تأملات نيلية

بسم الله الرحمن الرحيم

تأملات نيلية

دار الأوبرا (أسفل الصورة) و جزيرة الزمالك – القاهرة

جلست على جانب النيل في ليلة من الليالي. كان الجو بارداً, لقد كانت ليلة رأس السنة الميلادية. جلست قريباً جداً من النهر لدرجة أن الماء كان يجري تحت قدمي مباشرة. لم أكن وحدي جالساً, كان حولي جمع كبير من الناس, تجمعوا ليحضروا حفلة المبدع نصير شمة, عازف العود الشهير. كان في يدي كوب قهوة ساخنة, و في اليد الأخرى قطعة معجنات مغلفة بغلاف بلاستيكي. لما انتهيت, ظللت ممسكاً الكيس و في داخله كوب القهوة الفارغ… لست من عادتي رمي القمامة و توزيعيها في الأرجاء! ثم إن تلويث المسطحات المائية خطأ كبير. لكن لم تكن هذه هي الحال مع الجميع!

المكان الذي كنت أجلس فيه هو “ساقية الصاوي” الرائعة, مركز ثقافي جميل و فعال, و عنده الكثير من الحملات الثقافية و التوعوية الإجتماعية الناجحة و المميزة. كان من حولي من يدخن و هم كثر, و القمامة و أكواب الشاي و القهوة تتابع إلى النهر! الساقية عندها حملة مستمرة اسمها الدائرة البيضاء: فخور بأني لا أدخن, و هي كل مكان يمنع التدخين فيه, و طبعاً الساقية أحدها! و هناك حملات النظافة, و سلات المهملات منتشرة في المكان… لكن… !

كنت جالساً أفكر في المكان الذي أجلس فيه الآن, ليس النهر بذاته و ليست الساقية أيضاً. ساورني شعور غريب في ذلك الوقت, لا أدرى أهو عظمة الخالق الذي أنشئ هذا النهر الذي لولاه ما كانت مصر, أم شعور بالجرح نتيجة تيبس مشاعرنا و تعطل تفكيرنا!

فكرت لحظة, ما الذي يفعله الناس؟! أحدهم رما علبة سجائره و سيجارته بشكل مباشر رداً على الفكرة التي مرت ببالي, و آخر ترك الكيس ينزلق من يده كأنه انفلت منه فوقع في النهر… و طفت كل هذه الأشياء الغريبة تسير مع النهر, ترى من يزيلها؟! ألا توجد عندنا “حبة” شعور و ضمير؟! هل هناك شيء ما يقول أن رمي الأوساخ في النهر شيء عادي؟

يسير النهر بطيئاً بلا اكتراث, مخضر اللون مائل إلى البني. و سرعان ما يشق قارب الشرطة السريع صفحة المياه مخلفاً وراءه موجة تسارعت خطاها نحو ضفتي النهر لتضطرب المراكب الراسية هناك. كان في تلك الليلة شيء ما جمد تفكيري و عطله إلا عن ملاحظة انعكاس الضوء و صورة الأبراج الطويلة تعلوها اللوحات الإعلانية؛ أكان البرد أم شيئاً آخر؟ ثم مر قارب آخر يتحرك ببطء, شق أسماعنا هذه المرة بموجة صاخبة من الأغاني و الصراخ من الراكبين, ثم توارى خلف عامود الجسر الضخم.

رجعت إلي أفكار النظافة و التلوث, و خطر ببالي أن مصر كلها تشرب من النيل. هل سيرغب أحدنا بشرب كأس مياه بعد أن ترمي غلاف الشوكولاتة و كوب القهوة في خزان المياه؟! مع ذلك من العادي جداً أن نرمي كل هذا الكم الهائل من القاذورات و الأوساخ, و المصانع إلى الجنوب قليلاً تصب مياهها العادمة مباشرة في النهر, ثم نشرب جميعاً من هذا النهر! كانت النتيجة أن مياه الشرب ملوثة, و فيها نسبة عالية جداً من الكلورين لمحاولة السيطرة على نظافة المياه الواصلة للبيوت, لدرجة أن الرائحة التي تشمها عند برك السباحة هي نفسها التي تشمها من حنفية مياه مطبخك! كانت النتيجة أن كل عائلة و كل فرد لا يريد أن يصاب بالفشل الكلوي أو بجرثومة ما يشتري المياه المعدنية المعبأة, و مهما صارت هذه المياه رخيصةً فإنها تظل تشكل نسبة لا بأس بها من الميزانية. أنا أستهلك ستة ليترات من المياه المعدنية أسبوعياً, أي تقريباً 24 ليتراً شهرياً, ثمنها أكبر من فاتورة المياه التي تأتي من صنبور المياه مع كل ما نصرفه من غسيل للصحون و الملابس, و الاستحمام و كل الاستخدامات الأخرى غير الشرب!

الحكومة المصرية تقول أن البلاد تعاني من أزمة شح مياه, و هي صادقة في كلامها. و لكن المشكلة لها أبعاد و وجوه غير الإحتباس الحراري و ازدياد تبخر المياه, أو السدود الموجودة على منابع النيل. هناك مشكلة التبذير و الإسراف في صرف المياه. الجزر الخضراء في وسط الطريق تسقى بطريقة بدائية غير عملية, فتأتي شاحنة تحمل خزاناً كبيراً للمياه تمر ببطئ بجانب الجزيرة و تصب المياه على الزرع من خلال صهريج يتدلى منها. و كل المزروعات, ابتداءً بالحديقة المحيطة بالعمارة التي أسكن فيها و إنتهاءً بحدائق الجامعة, تسقى بطريقة فتح صهريج المياه و صبها على التراب! و لما نغسل صحناً أو مجموعة ملاعق نبقي المياه جارية و بأعلى قوة. و عندما تحلق لحيتك و شعر وجهك تبقي المياه جارية لتستخدمها ثوان معدودة طول مدة حلاقتك التي قد تمتد إلى نصف ساعة! رسولنا صلى الله عليه و سلم حذرنا من الإسراف في المياه, و قال لرجل كان يتوضأ “لا تسرف, لا تسرف”. هذا في الوضوء فكيف في غسل الصحون و سقي الزرع؟!!

ركبت في قارب صغير, و سرنا في النهر. ما زال تفكيري متجمد و لا تمر في بالي أية خواطر كاللتي تمر في بال كثيرين. بجانبي كانت فتاتان لم تهدأ كاميرتهما لحظة واحدة, و أمامي جلست مجموعة رجال يمزحون و يرفهون عن أنفسهم. و أنا جالس أطالع النهر و أتفحص صفحته!

فتحت الموضوع مع سائق التكسي الذي أخذته بعد انتهاء الحفل إلى ميدان لبنان حيث موقف الحافلات… أجابني و هو يرمي عقب سيجارته من النافذة… معك حق!!!

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: