ابن الباشا

بسم الله الرحمن الرحيم

ابن الباشا

ابن الباشا تعبير يطلق على كل من يحاول تقليد الغربيين و تصنع طريقتهم, و لأنها عادة مرتبطة بأبناء الطبقة الغنية, أو الباشاوات, فقد سميت كذلك.

أبناء الباشاوات يتفاوتون في الدرجات و “الباشاوية”. منهم من هو “أفندي” صغير, يفضل الانجليزية على العربية و يحاول حشرها في كل مناسبة, و منهم من وصل إلى درجة “بيك” يتقزز من كل ما هو عربي, و يهرب من أي شيء يتعلق ببلده!

في الحقيقة فإنها ظاهرة مقلقة بدأت تأخذ حيزها في الواقع المعيش. نراها في كل مكان, في الدعايات, بأسماء المحلات, حتى بأسماء أبنائنا!

عندما يرغب منتج أو جهة ما بتسويق بضاعة للفئة الغنية فإن الإعلان غالباً ما يكون باللغة الإنجليزية. عندما يفتتح مطعم أو مقهى في منطقة راقية و غالية فإن اسمه سيكون غربياً… بغض النظر عن المعنى.

لماذا يا أخوة؟ ما بها لغتنا العربية؟ من قال أن المتحدث بلسان قومه هو أدنى شأناً؟ و من أخبركم أن لغتنا معرة؟

لا يمكن لأحد أن يناقش بأن لغتنا اليوم ليست في المكان الذي نحب و نرضى, لغتنا العربية داخلها لغط كثير و تحتاج إلى الشحذ و التقويم من جديد. اللغة كائن حي يتنفس و يتغذى على متحدثيها, و متى ما أهملوا تغذية عقولهم و علمهم فإنهم يهملون تغذية لغتهم… و تهزل, و تستمر بالهزال إلى أن تموت و تندثر.

و مع أن اللغة العربية محفوظة من الزوال لأن القرآن نزل بها, إلا أنها ما زالت معرضة لكثير من الأمراض التي تهدد حياتها و استمرارها الصحي.

لغتنا العربية بدأت تموت لما تخلفنا عن العلوم و توقفنا عن الإضافة و الزيادة عليها. إن المنتج لشيء ما له الحق في تسميته, لذا ليس إلا طبيعياً أنه ليس من نصيب أدوات حياتنا شيء واحد عربي. إن لم تزد أمة على العلم كانت زائدة و متطفلة على العلم.

من العيب, و من أقبح العيوب أن نرى شاباً عربياً يعيش في بلد عربي يمكنه أن يعبر باللغة الأجنبية ولا يستطيع فعل ذلك بلغته الأم. اللغة الأجنبية ليس بالضرورة أنها غربية, على الأقل في فلسطين. العبرية تحل في كثير من الأحيان محل العربية بين أهلها, و لأن الاحتكاك محدود بأهل فلسطين فذلك لا ينطبق على الدول العربية الباقية… فيحصل التأثر بالإنجليزية و الفرنسية و غيرهما.

ماذا حصل لنا لتصير أسماء مثل إيثار, خلود , عبير, خالد, عثمان, عمار و غيرهم أسماء “غير مقبولة” لا يليق أن يسمى بها طفل؟ أهذه الأسماء ذات المعاني العميقة القوية أم بعض أسماء لا نعرف لها معنى أو وجهاً!؟

ما الذي يجعل من كارلوس, دي لا فيغا, سيلانترو, جافا تايم أسماء براقة تدل على الرقي؟ أول اثنان أسماء اسبانية, الثالث كلمة انجليزية معناها “بقدونس”, و الرابع “وقت القهوة”! هذه أسماء حقيقية لسلاسل مقاه في وطننا العربي.

لماذا لا نستخدم أسماءً عربية قوية معبرة؟ بماذا صار 7 مليون إسرائيلي (نستثني منهم 25% عرب) أفضل من ملايين العرب؟ كل الأشياء تقريباً لها اسمها الخاص بها, و كل علم له مصطلحاته المتعلقة به, و يفرضون لغتهم على حياتهم. اللغة الإنجليزية ركيكة عندهم (و ليست هذه دعوة لترك تعلم اللغات الأجنبية أو عدم اتقانها) و كل مجال عمل يفرض لغته على الموجودين… حتى و إن كان جميع العمال عرباً! قد تدخل إلى مطعم و كل العاملين فيه عرب, من الطباخ إلى الخادم و مع ذلك فإن كل الكلام المستخدم عبرياً! فالشوكة “مزليج מזלג”, و الصحن “تسلخت צלחת”, و القدر “سير סיר”…

مشكلة اللغة شقان, مشكلة ضعف التعليم, و مشكلة ضعف التعامل. لكل بلد مجمع لغة فأدى ذلك إلى الافتقار لمرجع و أساس واحد للغة, و ضعف “الطرح و التسويق”. فالمجمعات اللغوية إما أن عملها ضعيف غير ذي شأن أو يندر أن تسمع عن قراراتها و قواعدها.

ليس عيباً أن تكون العلوم بلغة أجنبية… في النهاية فإن اللوم يقع علينا لمَ لمْ نعربها و نضف إليها جديداً. واضع الشيء يحتكم الناس إلى شروطه, و من البائس أن نكتفي نحن بتعريب تلك المصطلحات التي قد لا يكون لها أي معناً بعد الترجمة و التعريب!

أنا لا ألوم أي إنسان يقرأ بلغة أجنبية, بل أنا أشجع ذلك لذات السبب السابق… تأليفاتنا بائسة و هزيلة, و ترجماتنا ركيكة عديمة الطعم! لا أمنع أي إنسان أن يكتب لنفسه بلغة أجنبية, أو يستخدم منتجاً بلغة أجنبية… لكنني لا أقبل تستبدل لغتنا العربية فيما بيننا بلغة غريبة دخيلة, كما أنني لا أقبل لأي إنسان أن يكون متقناً للغة ثانية أكثر من اتقانه للسانه الأم. و الأدهى من ذلك ألا يكون ممسكاً بعنان لغته و يسبح في رمل شاطئ اللغة الأجنبية!! فلا أتقن لغته ولا يفلح في اللغة الأجنبية!

أبتئس جداً عندما أرى إنساناً يقرأ رواية إنجليزية لدان براون أو جي كي رولينغ… و يقول عن كتب الجاحظ “صعبة و لغتها غريبة”!! من المؤسف أن يكون القارئ مستمتعاً بأوصاف روايات ستيفن كينغ و يعاني إن أمسك كتاباً للرافعي في فهم صوره التعبيرية و مشاهده الوصفية العذبة. و في نفس السياق ننبهر جداً بشخص قادم من بلد غربي, و مواهبنا المحلية تموت في وظائف مكتبية هزيلة!

الحضارات تكره كل من كرهها, و تعشق كل من عشقها. العيب ليس في لغتنا, بل هو فينا و في تقصيرنا بحقها. لغة أنتجت قصائد زهير بن أبي سلمى و المتنبي لا يمكن أن تكون لغةً قبيحة و معيبة.

  1. مارس 31, 2012 الساعة 12:32

    سلمت يمينك … مقال طيب اخي عبد الرحمن

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: