بين علمانية دولة و تدينها

بسم الله الرحمن الرحيم

بين علمانية دولة و تدينها

هذا الموضوع أعدت كتابته و ترتيبه. هنا المقال المعدل.

—————————————-

نقاش شكل الدولة هو نقاش جار على قدم و ساق في دولتين تهمني أوضاعهما, الأولى “إسرائيل” فلسطين المحتلة, و الثانية مصر.

النقاش في مصر على علمانية الدولة بشكل صريح منبوذ تقريباً من الجميع, لكن الحوارات و الاختلافات التي تحصل هي حول مرجعية الدستور و القانون, هل هي دولة مدنية بحتة أم أن القوانين ستوضع بتأثير إسلامي؟ المصطلح السياسي لهذا النقاش هو “فصل الكنيسة عن الدولة”, و هو ليس بالضرورة متعلق بالكنيسة, بل يتضمن أية ديانة و علاقتها بالحكم.

كل دول العالم, باستثناء الوطن العربي و إيران, الأرجنتين, النرويج, الدينمارك, و بعض دول جنوب شرق آسيا, ليست لها ديانة رسمية. يعني أنه لا توجد عندها مادة في الدستور تنص على أن الدولة تعتمد ديانة معينة.

في العالم نوعان من العلمانية, العلمانية الفرنسية, و هي إقصاء الدين تماماً (كما في فرنسا و تركيا, و هي تطرف), و هناك التقاطع بينهما كما في دول أوروبا عموماً, و بريطانيا مثال على ذلك حيث توجد كنيسة رسمية لأسباب تاريخية لكنها لا تحكم و لها تمثيل في مجلس اللوردات مع البقية (لها تمثيل و صوت, لكن كل المقاعد متساوية).

حرية التعبير و الرأي مكفولة للجميع و يجب أن تكون كذلك محمية بالقانون و الدستور, و يجب أن تكون كذلك حرية الاعتقاد. الدولة وظيفتها أن تسير الوظائف السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية (صحة, تعليم… إلخ) و الأمنية للناس. الدولة تتعامل بشكل حصري مع ما هو “قانوني” و “ليس قانوني”, لا توجد منطقة رمادية بينهما. إما أن الفعل يسمح أو لا يسمح. و الهدف من ذلك أن العقوبات للمخالفات ثابتة لا تتغير تنطبق على كل الحالات. قد تكون هناك التباسات في القوانين أو تستجد أفعال ليست مسجلة في القانون, فعندها تأتي وظيفة القاضي في البحث و تقرير إن كان هذا الفعل مسموحاً أو لا.

الدولة تتعامل بالمدخلات و المخرجات, و بالتالي فما تريده الدولة هو العمل و الانتاج الخالص. حيث يعامل الانتاج كوحدة منفردة لا تتأثر بالظروف (كالعملة, تبقى عملة لا تتغير بتغير حاملها و المتعامل بها). لا يجوز خلط الدين و الجنس و العرق في هذه المعادلة, حيث أن حجارة المدرسة مثلاً لا تفرق بين ألوان حامليها و ديانة بانيها. و هناك يأتي “بناء المدرسة” كمثال لوحدة الانتاج هذه.

الدولة تقرر ما هو قانوني و غير قانوني, و لكن لا يعني هذا أن كل قانوني هو أخلاقي أو مسموح اجتماعياً. و وظيفة المجتمع هي أن يضع الحدود لنفسه و يقرر ما يسمح به و ما لا يريد. مثلاً, من القانوني أن تكنز شركة أرباحها, و تمارس نشاطها المشروع, تدفع ضرائبها و أمورها قانونية تماماً لكنها لا تعيد أي شيء للمجتمع ولا تساهم فيه… هذا الفعل قانوني, لكنه جشع مرفوض اجتماعياً و يضر حتى بالشركة نفسها.

يمكن لدولة أن يدخل في قانونها تشريع مستمد من الدين, لكن فقط إن صوت البرلمان بأغلبية على ذلك القانون. يعني, ليس معنى كل الكلام السابق أن الكحوليات مثلاً يجب أن يكون بيعها قانونياً لأن كل واحد حر بنفسه, إن أقر قانون يمنع الكحوليات (بيعها و تصنيعها, و استهلاكها في الأماكن العامة. لأنه لا توجد لأحد سلطة على الفرد في بيته) فيجب أن يطبق هذا القانون, لا لأن شرب الخمر حرام, و لكن لأنه ممنوع قانوناً. و لو افترضنا أن الكحوليات كانت مقننة و مسموحة فهذا لا يعني أن أفراد العائلة لا يمكنهم توبيخ فرد منهم لشربها و اتخاذ اجراءات ضده, و لكن لا يجوز لهم التعدي عليه.

الدين يأتي من المجتمع و مؤسساته الدينية (المسجد, الكنيسة, الكنيس… إلخ) لينير نفوس الأفراد و يؤثر فيهم, و من هنا قد يتسرب الدين شيئاً فشيئاً إلى القانون لأن الأغلبية تريد إقرار هذا أو منع ذاك (لا يفرض عليهم فرضاً, بل يصوت على القانون في البرلمان و يقر أو يرفض بناءً على الأغلبية التي تكون ممثلة للشعب).

النقاش المستعر حالياً في إسرائيل هو نقاش العلمانية و هجوم الدين على المجتمع بشراسة.

إسرائيل حالياً لا يوجد لها دستور, و تحكمها “القوانين الأساسية لإسرائيل”. تاريخياً و بعد احتلال فلسطين و إنشاء الدولة عام 1948 كانت موجة الدين عالية عند المهاجرين, و أنشأوا الدولة على أسس مخلوطة بعضها عثماني, و أخرى بريطانية و ألمانية و طبعاً توراتية. في الوقت الحاضر, بشكل غير رسمي, الدولة تعرف عن نفسها على أنها علمانية.

لكن شريحة المتدينين في المجتمع (الحريديم) تصاعدت وتيرة “يهوديتها” و زاد تشددها, و صارت تقريباً شريحة منعزلة على نفسها في المدن و المناطق التي يعيشون فيها (أكبر تجمع لهم في مدينة “بني براك”). المشكلة ليست فقط في انغلاق جزء من المجتمع على نفسه و تكوين دولة داخل دولة, بل هي في اندفاع هذه الشريحة و فرض أفكارها على الجميع بلا استثناء.

تصرفاتهم تثير سؤالاً يجب أن يحسم, هل إسرائيل دولة يحكمها القانون أم يحكمها الدين؟ عدم العمل يوم السبت, فصل الرجال عن النساء, و قواعد اللبس… هذه كلها أشياء لا بأس بها لأنفسهم. لكن المتدينين لا يشكلون أغلبية في المجتمع الإسرائيلي, و مع ذلك في مدينة مثل القدس, تتحكم هذه الأقلية بتصاريف الأمور و هو فعلاً أمر مزعج دفع الكثيرين إلى ترك المدينة أغلبهم من العلمانيين اليهود. على الدولة أن تقرر, هل الحكم للقانون أم أن الحكم للدين. بحسب القانون فإن الجميع متساوون بغض النظر عن الجنس و العرق و الدين, و بالتالي فإن أفعال المتشددين في إجبار النساء على الجلوس في المقاعد الخلفية للحافلات التي تسير داخل مناطقهم و منعهن من الجلوس في أي كرسي يريدن هو فعل مخالف للقانون. و إغلاق الطرق يوم السبت و الأعياد هو أيضاً فعل مخالف للقانون.

لا يوجد في الإسلام مثل هذا الفصل و التقسيم بحسب الجنس, و بالتالي فلن تواجهنا مشاكل من هذا القبيل في دولة مثل مصر, و لكن في نفس الوقت يجب أن يقرر واضعوا الدستور المقبل نوع الدولة و مرجع التطبيق فيها. الرأي العام في الشارع هو أن دين الدولة الإسلام مع التزام التصويت الديمقراطي على كل القوانين

بعيداً عن التصنيف و إطلاق الأوصاف علي و على غيري, يجب أن يكون أساس الحقوق و الحساب هو المواطنة و لا شيء غيرها. الجميع يتساوون أمام القانون بغض النظرعن كل شيء, و ميزان واحد يسري على الجميع.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. يناير 22, 2012 الساعة 21:33

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: