الشعب يريد إنهاء الانقسام… ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الشعب يريد إنهاء الانقسام… ؟

سلوان - راس العامود القديمة

لربما صارت عبارة “الشعب – يريد – … ” من أكثر العبارات شهرة هذه الأيام كلما أرادت مجموعة التعبير عن رغبتها بشيء ما. النسخة الفلسطينية من هذه العبارة هي “الشعب – يريد – إنهاء الانقسام”. أولاً, المقال لا يناقش حالة الخلاف بين حماس و فتح بغض النظر عن رأيي في الموضوع… النار و الزيت لا يختلطان, و لا الشمال يوصل للجنوب. المقال يناقش حالة “الانقسام” في مدينتي القدس بين أهلها, بين عائلاتها و أصولها (مقدسية, خليلية… إلخ), بين أهل الأحياء التي تبقت لنا لنسكن فيها و التي لا تتجاوز العشرة (الطور, العيساوية, بيت حنينا و شعفاط, صورباهر و جارتها بيت صفافا, سلوان و رأس العامود, و أخيراً واد الجوز و الشيخ جراح و البلدة القديمة “تقريباً لا توجد بيوت شاغرة للسكن هناك حالياً, للسكان العرب بأية حال”).

أولاً, يجب أن أعطي لمحة عن القدس و سكانها. عدد سكان القدس الكلي (عرب و يهود) 763 ألف نسمة, منهم 34% عرب (تقريباً 260 ألف نسمة). فعلياً, أهل القدس العرب كلهم لا يتعدون عدد سكان حي من أحياء مدينة جدة أو الرياض مثلاً. و مع ذلك بينهم من المشاكل أكثر مما بين أهل الوطن العربي كله!

العرب في القدس منهم نسبة كبيرة من أصل خليلي (من مدينة الخليل), و نسبة من أهل القرى أو المدن المجاورة للمدينة الذين انتقلوا للعيش في القدس منذ فترة طويلة بسبب التجارة, أو لأن قراهم دمرت في الـ 48 أو حديثاً بسبب سياسات سلطات الاحتلال بسحب الهويات ممن لا يسكن في حدود المدينة الخاضعة لسيطرة البلدية. و حتى أهل المدينة الواحدة, مثل الخليل, ينقسمون إلى عائلات أخرى كبيرة. كأي عاصمة, القدس هي خليط و مزيج من أجناس و عائلات كثيرة. مساحة نفوذ بلدية القدس تعادل مساحة نفوذ بلديتي حيفا و تل أبيب – يافو معاً و هي أكبر مساحة نفوذ في البلاد تعطى لبلدية واحدة. نسبة الفقر بين السكان اليهود في انخفاض و يبلغ حالياً ما يقارب الـ 27% و في ارتفاع بين السكان العرب – 68% (عائلات).

ما يتوقعه أي إنسان هو أن يتحد الـ 34% ضد الـ 66% اليهود الذين يحاولون بكل الطرق جاهدين لأكل ما تبقى من أرضنا و يظلموننا بكل الأشكال – الأرض, توزيع الثروة, الأشغال و التوظيف, أعمال تطوير الأحياء العربية… لكن الواقع معاكس تماماً لتوقعات البشر الأسوياء!

لا توجد إحصاءات رسمية عن نسبة الجريمة و العنف في المدينة, لكنني أنا شخصياً خلال السنة سمعت بـ 3 شجارات كبيرة شملت حيين أو أكثر (أو عائلتين كبيرتين) و كأنها حرب, حرقت خلالها محال تجارية و سيارات كثيرة, و اعتدي على بيوت و قتل أشخاص, و جرح الكثير. هذه “الحروب” كانت بين العرب, و بين أبناء سكان الحي الواحد أو حتى العائلة الواحدة أحياناً و السبب غالباً هو شجار أطفال يلعبون في الحارة أو وقفة سيارة! أذكر أن شجاراً استخدمت فيه أسلحة نارية آلية و أغلق الحي كاملاً لمدة أسبوع و لم تستطع الشرطة حتى الاقتراب من الموقع, إما لأن الأمور كانت حامية أو بسبب الكسل و العنصرية… أسبوع تقريباً و الشرطة لا تستطيع الاقتراب أو فرض سيطرتها على الحي!!! في المقابل, حصل اقتحام لحيين, رأس العامود و سلوان, و العيسوية, لأسباب عنصرية و مشاكل يثيرها المستوطنون الساكنين في هذه الأحياء أو قريباً منها. هل رأينا أسلحة نارية, هل منعت الشرطة من الدخول لمدة أسبوع؟ لا! أغلق مدخل حي بشكل دائم (العيسوية), و آخر بدأوا بهدم البيوت فيه (سلوان) و القسم الآخر منه (رأس العامود) بدأوا باستيراد مستوطنين يهود ليسكنوا بين العرب و يتوسعون في المباني الموجودة.

إحدى المشاكل “العبيطة” بين سكان القدس هي “الستيريو تايبنغ”, أي تصنيف الناس بشكل أعمى. أنت من عائلة فلان إذن لا بد أنك مفتعل مشاكل, أنت من الحي الفلاني لا بد أنك عميل لليهود و تاجر مخدرات!! طبعاً بعد هذا التصنيف لا بد أن تكمل “أنا ما بحط بذمتي” و كأنك فقط تنقل ما سمعته! و مشكلة أخرى هي انعدام الاحترام بين السكان. لأن الأحياء محدودة, و مساحتها لا تتغير و مخططاتها لم تحدث منذ سنة الـ 67 (الأحياء اليهودية تحدث مخططاتها و تتوسع باستمرار – هذه طريقة الحكومة لشكرنا على الضرائب التي ندفعها تماماً مثل اليهودي الذي يحصل على كل الخدمات) لم تعد هناك “منطقة” لعائلة أو قرية بعينها.

في الماضي كانت كل عائلة أو كل أهل قرية يسكنون في قريتهم أو حيهم لأن الأرض موجودة و التوسع مستمر بحسب حاجة السكان, لكن بعد مجيء البلدية و تحويل معظم الأراضي المتبقية في القدس العربية إلى “خضراء و متنزهات” (منطقة بلدية القدس فيها أعلى مساحة مناطق خضراء في البلاد) يمنع البناء فيها لم يعد هناك مكان للناس ليسكنوا, فصاروا يسكنون أينما توفر حتى لو كان في قرية أو حي آخر. بعض الأحياء ذاب أهلها بين القادمين و صاروا أقلية, و أحياء أخرى النسب فيها تتفاوت لكنها في ارتفاع. خذ هذه المعلومة و طابقها مع “أنا و ابن عمي على الغريب, و أنا و أخوي على ابن عمي” و انظر ماذا تكون النتيجة!

الناس في القدس يعيشون حياتهم بشكل صامت, يذهبون إلى العمل أو المدرسة, يعودون في المساء إلى بيوتهم و هكذا دواليك. تفكير المقدسي العادي لا يتعدى “كيف سأنجح في الثانوية العامة (إن فكر بهذا!), أين سأجد عملاً يدفع أجراً جيداً, أين أجد شقة بسعر معقول و مساحة جيدة و جيران محترمين… ” و هكذا! أشياء لا تدور بخلد سكان القدس العاديين: “مستقبل مدينتينا إلى أين؟, أن أنام في السجن دفاعاً عن بيتي خيرُ لي من الوقوف متفرجاً على الصهيوني يهدمه أو يستولي عليه, أن أعمل بشرف خير لي من أبني مستوطنة للصهاينة مع أن المبلغ مجز, أن أعامل الناس بإحسان و أخلاق خير لي من أشعل ناراً للشر في الحي… “!

أنا أعلم أن 99% من المشاكل و الشرور في القدس بين العرب ليست بسبب اليهود, ولا بسبب “العوامل الاقتصادية الصعبة” ولا بسبب أي حجة نعلق عليها أوساخنا, أس الشر و المشاكل في القدس هي انعدام الأخلاق في التعامل.

العجيب أن مدينة القدس لو قورنت بمدينة مثل القاهرة تعتبر متدينة من ناحية الصلاة و قرب الناس من بعضهم و احترام “الشرف و العرض” (شكلياً و اسمياً), الناس ألطف أيضاً… لكن التسامح غير موجود أبداً.

لا يوجد عندي حل سحري للمشكلة (كيف نزرع الأخلاق و المعاملة بين الناس), و يبدو لي أن الناس مهتمة بحل المظاهر أكثر من الوصول للب… إلى أن يحين موعد “الطوشة” الكبيرة التالية, و إلى تجتمع “وجوه الإصلاح و العطاوي” لتنهب جيوب الجميع… أراكم!

—————————————————————-

-روابط الإحصاءات و المعلومات:

Jerusalem – Wikipedia

القدس بالأرقام – مؤسسة القدس الدولية

الواقع الديمغرافي الاقتصادي لمدينة القدس عام 2007م – مؤسسة القدس الدولية

  1. نوفمبر 7, 2011 الساعة 18:03

    يسرّني ان اكون اول المعلقين على هذه التدوينة وربمـا سأكون الاخيرة !
    المهم ،،
    لنقول اني مثلي مثلك تقريبا بعرف بالقدس والخلافات التي ذكرتها والمسميات ، جميعها اعرفها وربما انا نفسي تكلمت بها يوما في القدس ،، ومن نظرة بعيدة للأمور وجدت ان الاحتلال هو السبب الرئيسي وراء كل تلك المشاكل ، اعطيك مثلا أمثلة
    امتحانات التوجيهي والنظام التعليمي الفاسد التابع للسلطة الفلسطينية في رام الله والذي لا يحاول احد تغييره ، بل على العكس اسرائيل والبلدية في القدس راضيتان تمام الرضى عن اداء السلطة في القدس ! المنهاج الفلسطيني القديم والذي لا يجاري التغييرات التي تحصل اليوم لا في مجتمعنا ولا حتى في العالم !
    مشكلة اخرى هي تضييق الخناق على العرب في المدينة والتوسع الجغرافي في الاراضي كما ذكرت محدود جدا والتفرقة واضحة للعيان مثلا ، كل من يريد ان يعمر بيتا على ارضه -ان لم تكن البلدية قد صادرتها- يجب ان تأخذ البلدية الطابق الاول فيها او الثاني !
    فبالله عليك أين سيذهب هذا الشاب ليبني بيته وان كان هناك بيوت من أين يأتي بالايجارات الخيالية ليستأجر ؟
    مشكلة اجتماعية تنبع هنا هي من يريد الزواج يجب عليه دفع اللي فوقه واللي تحته عشان المهر ! وللاسف المهور غالية جدا في القدس وصارت الشغلة تعجيز ..
    الشب لما بشوف هيك بفكر بطرق سلبية وملتوية اخرى عشان يشبع رغباتو !
    عندها ترتفع عندك نسبة العنوسة وغيرها من المشاكل الاجتماعية ايضا ،،
    أمر آخر بشأن الاصلاح ، لا يخفى عليكم الانقسام الفلسطيني ولا يخفى عليكم “اتحاد” السلطة في رام الله مع اسرائيل وايضا لا يخفى عليكم المؤسسات الخيرية التابعة لحماس التي اغلقت في القدس ، لست مع حماس ولا مع فتح ، ولكن صدقا المؤسسات التي كانت ترعاها حماس او قل هي التي أنشأتها كانت تساعد كثيرا من العائلات سواءا ماديا او اجتماعيا ، يعني اذا كان في منفذ لبعض العائلات الفقيرة فقد أغلق في وجوههم !
    الكلام يطول والمشاكل لا تنتهي ، عندك كمان الشب لما ما بلاقي يتعلم اذا بفكر يتعلم بدو يتوجه للشغل واليوم طبعا الشباب اللي بتروح تشتغل عند اليهود الله بعلم كيف بترجع اذا رجعت سليمة من دون مخدرات وغيرها !
    الدائرة او الطوق بدأ يظهر جليا لأهالي القدس وبدأ يضيق عليهم أكثر فأكثر ،، تبحث فلا تجد حلا واحدا هو زوال الاحتلال !
    اعتذر على الاطالة ، والحكي العامي والفصيحة الخليط ! وبالاخر ،، ألحكي مش زي الشوف !
    بوركتم اخي

    • نوفمبر 7, 2011 الساعة 18:21

      بالنسبة لامتحان الثانوية العامة الفلسطيني, أبشرك أن المشكلة ليست من عند بلدية القدس أو الحكومة الإسرائيلية. مدارس القدس تريد أن تظل متمسكة بالمنهاج الفلسطيني من باب أنه “يقدم الحقائق التاريخية الصحيحة” و أن منهاج البجروت يعمل بشكل جاد على تشويه معالم القضية الفلسطينية و تذويب العرب في المجتمع اليهودي أكثر (و هذا صحيح). المنهاج الفلسطيني و نظامه التعليمي متخلف قرن و نصف و ثلاث سنوات تقريباً, لكن نحن الذين نقاوم التغيير, لسبب أو آخر.

      أهل القدس عندهم قلة وعي قاتلة, صحيح أن الجمعيات الخيرية التي كانت ترعى الكثير من العائلات ولائها لحماس (و أغلقت), لكن لماذا لا يستطيع سكان المدينة إنشاء جميعة مدنية لخدمة أنفسهم بعيداً عن تمويل “مشبوه” أو غير مرضي عنه؟! في معظم العواصم العربية فعلوها, إلا في القدس! ما زالت الجمعيات التي تعمل فيها إما بدعم خارجي (منظمة المؤتمر الإسلامي أو غيرها) أو تابعة بشكل صريح للحركة الإسلامية و هو ما يعرضها في كلتا الحالتين إلى الإغلاق و المضايقة.

      الزواج هو فعلاً مشكلة, لكنني لا أستطيع القول (مع غلاء متطلبات الزواج الباذخة الفاضية) أن عندنا “عنوسة”. أهل القدس معدودون و الخيارات ليست متاحة =)

      متى نصحو؟؟

  2. نوفمبر 7, 2011 الساعة 19:08

    السلطة الفلسطينية وواسرائيل بنظري صارو وجهين لعملة واحدة !
    ممم بدك حدا يفكر ! والمشكلة انو اللي بفكر بلاقيش تمويل ، واللي بلاقي تمويل بطلعولو مليون سبب ما يعطو ترخيص واذا أعطو بسير بعدين مشبته فيو وتابع لكذا كذا ،،
    انا ما قلت في عنوسة ، بل اذا الوضع ازداد سوءا بسيرو قلة بتزوجو وبتطرأ هاي المشكلة ، ان شاء الله ما نصل لهيك وضع ،،
    والله يفرجها على جميع المسلمين ،،
    حاليا الناس اللي صاحية بتكفي شوي ، بس بدك تتحرك !!!
    والله المستعان ،،

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: