الرئيسية > Me & People أنا و الناس, Misc. منوعات, Social اجتماعيات > القدس… ما عاد القلم يستطيع كتابة ً

القدس… ما عاد القلم يستطيع كتابة ً

بسم الله الرحمن الرحيم

القدس… ما عاد القلم يستطيع كتابة ً

كنت أتجول اليوم في شوارع القدس. كانت الساعة تقارب منتصف النهار, كان علي أن أتأكد من الوقت في ساعتي, ثم الجوال… و كدت أسأل أحد المارة لعل ساعتي معطلة أو فيها خلل. لم يكن هناك أي خلل, كان الوقت منتصف النهار بالضبط. الشوارع ليس فيها سوى قليل من الناس, المحلات كثير منها مغلق. الناظر يتأكد أن هناك خللاً ما أصاب هذه المدينة التي كانت في يوم من أيام طفولتي مزدحمة بشكل عجيب!

كتبت كثيراً عن “القدس الحزينة” و “القدس تحتاج أهلها” و غيرها من المواضيع, اليوم عرفت أن القدس تعدت مرحلة الحزن و صارت تعاني اكتئاباً حاداً. انطوت على نفسها و ما عادت تبالي بمن فيها. أبناؤها رموها على زاوية الشارع و تركوها تلوك حظها التعيس و تبلع معه شيئاً من أيام مجدها.

القدس تموت شيئاً فشيئاً, قتلتها بلدية عنصرية أهملتها بل و تعمل على تخريبها, و قتلها تصرفات أهلها.

لا نجد في مخططات أي أحد مشروع يفيد به المدينة فقط لإفادتها وليس للربح. لم يعد أهل القدس يدعمون تجارها, ولم يعد الشباب يجدون عملاً “يطعم” في الجانب الشرقي من المدينة. فهربت الطاقات إلى الجانب الغربي من المدينة, عند اليهود. اللوم هنا واقع على الطرفين, التاجر و الشاري. ولا يخفى على أي مواطن مقدسي أن الغش و الغلاء الفاحش منتشر جداً بين تجار القدس, فالناس تتجه إلى الأرخص بما يتوافق مع ميزانيتها (النزر القليل الذي يتبقى من المرتب بعد دفع كل الفواتير و الضرائب التي تأكل نصفه على الأقل, ثم يأتي الإيجار على النصف الآخر!) و البشر بطبيعتهم لا يحبون الغشاش و حالف يمين “تنفيق البضاعة” (و الله انها علي بكذا لكن أنا ببيعها فقط لك بأرخص و علي بخسارة… يفضح **** كذبك, كيف تاجر و بايع بخسارة و دكانك ماشي من عشرين سنة!؟). و كذلك بالنسبة للوظائف, المرتب قليل جداً و احترام الموظف غير موجود. الشاب يغريه المرتب الذي يأخذه في عمل وضيع كالبناء أو ترتيب الخضراوات و البقالة على أرفف رامي ليفي و سوبر سيل (أسماء ميجا ماركت في القدس), لماذا يدرس إن كان في النهاية سيعود ليعمل بنفس المرتب هذا في وظيفة؟ في رامي ليفي (أو غيره) لا احترام للعامل, لكن على الأقل الدفع مجز مقارنة بـ …

و ماذا في القدس لينزل الناس إلى شوارعها؟ المدينة تصحو الساعة الحادية عشرة و تنام الخامسة عصراً. فيها مطاعم بعدد أصابع اليد قائمة مكانها منذ الأزل, و كل فترة و أخرى يفتتح مقهى لا يلبث أن يغلق أبوابه لقلة الزبائن, لا توجد مكتبات (محلات لبيع الكتب, و ليس محلات بيع قرطاسية… يجب على الناس أن تصحح هذا المفهوم) ولا يوجد أي شيء يقضي فيه الناس وقتهم. كانت “الصياعة” على أيام المدرسة إما في رام الله أو شارع صلاح الدين في القدس, اليوم صارت الصياعة إما في “ماميلا” (مركز تجاري بني على أنقاض مقبرة مأمن الله بالقرب من باب الخليل ‘يافا’ في القدس) أو في شارع يافا, و كلاهما في الشق الغربي من المدينة. حياتنا صارت تتحول ببطء نحو الشق الغربي, و شيئاً فشيئاً فإن حياتنا صارت متعلقة باليهود (التسوق من المراكز التجارية الكبيرة, العمل و الوظيفة… إلخ) أكثر فأكثر.

يتفطر قلبي على القدس عندما أغيب عنها شهوراً و سنين لأعود فأرى وجهها كساه الحزن و علاه غبار الإهمال. القدس, المدينة التي بنيت كل آمالي و أحلامي فيها لم أعد أستطيع النظر في وجهها أو أن أنظر في وجوه سكانها.

حتى السكان اليهود (غير المتدينيين) صاروا يهجرون المدينة و يفضلون السكن في تل أبيب أو حيفا أو غيرها من المدن الشمالية. البلدية يسيطر عليها اليهود المتشددون, يريدون تحويلها إلى “مدينة الهيكل”, لا يسكنها سوى من يلبس قبعة سوداء و له سوالف طويلة و وراءه عشرة أولاد.

القريب المعاصر لا يلحظ التغيرات الجزئية الصغيرة, ولا يستطيع في خضم الصراع و معمعة الحياة أن يلاحظ. لكن اخط خطوة للوراء و ابتعد قليلاً لتنظر على الصورة الكبيرة تتضح لك أشياء و أشياء. أمعن النظر و سترى أشياء كثيرةً لن تنتبه لها.

كأن جراحك في جسدي أنا, و كأن ألمك يسري في عظامي… الله يجيبك يا طولة البال!

  1. نوفمبر 5, 2011 الساعة 02:14

    صدفة بحتة جاءت بي إلى هنا
    ولكم تمنيت أن اقرأ ما يخفف بعض الشيء من ألم الحنين الدائم للقدس وشوارعها
    ولكن تألمت أكثر
    شكرا

  2. najla
    نوفمبر 7, 2011 الساعة 17:49

    أشعر بالألم
    أحلامي كلها تدور حول القدس ، و زيارة القدس
    كم أحلم بزيارة ذلك السوق الذي زرته في صغري كان ممتلأ بالزوار !
    أما الآن فكأني أروه خاليا من الناس ..!

    لكن لا تقلق ستعود تلك الأيام و إن لم تعد أعدناها ..🙂

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: