الرئيسية > Politics سياسة > تاريخنا و كتب المدرسة

تاريخنا و كتب المدرسة

بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخنا و كتب المدرسة

الحياة في مجملها و قوانينها العامة هي دورات ثابتة, تسير وفق قوانين و قواعد لا تتغير مهما تغير الوقت و المكان, هي سنن الحياة. و التاريخ ما هو إلا سرد و تجسيد لتلك القوانين في دورات تتكرر. و يمكننا باستقراء هذه القوانين رسم الخط الذي ستسير فيه أمة ما. هنا تكمن أهمية دراسة التاريخ و فهمه, ليس فقط كمعلومات عامة تنفعنا عندما ندخل مسابقة أسئلة.

أحد أهم تلقي المعلومات هي كتب المدرسة و دروسها, مع أن المدارس بشكل عام لا تغذينا بالكثير من المعلومات و العلم لكنها تبقى المكان الأول لزرع المعلومات في أذهان الصغار و الناشئة.

في معظم البلدان العربية هناك ثلاث مراحل دراسية (في المدارس)؛ الأساسية و الإعدادية و الثانوية. و تنقسم الثانوية إلى عدة فروع منها العلمي و الأدبي و الصناعي و غيرها, و فيها يفترق الطلاب الذين حتى المرحلة الإعدادية يدرسون نفس المواد و نفس الكتب. لذا, فقد درست التاريخ من منتصف المرحلة الأساسية إلى المرحلة الإعدادية, و كل سنة كان الكتاب يعنى بمرحلة ما من التاريخ. أذكر أننا درسنا في المرحلة الابتدائية تاريخ فلسطين السحيق, ولا أعلم كيف يستطيعون تأريخ مندثرات بدون آثار! فربطونا بالكنعانين و غيرها من الترهات التي هي بلا طعم. و أذكر دراستنا لتاريخ الخلافة الأموية و العباسية, ثم تاريخ الحملات الصليبية, ثم تاريخ الخلافة العثمانية بشكل سطحي, بعدها الحروب العالمية. كان اسم الكتاب الذي درسنا فيه الحروب العالمية في السنة الأخيرة من الإعدادية “التاريخ الحديث”, و هي تسمية صحيحة, فهو تاريخ حديث. لكن ما في الأمر أن في كل المراحل التي درسناها لم يتطرقوا ولا مرة للتاريخ العربي الحديث. كل الحديث يتوقف عند سنة 1948!

من الجميل, بل من المهم, أن ندرس كل هذه الأشياء. لكن من المهم أكثر أن ندرس و نفهم تاريخنا العربي الحديث. فمثلاً عن تاريخ بلد كبير و عريق مثل مصر لم ندرس أكثر من ثورة أحمد عرابي و الاحتلال الفرنسي ثم الانجليزي لمصر… فقط! و فيما يتعلق بالحروب العالمية درسنا كل المعاهدات التي جرى توقيعها بعد فوز دول الحلفاء على دول المحور في المرتين, و ليس فقط كأسماء و تواريخ, بل بنودها بالتفصيل!

في المقابل, عندما درسنا تاريخ الحملات الصليبية, كانت المادة مكتوبة “بقفا اليد”. أي عناوين رئيسة مقتضبة جداً, و فوتت عناوين كبيرة كثيرة. فمثلاً لم يذكر أي شيء عن اتفاقية الرملة الذي ترك بموجبه الصليبيون فلسطين و بقي لهم الشريط الساحلي الضيق لفترة مؤقتة. و لم تذكر أحوال أهل البلاد, التي تشبه حالنا هذه الأيام, في تلك الأيام. و أكاد أجزم أن إسقاط كل هذه الحقائق من كتب التاريخ ما هي إلا ترسيخ للمشروع الصهيوني, و لا أقول هذا من باب الإيمان بنظرية المؤامرة السخيفة, لكنها حقيقة. الكتب الفلسطينية المستخدمة حالياً جرى تأليفها بالكامل, و عمرها لا يزيد عن العشرة سنوات. لقد تخيلت لفترة عندما كنت أدرس تاريخ الحملات الصليبية أن فلسطين كانت خالية تماماً من أهلها طوال فترة احتلال الصليبيين لها! بطريقة ما, بدا وضع فلسطين اليوم و تهجير اللاجئين “إنسانياً” مقارنة بما فعله الصليبيون بنا! فنحن اليوم نعيش في القدس, و هناك فلسطينيون يعيشون في أرجاء فلسطين!! لكن أحمد الله أن يسر لنا أستاذاً واعياً نزع هذه المفاهيم من عقولنا و حذرنا من السم المدسوس في بطون هذه الكتب التي تسرد نصف الحقيقة التي تتماشى مع “الخطة” للسلطة الطينية (هذا إن كانت تملك واحدة أو إن كانت حرة في خط حروفها!) و تخفي النصف الآخر الذي يعطي الصورة الكاملة الواضحة.

و على الجانب الآخر أيضاً, لا ذكر لتاريخ الدول العربية الحديث سوى ما جاء سياقه متعلقاً بالحرب العالمية الثانية, أي نتائج اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الوطن العربي بين الدول الاستعمارية. لم نتعلم تاريخ عمر المختار على سبيل المثال و جهاده ضد إيطاليا, و ذكر الشيخ عبدالقادر الجزائري ذكراً خجولاً كاسم عابر ضمن صفحتين من تاريخ الجزائر الذي امتد احتلاله قرن و نصف من الزمن! لم نعرف تاريخ مصر سوى درس واحد عن محمد علي… ثم لا شيء!

دراسة الحروب العالمية و ما ترتب عليها من نتائج نشهد آثارها حتى اليوم مهم لا جدال في ذلك, لكن أن يكون التفصيل في ذلك على حساب تاريخنا العربي الذي طمسناه بأيدينا فهذا عيب كبير. من الأولى أن ندرس تاريخ بلاد الشام الحديث بقليل من التفصيل, و تاريخ الجزيرة العربية و مصر, و بلاد المغرب العربي. و من المهم أيضاً أن نتعرف على الشيوعية, و بالأخص سقوطها و ما ترتب عليه من نتائج. لا يوجد ذكر واحد لجدار برلين, ولا انقسام تشيكوسلوفاكيا. كل هذا كان يمكن وضعه في درس واحد من صفحتين أو ثلاث بدلاً من الفصل الكامل حول معاهدات الحروب العالمية!

لكن هذا النوع من الدروس خطير جداً! و يعلم دروساً عميقة تمس بزمننا الحاضر. فالدول الظالمة مهما عظمت و قويت مصيرها إلى الزوال, و الشعب إن تحرر من قيود خوفه و قلقه يفعل العجائب. الحياة تسير في مضمار التاريخ, تتغير الجماهير و يتغير المتسابقون, لكن معالم الحلبة واحدة, كل المتسابقين يسلكونها. قواعد التحكيم ثابتة للجميع, و لا تحابي أحداً على أحد, كل ما علينا أن نفعله هو أن نمسك كتاب القواعد و التعليمات و نفهمه جيداً لننهي السباق فائزين.

اللهم زدنا علماً و فهماً, و علمنا التخطيط و الصدق.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: