بين علمانية دولة و تدينها [معدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

بين علمانية دولة و تدينها [معدل]

ملاحظة: هذا الموضوع سبق و أن نشرته يوم 17 يناير 2012. و لكن أردت ترتيب الموضوع و تركيزه فخرج هذا المقال.

—————————————-

ما هي وظيفة الدولة؟ ما هو موقع الحكومة من الناس؟

هل يجوز لشريحة من المجتمع, مهما كان حجمها, أن تفرض شيئاً أو أن تعزل نفسها و تصنع لنفسها “دولة” داخل الدولة؟

إسرائيل حالياً لا يوجد لها دستور, و تحكمها “القوانين الأساسية لإسرائيل”. تاريخياً و بعد احتلال فلسطين و إنشاء الدولة عام 1948 كانت موجة الدين عالية عند المهاجرين, و أنشأوا الدولة على أسس مخلوطة بعضها عثماني, و أخرى بريطانية و ألمانية و طبعاً توراتية. في الوقت الحاضر, بشكل غير رسمي, الدولة تعرف عن نفسها على أنها علمانية.

لكن شريحة المتدينين في المجتمع (الحريديم) تصاعدت وتيرة “يهوديتها” و زاد تشددها, و صارت تقريباً شريحة منعزلة منغلقة على نفسها في المدن و المناطق التي يعيشون فيها (أكبر تجمع لهم في مدينة “بني براك”). المشكلة ليست فقط في انغلاق جزء من المجتمع على نفسه و تكوين دولة داخل دولة, بل هي في اندفاع هذه الشريحة و فرض أفكارها على الجميع بلا استثناء.

تصرفاتهم تثير سؤالاً يجب أن يحسم, هل إسرائيل دولة يحكمها القانون أم يحكمها الدين؟ عدم العمل يوم السبت, فصل الرجال عن النساء, و قواعد اللبس… هذه كلها أشياء لا بأس بها لأنفسهم. لكن المتدينين لا يشكلون أغلبية في المجتمع الإسرائيلي, و مع ذلك في مدينة مثل القدس, تتحكم هذه الأقلية بتصاريف الأمور و هو فعلاً أمر مزعج دفع الكثيرين إلى ترك المدينة أغلبهم من العلمانيين اليهود. على الدولة أن تقرر, هل الحكم للقانون أم أن الحكم للدين. بحسب القانون فإن الجميع متساوون بغض النظر عن الجنس و العرق و الدين, و بالتالي فإن أفعال المتشددين في إجبار النساء على الجلوس في المقاعد الخلفية للحافلات التي تسير داخل مناطقهم و منعهن من الجلوس في أي كرسي يريدن هو فعل مخالف للقانون. و إغلاق الطرق يوم السبت و الأعياد هو أيضاً فعل مخالف للقانون.

أفراد من حزب الليكود خاصةً كرروا أكثر من مرة أن إسرائيل “دولة علمانية” و يجب أن تبقى كذلك. و لكن في نفس الوقت يحاول نفس الحزب بالتحالف مع أحزاب أخرى فرض قوانين عجيبة تتنافى تماماً مع هذه “التوجهات”! فهم ينادون في كل وقت عندما يطرح موضوع فيه ذكر للعرب بيهودية الدولة, و يعرفون دائماً بإسرائيل The Jewish State

حوادث عديدة تعيد النقاش بعد أن يخمد, أحدها هو بصق متدين أمام فتاة عمرها 8 سنوات لأنها “ليست محتشمة” قبل أسبوع! و قبل سنوات قليلة حادث ضرب إمرأة لأنها جلست في مقدمة الحافلة بدلاً من رفض التمييز و الجلوس في الخلف… وصلت إلى المستشفى! و مقاطعة وزير الصحة المتشدد لإحتفالية رسمية فيها تكريم لباحثة على ما أضافته إلى العلم بأبحاثها لأنه لا يجوز للمرأة أن تقف أمام الرجال!! و تزايد وتيرة العصيان داخل الجيش خاصة من فرقة ناحل إذا كان في حفلاتهم مغنيات!

في إسرائيل كلما تقدمنا في السنوات, كلما رجع الخريديم المتشددون إلى الوراء في الزمن! يحدث أن تكون حقوق النساء مسلوبة من الأساس, و لكن أن تكون للنساء حقوق ثم تسلب فهذا غير متصور! إن كان المتشددون يؤمنون أن المرأة نجس فليؤمنوا بذلك لوحدهم داخل بيوتهم, و لكن من المرفوض قطعاً أن يفرض رأي على أي أحد عدا أن يكون تعدياً جسدياً أو لفظياً!

لم تكن الأغلبية تعترض على امتناعهم عن العمل, أو إغلاق حاراتهم على أنفسهم أيام الأعياد و السبت. و تغاضوا عن تكاثرهم الهائل و حقيقة أنهم أفراد مستهلكون يمتصون أموال الضرائب ولا يضيفون شيئاً للمجتمع… لكن شيئاً فشيئاً بدأ الحقد يزيد, فبدأت تنهال الفتاوى ضد كل من هو ليس متدين. ثم صارت لهم “مليشيات” تدور في الشوارع, و أنا شخصياً تعرضت لمواجهة مع أحدها يوم سبت عندما كنت عائداً من عملي. أغلقوا شارعاً رئيساً في المدينة… لأنه يوم سبت و العمل فيه حرام!! بشكل سري هم مدللوا الحكومة, و الحكومات المتعاقبة تعمل كل ما في وسعها لإبقاءهم راضين على حساب باقي شرائح المجتمع… لماذا؟ ماذا تأمل الحكومة أن تكسب منهم إن لم يرضوا؟ هاهم يهملون العرب تماماً و يمارسون العنصرية ضدهم و هم يمثلون 25% من الشعب و مع ذلك لا شيء حتى اليوم و كل شيء يقع على آذان من طين!

آن لنا نحن العرب في إسرائيل أن نتخلى عن كسلنا و فتاوانا بوجوب العيش على أقل القليل من الحكومة المحتلة, و حرمة التعامل معهم… شبعنا من هذه الفتاوى التي لم تقدم لنا شيئاً حتى الآن. مللنا من انتظار الفرج. إسرائيل ستزول حتماً, هذا نؤمن به… لكن إلى أن تزول هل نسكت عن حقوق نستحقها و نتخلى عن صوت يساهم في رد بعض الحقوق لأصحاب الأرض؟ منذ تأسيس دولة إسرائيل قبل أكثر من ثلاث  ستين سنة أقصى ما وصل إليه التمثيل العربي و الصوت العربي لدى الحكومة هو 5 مقاعد من أصل 120 و فقط! لا يوجد وزير عربي واحد!

إسرائيل غير شرعية, و وجودها غير قانوني… و لكننا نعيش فيها, ماذا نفعل؟! هل نبقى صامتين نتفرج على مساحات المدن العربية تتآكل شيئاً فشيئاً و نصمت “لأن التعامل مع الاحتلال حرام”؟ هل نرى أهل القدس كلهم يذلون و يعاملون معاملة غير قانونية و نسكت أيضاً؟ نحن أكبر أقلية في البلاد, لماذا لا يوجد لنا تمثيل أو صوت؟

حرية التعبير و الرأي يجب أن مكفولة للجميع و يجب أن تكون كذلك محمية بالقانون و الدستور, و يجب أن تكون كذلك حرية الاعتقاد. الدولة وظيفتها أن تسير الوظائف السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية (صحة, تعليم… إلخ) و الأمنية للناس. الدولة تتعامل بشكل حصري مع ما هو “قانوني” و “ليس قانوني”, لا توجد منطقة رمادية بينهما. إما أن الفعل يسمح أو لا يسمح. و الهدف من ذلك أن العقوبات للمخالفات ثابتة لا تتغير تنطبق على كل الحالات. قد تكون هناك التباسات في القوانين أو تستجد أفعال ليست مسجلة في القانون, فعندها تأتي وظيفة القاضي في البحث و تقرير إن كان هذا الفعل مسموحاً أو لا.

الدولة تتعامل بالمدخلات و المخرجات, و بالتالي فما تريده الدولة هو العمل و الانتاج الخالص. حيث يعامل الانتاج كوحدة منفردة لا تتأثر بالظروف (كالعملة, تبقى عملة لا تتغير بتغير حاملها و المتعامل بها). لا يجوز خلط الدين و الجنس و العرق في هذه المعادلة, حيث أن حجارة المدرسة مثلاً لا تفرق بين ألوان حامليها و ديانة بانيها. و هناك يأتي “بناء المدرسة” كمثال لوحدة الانتاج هذه.

الدولة تقرر ما هو قانوني و غير قانوني, و لكن لا يعني هذا أن كل قانوني هو أخلاقي أو مسموح اجتماعياً. و وظيفة المجتمع هي أن يضع الحدود لنفسه و يقرر ما يسمح به و ما لا يريد. مثلاً, من القانوني أن تكنز شركة أرباحها, و تمارس نشاطها المشروع, تدفع ضرائبها و أمورها قانونية تماماً لكنها لا تعيد أي شيء للمجتمع ولا تساهم فيه… هذا الفعل قانوني, لكنه جشع مرفوض اجتماعياً و يضر حتى بالشركة نفسها.

يمكن لدولة أن يدخل في قانونها تشريع مستمد من الدين, لكن فقط إن صوت البرلمان بأغلبية على ذلك القانون. يعني, ليس معنى كل الكلام السابق أن الكحوليات مثلاً يجب أن يكون بيعها قانونياً لأن كل واحد حر بنفسه, إن أقر قانون يمنع الكحوليات (بيعها و تصنيعها, و استهلاكها في الأماكن العامة. لأنه لا توجد لأحد سلطة على الفرد في بيته) فيجب أن يطبق هذا القانون, لا لأن شرب الخمر حرام, و لكن لأنه ممنوع قانوناً. و لو افترضنا أن الكحوليات كانت مقننة و مسموحة فهذا لا يعني أن أفراد العائلة لا يمكنهم توبيخ فرد منهم لشربها و اتخاذ اجراءات ضده, و لكن لا يجوز لهم التعدي عليه.

الجميع يخضع لسلطة واحدة هي سلطة القانون. الكل ملتزم بنصوص القانون و مطرقة القاضي.

الدين يأتي من المجتمع و مؤسساته الدينية (المسجد, الكنيسة, الكنيس… إلخ) لينير نفوس الأفراد و يؤثر فيهم, و من هنا قد يتسرب الدين شيئاً فشيئاً إلى القانون لأن الأغلبية تريد إقرار هذا أو منع ذاك (لا يفرض عليهم فرضاً, بل يصوت على القانون في البرلمان و يقر أو يرفض بناءً على الأغلبية التي تكون ممثلة للشعب).

لا يوجد في الإسلام مثل هذا الفصل و التقسيم بحسب الجنس, و بالتالي فلن تواجهنا مشاكل من هذا القبيل في دولة مثل مصر, و لكن في نفس الوقت يجب أن يقرر واضعوا الدستور المقبل في مصر نوع الدولة و مرجع التطبيق فيها. الرأي العام في الشارع المصري هو أن دين الدولة الإسلام مع التزام التصويت الديمقراطي على كل القوانين.

أن أرجو من كل قلبي أن تتسع القوانين المقبلة و الدستور لكل شرائح المجتمع ولا ننجرف خلف نقاشات تافهة مثل الملاهي و المراقص و البارات. هناك ما هو أهم بمئات المرات يجب أن يناقش. أقبح أنواع الإرهاب هو الإرهاب باسم الدين, و ظلم الناس باسم الدين, و الجور باسم الدين. لا نريد أن نصير مثل اليهود, نشتري بآيات الله ثمناً قليلاً, و نتشدد ثم نقول هذا ما أنزل الله!

بعيداً عن التصنيف و إطلاق الأوصاف علي و على غيري, يجب أن يكون أساس الحقوق و الحساب هو المواطنة و لا شيء غيرها. الجميع يتساوون أمام القانون بغض النظرعن كل شيء, و ميزان واحد يسري على الجميع.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. يناير 22, 2012 الساعة 21:39

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: