الرئيسية > Foreigner's Diary مذكرات مغترب, Misc. منوعات > رحلة من تل أبيب إلى القاهرة

رحلة من تل أبيب إلى القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم

رحلة من تل أبيب إلى القاهرة

أسافر عادة إلى مصر عن طريق البر, بالحافلة إلى “إيلات”, أقصى مدينة جنوباً في فلسطين على البحر الأحمر, ثم أعبر الحدود إلى سيناء مصر عبر “طابا” الملاصقة لإيلات. ثم أقطع صحراء سيناء الطويلة بما تيسر من وسيلة مواصلات تنتظر خلف المعبر الحدودي, سواء أكانت حافلة كبيرة أم سيارة نقل توصلني إلى مدينة القاهرة.

لكن رحلتي هذه المرة كانت مختلفة, نظراً للأحداث الأخيرة في مصر, ثورة 25 يناير, التي للأسف استغلها البعض ليقطعوا الطريق على من يعبر سيناء و يسلبوهم! لذا, قررت أن أستقل الطائرة من مطار بن غوريون بالقرب من تل أبيب إلى مطار القاهرة الدولي في القاهرة.

طبعاً, لأنك عربي فعليك أن تتحضر لوجبة كبيرة من التمييز و العنصرية في المعاملة مطعمة بابتسامات عمال المطار و موظفيه… لذا, منذ أن تدخل مدينة المطار على البوابة الخارجية ستنتزل من السيارة و تؤخذ لفحص أمتعة “أولي” بالأشعة و الكشف عن المعادن الثقيلة و المشعة, و بعد نصف ساعة تكمل طريقك إلى بوابة التيرمينال. و العجيب في هذا الفحص “العشوائي” أن كل من يقع عليه الاختيار عربي, و الأعجب أن كل العرب دائماً يخرجون بملصق يحمل الرقم 39 و 6, و هو أقصى رقم أمني, و كلما كبر الرقم يزيد التدقيق عليك (ضمنياً تعني أنك تشكل خطراً أمنياً أكبر من بقية الناس)!!!

سافرت في مطار تل أبيب – بن غوريون قبل هذه المرة, ولا أستطيع أن أقول أنه مطار يسهل الدخول إليه أو أنه “فريندلي” حتى للأجانب. القائمون على المطار يتباهون أمام العالم بأنهم “المطار الأعلى حماية في العالم”, و تفسير هذا الكلام هو أكثر مطار عنصري في العالم و أكثر مطار يفتش و ينبش الأمتعة بحثاً عن قنبلة أو مسحة بارود في أمتعتك!!

منذ أن دخلت التيرمنال استلمتني مسؤولة تفتيش, مظهرها حسن و تتعامل بلباقة و ود… لكن تحت كل هذا عنصرية و تمييز “لاتباع الإجراءات و التعليمات” لا أكثر! أدخلتني قبل كل الناس و فحصت حقائبي و متعلقاتي بالأشعة السينية و جهاز كشف المعادن الثقيلة و المشعة, ثم بقيت أنتظر حوالي النصف ساعة لأضع حقيبتي على طاولة الفحص ليفتشها موظف التفتيش تفتيشاً دقيقاً. و على طاولة التفتيش أمضيت ثلاثة أرباع الساعة تقريباً, فتح خلالها الموظف كل صغيرة و كبيرة و مرر قماشته (التي سيضعها فيما بعد في جهاز الكشف عن المعادن الثقيلة و المشعة) على كل أجزاء الحقيبة, و على جيوبي و جوالي… و كل شيء يمكن أن ألمسه بيدي!

خلال فحص الأشعة السينية لجهاز اللابتوب, أتلف جزء من الجهاز بسبب العنف في التعامل معه… و عبأت طلب التعويض, لكنني بصراحة لن أرسله لأن الضرر كان بسيطاً نوعاً ما و لأنها عملية طويلة تتطلب المتابعة… و الدولة تفعل كل ما بوسعها لكي لا تدفع!

بعد أن أنهيت فحص الأمتعة أخذوني للفحص البدني, اخلع حذائك, حزامك, ضع كل ما في جيوبك هنا, هات الجوال و جواز السفر و تذكرة السفر, استدر, ارفع يديك… في هذه المرحلة ربما أيضاً يضعون جهازاً في الغرفة يفحص إذا ما كنت تحمل أفكاراً خطرة في رأسك أو تفكر في أن تحمل أفكاراً في المستقبل!!

ثم بقيت معي مسؤولة التفتيش التي استلمتني عندما دخلت إلى التيرمينال إلى أن قطعت تذكرة الطائرة و عبرت فحص الشرطة الأخير قبل الدخول إلى “الديوتي فري”… إلى الآن هناك فحص مدخل المطار, فحص مدخل التيرمينال, الفحص الدقيق في التيرمينال, الفحص الشخصي بعد الأمتعة, فحص الشرطة قبل الدخول إلى منطقة البوابات و المنطقة الحرة… و آخر فحص سيأتي بعد قليل هو الفحص قبل دخول الجسر المؤدي إلى الطائرة!

انتظرت في منطقة انتظار الطائرات لنصف ساعة ربما… لاحظوا أنني خرجت من البيت قبل أربع ساعات و نصف من موعد إقلاع الطائرة, و وصلت قبل موعد إقلاعها إلى المطار بثلاث ساعات و نصف. الرحلة الجوية في الطائرة كانت سهلة و سلسة, أتمنى من المضيفات أن يوضحوا صوتهم قليلاً عند قراءة التعليمات =)

الرحلة استغرقت ساعة بالضبط, و هبطنا في مطار القاهرة الدولي – تيرمينال 3 بسلامة و عافية, ثم خرجت من الطائرة إلى حافلة المطار التي ذكرتني بحافلات “إيجيد” في القدس, ثم إلى بوابة التيرمينال المصرية و منها إلى طابور فحص الجوازات و الوثائق. الحمد لله كان التوفيق و التسهيل حليفنا, و لم أقف سوى دقائق معدودة لتبتسم بعدها موظفة الجوازات في وجهي و تقول لي “أهلاً بيك في مصر”!! يا الله! أهي الثورة التي غيرت الناس أم أن موظفي الجوازات على الحدود البرية هم الذين ينفردون باللؤم و جفاف المعاملة؟! أظن أننا ندخل إلى الدولة نفسها و نتعامل مع الدائرة الحكومية ذاتها, صحيح؟ لم يستغرقني عبور المعبر البري ساعات في بعض الأحيان بينما بالطائرة تدخل في دقائق؟!

أخذت حقيبتي عن حزام الحقائب و توجهت عبر البوابة إلى الخارج, كل هذا حدث في أقل من ربع ساعة! و المسافة التي قطعتها منذ أن دخلت إلى أن خرجت لم تتعد الـ 500 متر! المطار صغير نوعاً ما عند مقارنته بمطار تل أبيب, لكن الإجراءات أسهل بألوف المرات أيضاً! لا تفتيش جمارك على طريقة “التشليح” ليفحصوا إذا كنت ترتدي ملابس داخلية اشتريتها من الخارج و لم تدفع جماركها! ولا تذهب إلى غرفة الشرطة للتحقيق معك لم تريد العودة إلى بيتك و وطنك؟!!

ركبت سيارة الأجرة مع عدد من الطلاب الذاهبين إلى نفس وجهتي في القاهرة و تحركنا من المطار. منذ أن تحركت بنا السيارة كان الجو الرائع الدافئ في استقبالنا, بعد أكثر من شهر من الجو البارد لدرجة التجمد في القدس من الجميل أن يدور المرء في بيته بـ “شورت و نص كم” مع أن كل النوافذ مفتوحة =)

مصر تتنفس الحرية, لأول مرة أحس أن “مصر بتتقدم بينا” فعلاً و ليس على طريقة الحزب الوطني! هناك انضباط أكثر من نوع ما, و الجو مفعم بالحركة و النشاط! على الطريق لاحظت أن كل شركة (شركات الاتصالات, شركات الألبان و الأغذية… حتى الإذاعات و الصحف) تتنافس لنشر إعلانات على الطريق تحمل عبارات عن الحرية و الاحتفاء بها و الدعوة إلى المحافظة على مصر. هذا جميل, لكن بطريقة ما أحسست أن الهدف من كل هذه الإعلانات ليست تهنئة الناس أو توعيتهم بل هي دعاية لهم يدفعونها بموجة الثورة و الحرية!

أنا في بيتي الآن, هناك جو من التفاؤل يحوم في البلد. هناك تكليف لـ عصام شرف بتشكيل حكومة بعد استقالة أحمد شفيق, و هو إنسان يبدو أن الناس تقبله و تريده. الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها (لكنها بالطبع لم تعد 100% كما كانت), أرجو أن تكون الثورة حدثت في عقول المصريين و الناس و ليس فقط على الحكم و الحكومة, أرجو أن تختفي مظاهر الرشوة و المعاكسات… أرجو ذلك من كل قلبي. و مع أنني لست مصرياً إلا أنني أعيش في مصر و ما يسري على المصريين يسري علي, فمصر الأفضل ليست له وحده فقط, و مصر التي تعج بالفساد لا تضره وحده بل تضرني أنا أيضاً.

يدنا واحدة لمصر أفضل تكون قدوة في التطور و التحضر لبقية الأمم. عاشت السواعد البيضاء تبني الأوطان و تعمرها, تسير بها نحو الأمام و ترتقي بها للمعالي.

هنيئاً لكم حريتكم يا أهل مصر.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: