التبرع بالأعضاء

بسم الله الرحمن الرحيم

التبرع بالأعضاء

كنت في مستشفى الجامعة منذ أيام و رأيت حالات يعاني أصحابها من فشل كلوي, تليف كبدي متقدم, عضلة قلب ضعيفة… و ليس أمامهم سوى التوجه إلى المستشفى الحكومي و تسجيل اسمائهم على قائمة الانتظار لعل أحدهم يموت فجأة لينقذ حياة مريض سيموت بعد حين!

ثم قرأت البارحة مقالاً يتحدث عن أزمة متبرعي الأعضاء في إسرائيل. أثار الموضوع طبيب قلب بعد أن حاور اثنين من متلقي التبرع بالقلب من اليهود المتشددين. قالوا له أنه لا مشكلة لديهم في تلقي العضو, لكنهم لن يفكروا يوماً قطعاً (لو كانوا أصحاء) بالتبرع, لأنه حسب شريعتهم يحرم العبث بجسد الميت. هذا الأمر معروف, لكنه يقول أنها أول مرة يذكرها أحد علانية و بصراحة.

دفعه هذا الأمر إلى اقتراح قانون يعطي الأولوية لمن في عائلته متبرع (أو مسجل في نظام التبرع بالأعضاء) أو هو نفسه مسجل, على من هو غير ذلك إن تطابقت حالتهما.

بحسب وزارة الصحة فإن 10% فقط من سكان إسرائيل البالغين يحملون بطاقات تبرع بالأعضاء, أي ما مجموعه 550 ألف شخص تقريباً. و هي نسبة ليست كافية بالمرة لتلبية متطلبات قوائم الانتظار.

أنا أكتب هذا الموضوع لأنني أفكر و فكرت سابقاً جدياً بالتسجيل في نظام التبرع بالأعضاء, و لكنني لم أخبر أحداً من عائلتي. و من خلال سؤال بعض الزملاء من القدس عن مجرد رأيهم بالتسجيل بنظام التبرع الأعضاء اكتشفت أن كثيراً منهم لا يعرفون أصلاً وجود مؤسسة للتبرع بالأعضاء أو تسجيل بها, و فضلاً عن ذلك, أبدوا بصراحة رفضهم للتبرع بالأعضاء من منطلق أن متلقي العضو سيكون يهودياً, و لكن في نفس الوقت لا يرفضون تلقي عضو دون التدقيق في أن المتبرع هو غالباً أيضاً يهودي. و لا علاقة لذلك إطلاقاً بالدين إنما هي من منطق “محتل – احتلال”.

لما كنت في المدرسة قبل سنوات, أذكر أن منظمة التبرع و زراعة الأعضاء “أدي” وزعت بطاقات اشتراك باللغة العربية, و وصلت أخرى في البريد. كانت البطاقات مرمية على الأرض تملؤ الشوارع, و سلات المهملات قرب صناديق البريد لم تعد تستوعب المزيد من البطاقات! أجزم أن عدد المتجاوبين كان يقارب الـ 0%.

ثقافة الأخذ دون عطاء للأسف ثقافة متأصلة عندنا و تبرز نفسها كلما طلب منا أن نتخذ قراراً فيه نوع من “الدفع”, سواءً أكانت تبرعات مادية (أو حتى فريضة الزكاة) أو تبرع بالدم, أو حتى مجرد التبرع بالوقت و الجهد لأجل المجتمع و الناس. و كل ما سبق لا علاقة له باليهود أو العرب! لأن المبدأ بذاته مفقود و معدوم.

بطاقة التبرع بالأعضاء هي إذن رسمي منك [consent] يسمح للطبيب أن يستخرج من داخلك الأعضاء التي يمكن استخراجها بعد موتك, و التي يمكن أيضاً للطبيب استخراجها إن أخذ الموافقة من صاحب الصلاحية القانونية [next of kin] (زوج/زوجة, أهل… إلخ). و لكن, لأنه كلما طالت الفترة بين موتك و استخراج العضو زادت نسب تلفه فمن المهم استغلال هذا الوقت, و إلى أن يحصل الطبيب (أو مؤسسة التبرع و زراعة الأعضاء) على الموافقة قد يكون تأخر الوقت. بالإضافة إلى أن إعطاءك لموافقة مسبقة خلال صحتك أقوى من رغبات الأقارب.

أن متأكد أن أمي أو أبي (أو أحد أقاربي) سيكلمونني في الموضوع بعد قراءته و يحاولون إثنائي, لكنني مقتنع بالأمر و مصمم عليه. بعد موتك جسدك سيتلف و يتحلل في التراب, لن تحمله معك إلى أي مكان, فلم لا يستفيد شخص بحاجة إلى الأعضاء منه؟ لن يؤلمك هذا… و لن تشعر حتى بنقصه, فأمامك الآن أمور أهم و أعظم تواجهها, و اختبارات صعبة عليك اجتيازها. ما المانع إذن؟

قد يصل العضو إلى شخص يهودي, هذا صحيح, و لكن ما المشكلة؟ لا نجد غضاضة في تلقي عضو من أي إنسان… لأننا في حاجة إليه, و لكن عندما يكون الأمر متعلقاً باحتمالية (و التي قد لا تحصل إن مت في سن متأخرة لأن أعضاءك هرمت) إخراج عضو بعد الموت من جسدك نتردد و نفكر طويلاً بكل قوائم الاحتمالات و الافتراضات الموجودة! قد يصل إلى إنسان أتلف كبده بشرب الخمور, قد يصل إلى شخص يهودي يحرض على العرب, قد و قد… كل هذه الأشياء لا تهمك و ليست من شأنك! ليس أنت ولا حتى الطبيب يقرر إلى من يذهب العضو.

و هذا يقودني إلى مسألة أخرى أهم, لماذا لا توجد في بلداننا العربية مثل هذه المراكز؟ كل من يحتاج إلى زراعة عضو يسافر إلى الخارج. إن كانوا يتحدثون في بلد مثل إسرائيل عن “أزمة تبرع” عند المقارنة ببلد مثل الولايات المتحدة, فتخيلوا أين تقع بلد مثل مصر, ثم يبدأ الجميع بالتساؤل “لم نسب سرقة الأعضاء و التجارة بها خيالية؟!”, حقاً؟؟!

أعضاؤك, بما فيه دمك, ستنقذ حياة إنسان آخر… هو “إنسان” مثلما أنك أنت أيضاً إنسان. و هو محتاج تماماً كما ستصير أنت محتاجاً يوماً ما. اكسب أجر إنقاذ حياة إنسان, و إن كان هذا لا يهمك فتذكر مقدار الفرحة التي سيكون فيها ذلك المريض. كن كالنخلة معطاءً و لا تكن كالجرادة.

  1. Mrs. Amawi
    يونيو 28, 2012 الساعة 21:04

    من هي الجهة التي نتوجه اليها في القدس من اجل التبرع بالاعضاء

    • يونيو 29, 2012 الساعة 01:49

      الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأعضاء هي وزارة الصحة, من خلال مؤسسة “آدي”

      ربما يكون مقر وزارة الصحة مكاناً منطقياً لتقديم الطلبات, و لكن الأفضل سؤال طبيب العائلة

      أيضاً, يمكن التسجيل من خلال موقعهم الإلكتروني http://www.kartisadi.org.il/form.asp

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: