قصص و ذكريات

بسم الله الرحمن الرحيم

قصص و ذكريات

نمر كلنا بظروف و مواقف نحملها معنا إلى أن نموت. هذه المواقف قد تغير منحنى حياتنا, و قد تعلمنا أشياء جديدة أو تجعلنا نقرر تحويل طريقة التعامل مع شيء ما.

ككل البشر, أحمل في ذاكرتي مواقف جميلة, و مواقف أخرى أتمنى لو أنني أعرف ما أعرفه اليوم لأتصرف بشكل لائق. لكن, لا يمكنني تغيير الماضي, ولا ينفع جلد النفس على تلك المواقف, فيبقى لي أن أستخلص العبر و المستفاد كي أتجنب أو أكرر.

سأسرد بعض المواقف المحفورة في ذاكرتي و التي أستمر باسترجاعها باستمرار, و هي أشياء شخصية لن أذكر فيها أسماء, و قد تتضمن أفراداً آخرين قد يقرأون و قد لا يقرأون ما أكتب. فمنهم العذر إن أخطأت, و الشكر إن صححوني.

  • تجربة العدس

عندما كنت في المدرسة الابتدائية, كان في منهاجنا دراسة نمو النباتات و حاجتها للضوء كي تكون غذائها. و كانت في الكتاب تجربة عن ظروف نمو النبات, تجربة زراعة العدس في ظروف مختلفة.

كان المطلوب هو فحص الظروف الباردة و العادية, المعتمة و العادية. فكانت لدي أربع عينات, اثنتان مكشوفتان, و اثنتان في صندوق معتم. و وضعت واحدة ً من كل مجموعة في الثلاجة (ظروف باردة) و الباقي في حرارة الغرفة.

راقبت و سجلت تطور العينات, و بعد أن حان موعد عرض النتائج كانت المفاجأة أن عدداً قليلاً من الطلاب نفذوا التجربة فعلاً و أعتقد أنني كنت الوحيد الذي نفذها بدقة و حرفية. نتائجي كانت أن العينات في الثلاجة لا تنمو بضوء أو غيره, و العينة المعتمة تنمو بسرعة لكنها عديمة اللون, و العينة في الشمس (ظروف طبيعية) تنمو بشكل عادي.

أنا لم أكن أعرف أي شيء عن حلقات الطاقة و غيرها من الأمور المتقدمة التي درستها في سنوات لاحقة في مادة الأحياء, و على ما يبدو كذا كان أستاذي!!

عندما عرضت النتائج, رفضها و قال بأن النبات يحتاج إلى الضوء كي ينمو, فكيف يمكن له أن ينمو بسرعة كما فعلت عينة العتمة؟! سألت أبي عن النتيجة و قال لي بأنها صحيحة, و أن النبات ينمو بسرعة في الظلام و يبحث عن أية نقطة ضوء ممكنة. قرأت كتباً في المكتبة عن الكلوروفيل و تصرفات النبات في الظلام و وجدت أن نتائجي صحيحة. عدت إلى الأستاذ بالاثباتات و استمر على إصراره بأنها نتائجي خاطئة و رفض أن يعطيني علامات زيادة على التجربة.

و كعادة الطلاب اصطفوا مع الأستاذ لأنه “يعلم أكثر” و بقيت فترة في الصف أدعى بـ “مخترع” (لم تكن تقال بطريقة إيجابية) و “مجنون”!

خلاصة القصة: لا تدع أحداً يثبط من عزيمتك, و أعلم أن من لا يقال عنه “مجنون” فهو لا يتقدم. قيل عن كل مخترع عظيم “مجنون” و لولا “جنونهم” ما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. و لولا أنني نعت بالمجنون و “المخترع” لما أصررت على شغفي بالعلوم و الأحياء. و كبر سن من هو أمامك ليست شهادة ً على كبر علمه و فهمه, لا تستهن بنفسك, و ليس عيباً على كبير أن يستفيد من صغير. العلم و المعرفة في النهاية هي علم و معرفة, لا تتأثر بالعمر.

  • مسابقة القصة القصيرة

أيضاً لما كنت في المدرسة الابتدائية كان عندي في يوم واجب لغة عربية, و كنت لا أرغب في إنجازه و كنت أكره مادة اللغة العربية كمادة تدريسية (ولا زلت. لكنني أعشق اللغة العربية كلغة و إبداع). و قررت في ذلك اليوم أنني سأكتب مقالاً (لا أذكر ما هو بالضبط) على هامش الصفحة التي تدلل على بداية الفصل الثاني (كان دفتراً كبيراً قسمته إلى فصل أول و ثان). و سلمت الدفتر ككل الطلاب في اليوم التالي كي أنجو من ضربة العصا لمن لم يسلم, ضربة مضاعفة لاحقاً مقابل أن أنجو من العقاب اليوم!!

عكس توقعاتي و لمفاجئتي, طلبني الأستاذ في غرفته لاحقاً ذلك اليوم و أثنى على كتابتي و مدحها… و كل ما كان يدور في عقلي هو “نجوت من العقاب… يسسسسسس!!!!”😀

أشركني الأستاذ في مسابقات للقصة القصيرة على مستوى محافظتي القدس و رام الله, و حتى ذلك الوقت كنت أكتب بعفوية و برأيي كانت كتابات “عادية جداً” بل و حتى لم أهتم بالموضوع إطلاقاً! كنت فقط “أكتب”! و أحرزت دائماً مراكز لا تقل عن الثاني! و لم أدرك معنى الفوز و احراز المركز الثاني إلا لما أحرزت المركز الثاني مرة أخرى على المدارس الثانوية في القدس.

مسابقات المرحلة الابتدائية كانت بتنظيم وزارة التربية و التعليم, أعلنت النتائج في وقت قصير (بعد شهر تقريباً), و لأنني كنت مجرد طفل فإن كل ما كنت أنتظره هو الجائزة و التكريم! مر شهر و شهران و ثلاثة… إلى أن جاء يوم في امتحانات نهاية العام أن ناداني الأستاذ و أعطاني مظروفاً لونه بنياً فاتحاً قال أنه الجائزة. كان فيه ربع ياسين, و مسطرة بلاستيك, و بعض أقلام الألوان و دفتر رسم… بصراحة كانت أشياء سعرها لا شيء و بدت كأن أحدهم فتح جرار درجه و جمع بعض الأشياء و وضعها في المظروف! لم يرسلوا حتى شهادة تقدير!!

كنت قد نسيت عن أمر المسابقة تماماً, و لم تعن لي “الجائزة” أي شيء إذ أنني لم أستفد من شيء واحد فيها. كان عندي ربع ياسين جودته أفضل, و ماذا أفعل بأقلام الألوان و دفتر الرسم؟! كنت على أبواب الإعدادية!!

العبرة: شخص واحد يثق فيك قد يغير حياتك إلى الأبد. لولا هذا الأستاذ العظيم ما ظننت أنني كنت كتبت يوماً حرفاً و نشرته. و لولا أن موهبتي اكتشفت في عمر صغير لا أعي فيه معناها تماماً لما أظن أنني لاحقتها و نميتها كما هي اليوم, كنت غالباً قلت لنفسي “أنا؟! كاتب؟! لا يمكن!!”. و أرجو من منظمي المسابقات بذل المزيد من الجهد في إظهار التقدير, فهو يترك أثراً أبدياً في نفس المبدع.

  • الإذاعة المدرسية

نتيجة لتفوقي في الكتابة و إحرازي لكثير من الانتصارات في مختلف المسابقات الثقافية و الكتابية, كان اسمي دائماً أول اسم يذكر عندما تظهر كلمة “إذاعة مدرسية” أو “مسابقة ثقافية”!

هذه المرة في نهاية المرحلة الإعدادية, و بعد أن انبهر الكثير من المعلمين من مهارات تقديمي للإذاعة في مرات سابقة, كلفت بترتيب الإذاعة.

و نسيت أمرها تماماً و نسيت التحضير لها, و تذكرت في طريقي للمدرسة في صباح ذلك اليوم!! ألقى طلاب من المرحلة الثانوية أكثر من مرة الإذاعة ارتجالاً, أو على الأقل من غير ورق. و قلت لنفسي “سأفعلها!!”

و حضرت بعض الكلمات بيني و بين نفسي و قلت “ما هي درجة صعوبتها بأية حال؟!”, و حان الوقت بعد أن ألقى المدير كلمته… و صعدت على المنصة العالية التي تشرف على كل طلاب المدرسة, من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية… و تجمد لساني و رجفت رجلاي!! تلعثمت بالكلام و كانت غالباً أسوأ إذاعة في تلك السنة!

العبرة: دائماً حضر لما أنت مقبل عليه, حتى لو كنت من أفضل الناس في مجالك. شهرتك لا تغني عن العمل.

  • المسؤولية هي مسؤولية!

في المرحلة الابتدائية, أو ربما بداية الإعدادية, أوكلت إلي مهمة ترويح أختي و ابنة خالتي (التي هي أيضاً أختي). و كنت سعيداً بهذا لأنها “مسؤولية” و فقط “الكبار” يتحملون مسؤوليات!

لكنني لم أكن أعي تماماً معناها, و بطريقة ما ربما كنت أظن أن بين البشر اتصالات لاسلكية تنقل ما في عقلي إلى عقولهم!!

مرة تأخرت بعد انتهاء الدوام و بقيت مع أصدقائي لنلعب لعبة كرة قدم (و كانت أمي لا تسمح لي بالتأخر بعد المدرسة, و بالتالي فلم أكن أشارك أصدقائي في أي شيء يفعلونه بعد الدوام, و التي غالباً ما كانت تبدو مشوقة!), و لم لا؟ فأنا الآن “كبير” أتحمل مسؤوليات أستحق أن أتصرف مثل “الكبار” و أتأخر قليلاً!!

و ظننت أن تأخري سيكون مبرراً لأختاي و أنهم سينتظرون كالعادة, لكن على ما يبدو فقد تأخرت جداً. و ضجرت ابنة خالتي و أعطاها أحدهم مبلغاً من المال يكفي للمواصلات. و كالباشا ذهبت أنا إلى المدرسة لاصطحابهم فوجدتها مغلقة!! و لما لم أجد أحداً اتجهت إلى البيت “بشكل عادي جداً” و لم تمر في خاطري دقيقة تفكير واحدة!!!

طبعاً أمي و خالتي أصيبتا بالصدمة, و أنا كطفل صغير لم أكن أعي حجم ما فعلت و إهمالي لمسؤوليتي, و استمررت باخبار نفسي “ما المشكلة في الموضوع؟ ألم يصلوا إلى البيت على أية حال؟!”. و في اليوم التالي, و بدلاً من أعتذر لبنت خالتي عن تصرفي بدأت أعطيها درساً عن ضرورة إعادة النقود لصاحبها!!!

في السنوات اللاحقة, و بعد أن كبرت أدركت مدى خطأي و “انعدام مسؤوليتي” وقتها. و أكثر ما يحز في نفسي أنني لم أعتذر أو أعترف أن ما فعلته كان خطئاً!

الخلاصة: الطفل إدراكه الكامل غير موجود, و مع أنه من المشجع أن يتحمل الطفل مسؤولية, يجب أن تكون على حجمه. و عندما يخطأ يجب توضيح أين كان الخطأ و لماذا, و يجب أن تعطى الحلول لهذا الخطأ لضمان اجتنابه في المستقبل.

  • الحب ليس عيباً!

أيضاً إحدى مشاكساتي في المرحلة الإعدادية. في الصيف الذي يفصل بين المرحلة الابتدائية و الإعدادية التحقت بدورة لتعليم اللغة العبرية. كنا مجموعة حوالي الخمسة عشر. و التقيت فيها أختان, واحدة كانت بعمري و الأخرى أكبر مني بسنتين. الأخت الصغرى وجدت لها صديقة أخرى في المجموعة, و أنا “ضربت صحبة” مع الكبرى و بشكل عجيب تآلفنا بسرعة.

كنا أصدقاء نتحدث لوقت طويل في الكثير من المواضيع. في الحقيقة إلى اليوم لا أعرف لم اختارت صحبتي مع وجود اثنين في المجموعة من عمرها. و لكن كعادة تصرفاتي الطفولية التي دائماً ما تدمر أي شيء جيد في العلاقات, خربتها!!

عرفتني في يوم من الأيام بشكل عفوي إلى عائلتها التي جاءت لاصطحابها بعد انتهاء المحاضرة, و لا أدري ما الذي قلته أو فعلته, لكنني متأكد من أنني قلت شيئاً غبياً جعلها تعود في اليوم التالي غاضبة ترفض محادثتي و بقيت كذلك إلى نهاية الدورة.

في الفترة ذاتها أخبرت أحد أبناء أو بنات عمي أنني “أعرف فتاة” و انتشر الخبر بينهم بسرعة! و بدأت السخرية تنهال علي من الأكبر سناً, و المكائد من الأصغر أو المساوين في العمر! كنت أشعر بحالة من النشوة أنني أعرف فتاة من خارج العائلة و الأطر العادية, و في نفس الوقت أخاف أن يتسرب الخبر إلى أهلي لأنني أعلم أنها ستصير “قصة كبيرة”!

صداقتي تدمرت و لم أسمع منها بعدها, حتى أنها حذفت بريدها الإلكتروني مباشرة! و كل ما تبقى لي هو حالة الاستهزاء و السخرية بين أفراد العائلة الصغار أدت فيما بعد إلى مواجهات و تدهور للعلاقات بيني و بين بعضهم إلى أن كبرنا قليلاً و أصلحت.

العبرة: الحب ليس عيباً, و ليس شيئاً عجيباً! و مع أن صداقتي مع تلك الفتاة لم يكن “حباً” بالمعنى الحرفي, إلا أنها كانت صداقة جميلة و كنت سعيداً أنني وجدت شخصاً يشاركني اهتماماتي و يستطيع مناقشتي. العيش تحت مظلة “الحب حرام” و “الصداقة عيب” تولد مضاعفات سلبية كان يمكن تجنبها لو أننا ربينا أولادنا بشكل آخر. ليست هذه دعوة للرذيلة و الحب الفارغ, لكن تصوير الجنس الآخر للأطفال على أنهم “عفاريت” أو شياطين ليس حلاً صحياً لأشياء نظن أنها مشكلة و هي ليس كذلك.

  • الإصرار هو مبدأ كل نجاح

شغفت بالكمبيوتر و الإلكترونيات منذ أن كنت طفلاً صغيراً. و كانت أمي تخفي كل جهاز كهربائي, و تصاب جدتي بالرعب كلما سألت عن جهاز أو مفك!! كان اسمي “كعكوش” (أي كثير العبث و “البحبشة” و “الكعكشة”). و مع أنني لم أتلف أي جهاز فككته, عدا لعبة واحدة فصلت بالخطأ سلكاً من مكانه و لم يكن لدينا مكوى لحام فعدت في فئة “التالف” (مع أنها ليست تالفة, هي فقط تحتاج إلى إعادة لحم السلك على اللوحة) و كانت على أية حال ملكي. تطور حبي للكمبيوتر من البرمجة و تنصيب أنظمة التشغيل إلى أن عدت مرة أخرى إلى الإلكترونيات و الهاردويير. و صار الشغف في هذه المرحلة علمياً, فكنت أقرأ عن كل قطعة أراها و أفهم مبدأ عمل كل شيء على اللوحة. أنا لا أمزح, لكنني كنت أشرح مبادئ الدوائر الكهربائية لبعض أصدقائي طلاب الجامعة في قسم الهندسة!

المشكلة هي أنني لم أكن “ممتازاً” في الرياضيات في المرحلة الثانوية, و كانت عندي مشاكل منذ الصغر في حل المسائل. و في الفيزياء كنت أحب أن أفهم مبادئ عمل الأشياء و لكنني أكره تنفيذ حساباتها. على أية حال اكتشفت فيما بعد أن قصوري في مادتي الفيزياء و الرياضيات لم يكن خللاً في أنا, بل في طريقة التدريس في المدرسة. لأنني حصلت على علامات ممتازة في امتحان الثانوية العامة, و في امتحان تأهيل الجامعات في مجالي الرياضيات و الفيزياء.

منذ نهاية المرحلة الإعدادية رسمت لنفسي خطة, ماذا أريد أن أدرس, أين, إلى أية مرحلة أريد أن أصل. و قابلت أكثر من واحد في المجال الذي أريده كي أفهم ما الذي أنا مقبل عليه, و في النهاية اتخذت قراراً بأنني فعلاً سأدرس هندسة الكترونيات ثم أتخصص في مجال المعالجات الدقيقة.

لكن الذي حصل أن والدي لم يكن مقتنعاً بأنني يمكن أن أكمل مسيرتي في مجال الهندسة, لم “يجبرني” على ترك الهندسة و الإلكترونيات, لكنه لم يشجعني أيضاً. و في النهاية صرت في كلية الطب.

أنا لست نادماً أبداً على كلية الطب, في النهاية كل ما في الأمر هو إعادة رسم للخطط و تعديل لهيكل الحياة التي أتخيلها في المستقبل. أحب الطب و أنا ماهر فيه إن شاء الله.

العبرة: تمسك بمبادئك ما دمت متأكداً منها, لا تدع أحد يزعزع ثقتك بنفسك بحجة “أنهم يعرفونك أفضل منك”. حتى لو كانوا والديك. في النهاية والدي طبيب و اجتاز مراحل صعبة و امتحانات تنافسية, و نجح, لم لا ثقة في أنني قد أفعل الشيء ذاته؟

إن لم يثق الوالدان بابنهم فمن أين يحصل على الدعم و التشجيع؟ و بدون أخطاء و “كعكشة” من أين يولد الإبداع؟

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: