لا يجب علينا تحسين أحوال الشعب المطحون و رفع همه من رغيف الخبز و كيلو اللحمة إلى هموم أكبر و أوسع, هموم الوطن و الأمة. و أصاب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, رضي الله عنه, لما قال: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”.

في هذا العيد, أفقتد عائلتي الصغيرة و الكبيرة. أفتقد أمي و أبي, و إخوتي. أكاد أذوق طعم الكعك و المعمول المغطى بالسكر المطحون, و أكاد أراني أقبل يدي والدي و يد جدتي. أكاد أحس بالسيارة تتحرك بنا نحو المسجد الأقصى لصلاة العيد كأغلب الأعياد, و أكاد أسمع نفس الخطبة مسجلة على اسطوانة يتلوها خطيب الأقصى!! و أحس بالوقت يمضي و نحن ندور على أقاربنا في زيارة العيد, ندخل بيتاً نسلم على أهله, نشرب فنجان القهوة السادة و نأكل ما تيسر من الحلويات لنعود قريباً من المغرب إلى الحوش لنأكل ما يفترض أن يكون وجبة الغداء تحولت إلى عشاء مبكر!! كانت أياماً جميلة, لكن مملة بروتينها الذي لا يتغير!

أشتاق لتلك الأرض الطاهرة يمشي على ظهرها محتل غاصب يدنس ثراها. و أشتاق لمعظم أهلها, منهم من يتربعون على الفؤاد, يسكنون عميقه و يملكون شغافه. و منهم أصدقاء عمر فرقتنا الظروف المؤقتة. ما هي إلا فترة قصيرة و أعود لأحسن بقاع الأرض و أحبها إلي, بإذن الله تعالى.

جعل الله أعيادكم فرحاً دائماً, و أسكن الله البهجة قلوبكم و أحبابكم. و أسأل الله أن يحل عيد التحرر و الانتصار على كل بلاد المسلمين, و يعين المنكوبين و المحتاجين منهم. و أسأله أن يرد كل غريب إلى دياره و كل مشرد إلى أهله

كل عام و أنت بكل صحة و عافية, عيدكم مبارك.🙂

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: