التوجيهي… هدف بذاته؟

بسم الله الرحمن الرحيم

التوجيهي… هدف بذاته؟

في كل سنة, وابتداءً من شهر 6, في بيت أو آخر تبدأ حالة الطوارئ و يفرض حظر التجول على الحارة بأكملها… لأنه عندهم “توجيهي”!!

التوجيهي هو اسم امتحان الثانوية العامة في فلسطين و الأردن, الامتحان الذي يخضع له طلاب آخر سنة دراسية في المدرسة. قبل هذا الصف النهائي بسنة يقسم الطلاب إلى فروع بناءً على أدائهم في الصف العاشر, و التصنيف الغالب هو “علمي” و “أدبي”. هناك فروع أخرى مثل الصناعي و الزراعي, لكن طلابها أقل بكثير من الفرعين السابقين.

المشكلة الأزلية في نظام التوجيهي هو أنه نظام بالٍ و لم يعد صالحاً للاستخدام, و بالتالي فإن أي تعديل أو “تصليح” في إطاره هو كإدخال تعديلات غالية الثمن على سيارة “لادا” روسية عمرها أربعون سنة, التعديلات لا تزيدها سوى شناعةً و سوءاً! لأنه بغض النظر عن نوعية التعديلات, الأساس الذي نعدل عليه خاطئ.

هناك الكثير من الأشياء الخاطئة في التوجيهي, الكثيييييييييير!! من ضمنها و أهمها أنه ليس نظام يقيس المستوى العلمي أو الأكاديمي للطلاب بل هو مقياس لمدى قدرة الطلاب على الحفظ و جلدهم على “بصم” صفحات بأكملها كما هي. الأمر الآخر هو أنه overrated, تصعب ترجمة هذه الكلمة, لكنه بالمختصر يظهر بحجم أكبر بكثير من حجمه الحقيقي… التهويل, التضخيم, كلها مصطلحات يمكن استخدامها. و الأمر المهم في هذا النظام أنه يقسم الطلاب, أنت إما “علمي” و عليك أن تكون ممتازاً في الفيزياء و الرياضيات و الكيمياء, أو أنك “أدبي” ولا تصلح لك هذه المواد و عليك أن تلتزم بالجغرافيا و التاريخ و هذه المواد و شاكلتها… لا يمكن لك أن تكون مبدعاً في الكيمياء و الأحياء دون أن تكون ماهراً في حل المعادلات الهندسية و الرياضية! ولا يمكن لك أن تحب التاريخ و في نفس الوقت تدرس الرياضيات المعقدة أو الفيزياء! نظام الـ “خذه كله أو اتركه كله” هذا عفا عليه الزمن و صار لازماً علينا أن ننتقل لنظام الوحدات كالجامعات و الكليات, كل طالب يدرس ما يحتاج من المواد لتخصصه الجامعي. لماذا يدرس من قرر أن يدخل المجال الطبي الفيزياء المتقدمة؟ و لماذا على الذي قرر دخول مسار الهندسة دراسة الأحياء المتقدمة؟ و هناك مود مهمة مفقودة من المنهاج كله, المواد التي تعتمد على إعمال العقل ولا توجد نتيجة ثابتة لها… الفلسفة. لا أعني هنا المصطلح الشعبي للـ “فلسفة”, بل الفلسفة العلمية و المنطق الذي يناقش أمور الحياة و يوازن بين الأشياء. الإدعاء غالباً وراء دراسة مواد لا يستفاد منها في التخصص هو “تساعد في الحياة” أو مهمة في جوانب فرعية… الفلسفة و المنطق مفيدة أكثر من كل هذه المواد, لأن صاحب الحجة و التفكير السليم هو الذي ينجح في حياته.

التضخيم لحجم التوجيهي و أهميته بأنه “مقرر لتخصصك و بقية حياتك” (هذا العبارة كما نقلتها متناقلة على ألسن الناس, و يكررونها كثيراً) يولد الكثير من المتاعب, للناس و للطالب نفسه. منذ أن تبدأ سنتك “التوجيهي-ية” تبدأ كل الحارة تسأل عنك و فجأة يهمها حالك و مدى تقدمك في المعركة الحاسمة الساحقة المدمرة ضد العدو اللدود… العلم! كطالب توجيهي سابق أنهى دراسته منذ سنوات… أرجو من كل الناس أن يحتفظوا بتوجيهاتهم لأنفسهم, و أرجوكم جميعاً رجاءً حاراً… “سكروا ثمامكم” و اتركوا الطالب و حاله!! الطالب يعلم جيداً أن عليه أن يدرس بجد لينجح و يحصل على علامة عالية, و يعلم جيداً أن عليه أن يدرس 29 ساعة باليوم ليكون الأول على البلد… كل الطلاب يعلمون هذا, ولا يحتاجون لأحد بأن يذكرهم بهذا الكلام لأنه قديم, و معروف… و قول البديهيات من الغباء و يظهرك أمام الناس بمظهر الحمقى! يا أخي اسأل عن ابن الصف التاسع أو السادس… يعني دراسته مش مهمة مثلاً!؟ ولا ابن التوجيهي صار مستباحاً للجميع يسأل عنه و “يوجهه” على كيفه!؟

“and these children that you spit on as they try to change their worlds are immune to your consultations. They’re quite aware of what they’re going through.” -David Bowie/Changes

ينتج عن كل الكلام السابق و التضخيم لهذه المرحلة التي ما إن تنتهي منها حتى يتضح لك مدى سخافتها, و كيف لا أحد يهتم لمعدلك أو كيف درست, ينتج عنه أن تقام الحفلات و الولائم لنجاح طالب (غالباً ناجح بصعوبة!), و الحفلات حتى أنصاف الليالي مع الأغاني و المفرقعات.

يأتيك التساؤل في وسط هذه المعمعة… هل النجاح في التوجيهي هو هدف بذاته؟ لماذا يحتفل صاحب الـ 50% و الـ 60%… أو حتى الـ 65%؟! هذا ليس “نجاحاً”… هذا مجرد شهادة إنهاء 12 سنة تعليمية و كفى! لا توجد جامعة تقبل طالباً بمعدل 50% أو 60%, فيخرج طالب التوجيهي صاحب الفرحة العامرة و الإحتفال الجامح بشهادة مفادها “ناجح بصعوبة و بالكاد”… ثم لا شيء! هل دخل صاحب هذا المعدل صفه الأخير فقط لينجح؟ و بعدها؟ الجواب غالباً هو “عامل عند اليهود”! لا توجد طريقة أو وسيلة لتزيينها أو تحلية الموضوع… “عامل”! لماذا لم تختصر سنة من عمرك و تبدأ بالعمل؟ “ناجح توجيهي”… !

لعل التركيز العظيم على التوجيهي هو السبب في غياب الوعي عند الطلاب عما سيفعله بعد أن ينتهي من هذه المرحلة. طالب التوجيهي غالباً هو كالجندي في الحرب, يتحرك من مكان لآخر, يقاتل و يطيع الأوامر… ثم ما إن تنتهي الحرب حتى تختفي الحاجة إليه, و ماذا بعد الحرب؟ ماذا سأفعل؟ ركزنا كثيراً على تزيين الدرج والاعتناء به و نسينا إصلاح البيت أو ما فيه!

العجيب في الأمر كله أنه بعد شهر بالضبط لا أحد سيذكر كم كانت نتيجتك, ولا من أنت. لا أحد سيعرف إن كنت “علمي” أو “أدبي”, هل حصلت على 99% أم 60%؟ كل ما يهم الناس في النهاية هو ما هو تخصصك, ثم بعدها ماذا تعمل… هل سمعتم بأب يسأل الشاب المتقدم لابنته كم كانت علامتك في التوجيهي, أو أي فرع كنت!؟

أنا لا أتوقع حلاً لهذه المشكلة في ظل نظام التعليم الفلسطيني تحت هذه الحكومة و في مثل هذا الوضع… الأساسات كلها مخلخلة و خاطئة, لن يحلها سوى الهدم الكامل و البناء على أرض نظيفة مجروفة جيداً.

“هدووووووء… لا أحد يتنفس, الولد عنده توجيهي!”… “ناجح توجيهي… طز”!!

——————————-

—————————————————

————————————————-

consultations

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: