جندب بين الأقدام

بسم الله الرحمن الرحيم

جندب بين الأقدام

بينما أنا جالس اليوم في أحد “الشوارع” في الجامعة منتظراً للمحاضرة التالية في جدولي قاتل النهار المليء بالفراغات القصيرة, قفز أمامي جندب من الحجم الكبير لونه أسود.

كان هذا الجندب ملفتاً و مثيراً للاهتمام, ليس فقط لحجمه و اللون البرتقالي الذي على رقبته, بل لأنه قفز هكذا فجأة بين الأقدام بلا مبالاة ولا وجل.

أعلم أن الحشرات ليس لديها الإحساس و التقدير الذي لدى البشر, فالنملة و الصرصور لا يدركون و هم يمشون أن هذا قد يكون شارعاً, أو أن هذه البقعة قد تطأها قدم. هم يحسون بما حولهم في تلك اللحظة و يتصرفون على ذلك الأساس. لكن الأمر المعنوي هنا جعلني أفكر.

هذا الجندب كان بين أقدام كثيرة, كلها تكاد تدوسه و تصيره عجيناً مسواً بالأرض, و أحس أكثر من مرة بالخطر فتحرك خطوات قليلة و توقف. وسط هذا الخطر المحدق بحياته بدأ ينظف قرونه الاستشعارية, و مرة يحك جناحه, المنظر واضح أنه ينظف نفسه و “يلمع” أجنحته و قرونه! لم أستطع تجاهل لامبالاة هذا الجندب. أهي جرأته أو هي حماقته؟ لربما هي افتقاده لعقل يبقيه مشغولاً بكل الفرضيات التي لا تنتهي حول إمكانيات موته أو عدم اكتراث أحد بحياته أصلاً!

أفتقد أحياناً تهور الجندب و تركه للحسابات الكثيرة و تنفيذه لما يحب و يراه مناسباً في تلك اللحظة.

أحس و كأنه كلما كبرنا و تعرفنا على العالم أكثر كلما زادت الأمور التي نأخذها بالحسبان و زادت القيود التي تكبل همتنا و سعينا نحو الأشياء.

إذا سكت الجميع خوفاً, فإن من يقول الحق بلا وجل هو طفل. إذا أحجم الناس عن شيء ما و هابوه أقدم عليه طفل. كل ما يظنه الناس مستحيلاً يفعله الأطفال ولا يكترثون بذلك كله!

لا أتمنى أن أعود طفلاً, فقد تعلمت الكثير لأخسره, و لكنني أتمنى أحياناً لو أستبدل أجزاء من دماغي بدماغ الطفولة. و ربما أزيل بعض الأجزاء منه! أريد أن أستبدل ذلك الجزء الذي يستمر بتخويفي من الأشياء و يستمر بحساب العواقب, ذلك الجزء الديكتاتوري صاحب السطوة الأمنية علي! و أريد أن أستبدل قسم اللوم و الذكريات الفاشلة, بل أريد إزالة هذا القسم تماماً! لا أريد عقلاً يصرخ ليل نهار “لمَ لم تفعلها؟ لمَ فعلتها؟!”. قسم يستمر بإخباري بأنه من الماضي و لا يمكن تغييره, و ذاك الجزء يستمر بتوبيخي!

ذلك الجندب ربما يعلم أن نهايته قريبة ولا يمكنه التحكم بها, و ربما لا يعرف. في كل الأحوال هو يخرج كل يوم, ككل الأعداد التي لا تحصى من الحشرات, ليبحث عن رزقه و يمضي يومه في ما تفعله الجنادب. حياته ستنتهي في أية لحظة, إن داسه أحدهم خطأً أو إن مر مؤذٍ فوطئه عمداً, و مع ذلك هو لا يكترث و يجد الوقت ليقف بين كل تلك الأقدام و ذلك الجمع الكبير لينظف نفسه و يتشمس قليلاً!

لا أعلم بماذا كان يفكر, ربما قرر أن ينتحر! لكن هذا الخاطر سرعان ما مر عندما داسه أحدهم بالخطأ فقفز مرة واحدة و أسرع ليختبئ في شق بين حجارة الرصيف. هو يريد أن يعيش, لكنه يعيش كما يريد ولا يهمه رأي الناس بأنه يسوق نفسه نحو الموت, و يرمي بجسمه بين الأقدام.

خوفنا يلجمنا, و ما زال يلجم الكثيرين. يلجمهم من المقاتلة من أجل مستقبل أفضل, و عدالة و حرية تعبير. يلجمهم من المطالبة بحقوقهم. نفكر كثيراً في الأمور على المستوى القريب, ولا نعلم أن المستقبل سيكون أفضل إن تخلصنا من خوفنا.

تمنيت أن أكون أكثر مثل ذلك الجندب, و مثل عقلي الطفولي, و أقل من عقلي المتوجس الذي يحسب كل شيء و يزنه بميزان!! تتكاثر الافتراضات و النتائج في عقلي و لا نجرب أن نفعلها و نرى إن كانت النتيجة كذلك فعلاً!

من الآن سأحاول أن أحسب النتائج أقل, و أكون أكثر “تهوراً”. سأفعل الشيء من غير ندم أو عتاب, و سأتقبل الأشياء كما هي و أحاول إصلاح ما أستطيع مع اعتماد مبدأ “طنش تعش تنتعش” للناس التي لا تبالي. لن آكل نفسي بعد الآن إن لم يتحقق المطلوب, تغيير كامل للأهداف و الرؤى =)

  1. أبو الخل
    يناير 31, 2012 الساعة 21:12

    يا عبد الرحمن، كيف لك أن تزيل قسم اللوم و الذكريات الفاشلة؟
    إنه من أكثر الأقسام أهمية
    إنه الدافع الذي يبعدنا عن أخطائنا فبذلك ننتج بشكل أفضل في المستقبل
    و من أخذ ذلك القسم بالحسبان، لم يكن ليكبر مع الزمن

    كل ما أقصده جملة قرأتها منذ زمن
    “ما نحن إلا حصاد و مجموع تجاربنا و أخطائنا”
    فما علينا أن ننظر لذلك القسم بسلبية كهذه

    آمل أنك عندما قلت أنك ستكون أكثر تهورا، أي أنك سوف تكسر حاجز الخوف فقط عندما يحسب مخك أن هناك نسبة للفشل كبيرة، فأجمل الإنجازات أتت بعد تكرار الأخطاء، لا مبدأ طنش تعش تنتعش
    أرجو مراجعة نفسك في هذا المبدأ

    • يناير 31, 2012 الساعة 21:26

      أقصد مبدأ ترك اللوم الداخلي. كسر حاجز الخوف, و ترك ما هو مسجل في عقلي على أنه “مستحيل” أو “ألا تذكر ماذا حدث آخر مرة!؟”

      “ما نحن إلا حصاد و مجموع تجاربنا و أخطائنا”
      لا يهم كم مرة تفشل, كل مرة هي درس في جدوى تلك الطريقة =)

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: