غرفة الطوارئ

بسم الله الرحمن الرحيم

غرفة الطوارئ

اليوم الأول في غرفة الطوارئ ضمن برنامج تدريبي… تمر دقائق قبل أن تدخل حالة حادث سير, كسر في الساق, مفصل الركبة فيه نزيف و عظمة الفخذ أيضاً نهايتها السفلية مكسورة. تصل صورة الأشعة و يستدعى جراح العظام على عجل و بعد مخدر موضعي يبدو أنه كان بلا نتيجة يغرز الجراح إبرته في ركبة الرجل ليسحب الدم المتجمع… و يصرخ الرجل بكل قوته كلما حرك الجراح إبرته أو سحبها. بهذا بدأت مسائي في نفس المستشفى الذي ذهب إليه قبلي كثيرون من دفعتي و حلفوا لي أن “الأمور هادية” و لم يجدوا حتى من يحتاج إلى إبرة, فقرروا ألا يكملوا بقية البرنامج!

بعد هذا المشهد الدرامي بحق, رجل يصرخ من الألم و يبدي استعداده للتخلي عن تحريك ساقه مستقبلاً مقابل ألا يستخدم الجراح إبرته مرة أخرى, بدأ مجدداً مشهد آخر. رجل آخر في حادث عمل وقع على رأسه شيء ما سبب له جرحاً في مقدمة رأسه, لم يكن شيئاً ذا قيمة كبيرة من الناحية الطبية… لكن حال زوجته و أفراد عائلته حوله و خارج الغرفة كان هستيرياً.

قلت في نفسي ستخف الأحوال الآن, لكن ما كان مخبئاً لي كان أكبر! جاءت امرأة كبيرة في السن فقدت الإحساس في ساقها اليمين, لم أمكث طويلاً مع الطبيب المعالج لذا لم أتبين تفاصيل الحالة… جذب اهتمامي شيء أعظم, امرأة أخرى تعاني من نزيف داخلي في الرأس… و حالتها حرجة. لم يكن في يد أطباء الطوارئ أكثر من أن يحولوها لتصوير مقطعي و القسم المختص, لكن الذي أثار امتعاضي و حنقي إهمال الأطباء النفسي و المهني لمرافيقها. كانوا أناس بسطاء جداً, من الصعيد. كان زوجها يدور خلف الأطباء و يرجوهم أن يتحدثوا معه… ما بها؟ ما الذي يحصل؟! المرأة كانت تهذي و وجهها نصفه منتفخ. وصلت صورة الأشعة و كان واضحاً حجم النزيف و مكانه, ضغطها مرتفع جداً… و الأطباء يتناقلون الصورة بينهم و كلهم يعلقون بالمصطلحات الطبية على حالتها… و الزوج يسأل ماذا يعني هذا؟ ما بها؟! أجروا بعض الفحوصات الروتينية, ثم وصل طبيب الأعصاب و عاين الصورة و الزوج الملهوف يدور وراءه يتسائل… فجأة انتفض الطبيب بوجهه و صرخ “اتركني و شأني”… “خليني أعرف اشتغل ياااااض”!! و لما انتهى من شغله و معاينة الصورة ترك الغرفة و خرج دون أن ينبس ببنت شفة أو يشرح لأحد الحالة! مضى وقت طويل قبل أن “يتكرم” أحد المعاينين بالحديث مع الرجل و يشرح له الحالة.

في خضم كل هذا, دخلت حالة توقف قلبي غرفة الإنعاش, و بعد أن انتهى مسلسل المرأة صاحبة النزيف أخلى رجل الأمن الممر ليخرجوا الرجل من الغرفة معلنين وفاته.

مررت على حالات متنوعة؛ التهاب بالزائدة, فشل في النخاع العظمي, غيبوبة سكر… إلى أن جاءت حالة مستعجلة, سكتة قلبية… هرع الأطباء بها إلى غرفة الإنعاش و بدأوا بالروتين المعتاد. تدليك عضلة القلب, أنبوب تنفس… زوجته و أخوته خارج الغرفة يصرخون.

بصراحة, حالته لم تكن مبشرة. وصل إلى المستشفى بعد الوقت الحرج (4 أو 5 دقائق من توقف التنفس و النبض) و مدخن شره. وصلوه على جهاز تسجيل كهرباء القلب, و أعطوه أدرينالين, أتروبين و مغنيسوم. و استمر التدليك بشكل متواصل لمدة ساعة تقريباً, تعرض خلالها للصعق مرتين بجهاز تثبيت نبضات القلب.

المشهد كان مجنوناً! جراحون, أطباء قلب و طوارئ و ممرضات كل واحد يحاول تأدية عمله. واحد يحاول إدخال أنبوب التنفس, واحد يدلك و يضغط على صدره, الممرضات يحقن محاليل بحسب طلب الطبيب و كل واحد فيهم يصرخ طالباً شيئاً ما… سماعة, مضخة هواء, كذا و كذا!

كل من كان في الغرفة كانت في عيونه الشيء ذاته… الكل كان يعرف النتيجة و الحالة… لكن عليهم أن يكملوا حسب الأصول. بعد ساعة من المحاولة و العمل, أصدر الطبيب أمره للجميع بأن يخرجوا من الغرفة و يتركوا المريض وحده, كي يزول مفعول الأدوية و الأدرينالين و يتركوا القلب يقرر, لم يعد هناك ما يفعلونه… لكن المسار كان واضحاً, فور أن يزول مفعول الأدرينالين سيزول معه النبض الذي بالكاد يرتفع عن الخط المستوي.

بعد دقائق مرت أعلن الطبيب وفاته و أبلغ زوجته و أخوته و أمه… مرت عليهم بضع لحظات قبل أن يستوعبوا كلام الطبيب… كلامه كان واضحاً جداً, لكنهم كانوا يعيدونه مراراً في أنفسهم و يحللونه بكل الاحتماليات الممكن أن يعنيها هذا الكلام و تجاهل المقصود. كانوا ما يزالون يحللون كلامه و هم يعبرون بوابة الطوارئ إلى أن صرخت زوجته “مات؟! كيف مات!؟ مش ممكن!!”. أمه بدأت تلطم و تقول “كان أمس يكلمنا و ما به شيء!”, و بدأ صراخهما يزداد و يعلو معلنين بصراحة رفضهم لكلام الأطباء و قرروا أنه لم يمت.

مع أن البعض سيقرأ هذا الكلام بابتسامة إلا أنني أؤكد لكم جميعاً أنه كان مشهداً مؤلماً و مفجعاً, و ليس مناسبة للضحك أو الابتسام بأي حال.

في يومي الأول رسمياً في الطوارئ رأيت بعيني كم هو ضعيف الإنسان, و كم هو قريب الموت منا. في لحظات نتحول من كائنات تتحرك و تمشي إلى جثة مرمية على طاولة العلاج يحاولون إعادتها إلى الحياة قبل أن تهرب و تنسل. لحظات تفصلنا عن الصراخ ألماً و ضعفاً بعد أن كنا نجول مختالين.

—————–

كتبت منتصف ليل أمس

  1. مارس 22, 2012 الساعة 13:46

    لستُ من متابعي المسلسلات العربية ولا حتى الاجنبية إلا ما ندر ، ولكن مسلسل عربي واحد جذبني وآخر أجنبي شدّني ، وكلاهما يتحدثان عما تحدثت عنه في تديونتك ،، لحظات حرجة وgrey’s anatomy ..
    ربما كانا مجرد حلقات يقوم بها ممثلون ويشرف عليها مخرجون ، ولكنها فعلا كانت تؤثر فيّ جدا وتشد أعصابي كلما دخل مصور الحلقة غرفة الطوارئ !
    عاينت الحالات بنفسك ونقلتها لنا بكلماتك ، ولكن قطعا يستحيل ان تنقل المشاعر الحية التي رافقتك هنا ..
    لذا لا أطلب منك الا ان تحافظ على مهنتك كأنسان أولا ثم كطبيب ، والواحد ما بيعرف بكرة شو ممكن يسير معو !
    الله يوفقك يا رب ويجعلك من خدام هذه الامة🙂

    • مارس 23, 2012 الساعة 00:06

      لم أشاهد أياً منهما, لذا لا يمكني التعليق على مواقف المسلسلات… لكنها بالتأكيد “تبهر” و تضخم من الأمور, سواء من قدرات الأطباء أو نوعية الأمراض و العلل! بالمناسبة, موجة المسلسلات الطبية التي غزت الشاشات جعلت عمل الأطباء أصعب.

      المشاهدون أشبعوا حركات “أكشناوية” طبية بعضها ليس صحيحاً, و بعضها الآخر له شروط صارمة لاستخدامه. لم يعد المرضى يتقبلون أننا في الحقيقة نجهل كثير الأشياء في جسمنا و حتى مع تقدم العلم لا نعرف إلا القليل… دائماً يجب أن يكون هناك “حل سحري” يستخرجه الطبيب من القبعة السحرية!! لم يعد من المقبول أن يرتكب الطبيب خطأ ً ما… كيف ذلك؟! هو طبيب!!

      أنا أرجو أن أظل إنساناً أولاً ثم طبيباً ثانياً… أو أفضل من ذلك, طبيباً إنسانياً

      الله يوفقنا جميعاً, آمين =) الله يجعلك من خدام الأمة

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: