مدرستي و أشياء في الإدارة

بسم الله الرحمن الرحيم

مدرستي و أشياء في الإدارة

لا أظن أن قارئاً لهذه الكتابة لن يكون قد درس في مدرسة. مهما كان نوع المدرسة؛ حكومية, أهلية, خاصة فلا بد أنك كرهتها في مرحلة ما و نقمت على واضعي الكتب, و المدرس الذي لا يمل من إعطاء الواجبات و الدروس!

نعاني في القدس من خلل و شح حقيقي في مجال التعليم, إذ أن المدارس التي يمكن أن يفكر أي والد أن يسجل أبناءه فيها “كي يدرسوا” و ليس مجرد ذهاب إلى المدرسة تعد على الأصابع و دون الكثير من العناء في حصرها, و كلها خاصة. ذهبت إلى واحدة من تلك المدارس الخاصة.

أولى الملاحظات على أية مدرسة خاصة أنها هناك في 99% من الوقت لغرض الربح قبل التعليم فعلاً, مهما أقنعك مجلس الإدارة بعكس ذلك. لا أقول أنهم لا يهتمون للتعليم, و لكن الربح قبل العلم على سلم الأولويات. و الأمر الآخر أن معظم المدارس الخاصة في القدس تعاني من أزمة مالية و تصارع من أجل تأمين موازنتها و دفع رواتب المعلمين… التي هي ليست مرضية بكل الأحوال!

لنترك الأقساط قليلاً, و أريد أن أتحدث عن ما “تظن” المدارس الخاصة أنها تفعله, و ما “تفعله” في الحقيقة. كل المدارس الخاصة في القدس (و التي سأختصرها من الآن بـ المدارس الخاصة فقط) لديها زي مدرسي و مجموعة قوانين و سياسات تختلف من واحدة لأخرى. مثلاً, في مدرستي (و اسمها الإيمان الثانوية) كان على الجميع الالتزام بعدم استخدام مستحضرات تزيين الشعر (جيل, كريم إلخ), و على وقتي كان الهاتف المحمول ممنوعاً بشكل مطلق… ثم صار ممنوعاً داخل حرم المدرسة و يوضع عند الحارس إلى نهاية الدوام… و أيضاً الشرط تطور ليصير “ممنوع أي هاتف بكاميرا”!! يقال أن الحال الآن أفضل, و لكن ما زال الطلاب ممنوعون من حمل الهواتف داخل المدرسة.

عاصرت مرحلتين من مراحل المدرسة, مرحلة ما قبل الجدار العنصري, و مرحلة ما بعد الجدار العنصري… صرنا نؤرخ به  و الحمد لله! ما قبل الجدار كان الكثير من الأساتذة يأتون من مناطق شمال الضفة, طولكرم, قلقيلية, جنين, نابلس… كان منهم من ترك على نفسي أثراً إلى اليوم و أحدهم كان السبب أنني تابعت مهارة الكتابة و فن القصة القصيرة. بعد إقامة الجدار صار وصولهم صعباً فبدأت الإدارة تبحث عن حلول لاستبدالهم بمدرسين من القدس, و هذا سبب أزمة ً حادة ً على الأقل في مدرستنا التي كان أغلب المدرسين فيها من سكان الضفة الغربية. مرة ً مر أسبوعان لا تعطى أغلب الدروس لدرجة أن مجلس الإدارة أضطر إلى الاستعانة بخريجين سابقين لإدارة المدرسة و ملئ فراغات التدريس!

مرحلة ما بعد الجدار بدأ فيها الهبوط التدريجي الملحوظ لمستوى التعليم, فأصحاب الخبرة الآن محبوسون خلف جدار اسمنتي و لم يبق منهم إلا القليل جداً لندرتهم (ثلاثة فقط من أصل ما يقرب 40 مدرساً) و المدرسون الجدد إما مستجلبون من المدارس الحكومية (و هي كبقية المدراس الحكومية في الوطن العربي!) أو خريجون جدد, و قلة منهم مدرسون أصحاب خبرة في مدارس خاصة, و لكن غالباً لا, لأن كل مدرسة عندها أزمة أيضاً. كان لمرحلة ما قبل الجدار مدير, و ما بعد الجدار إلى أن تخرجت مدير آخر.

لم “أعشق” مدرستي, بل إنني كنت أرى فيها الكثير من المغالطات و الأشياء السخيفة. أبسطها في طريقة تفكير الإدارة. فرض علينا زي مدرسي مقيت لونه زيتي و هو عبارة عن بنطال قماشي, و قميص لونه أفتح قليلاً لكنه ما يزال زيتي مخضر (اجتمع مجلس الإدارة مرة أخرى و أدعى أنه ناقش الأهالي و غيروه بعد تخرجي إلى اللون الوردي!!!)! و كما قلت لا يسمح بالجيل أو الكريم. لا يوجد مجلس طلابي, و لكن كان عندنا “مسؤول شؤون طلبة” و هو واحد من الإدارة لا أدرى يقيناً ما وظيفته. و على الرغم من أن الإثنان الذين شغلا المنصب كانا لطيفين و محترمين في التعامل إلا أن غياب لوائح القوانين و تفصيل وظائف كل عضو في إدارة المدرسة كان دائماً محط مشاكل… فإن أردت أن تشتكي طالباً آذاك لمن تذهب؟ إلى نائب المدير, أم إلى المدير… أم إلى مشرف شؤون الطلبة؟ ثم إن استحواذ الإدارة على “شؤون الطلبة” دون إشراك أي طالب يلغي الهدف منها أصلاً!

الفكرة وراء كل هذا كانت أننا مدرسة “راقية”, نلبس لباساً “محترماً” (و هو من أقبح ما يكون و أسوأ جودة في عالم الأقمشة! كما أنه غير عملي و منظره “مبهدل”!) و نبدو كممثلين لما يجب أن تكون عليه “مدارس الإيمان”! و من هذا المنطلق كان على الجميع الالتزام بمنظر موحد, و كان على الجميع أن يشتري هذا الزي من المحل الذي تعاقدت معه المدرسة بمبلغ و قدره يمكن أن تشتري به أفضل بآلاف المرات لباساً عادياً, أو حتى على نفس النمط, و طبعاً لباس الرياضة الذي لا يمت إلى الرياضة بصلة! كان طويلاً و من البوليستير المطعم بالقطن… لذا فقد كان أسوأ شيء يمكن أن تلبسه للركض أو لعب كرة القدم, و كذلك يرمى في القمامة إن تمزق أو كشطت الركبة مثلاً.

ما زالت لا أستوعب ما الفكرة من وراء منع مستحضرات العناية بالشعر! لست من مشجعيها شخصياً ولا أستخدمها… لكن إن أراد شخص أن يستخدمها فلا أرى أين المشكلة في ذلك! بعض التصفيفات تبدو غريبة بالفعل, و لكن الإغلبية تبدو عادية مع بعض الشعرات المنتصبة.

مدارسنا في النهاية لا نخرج منها بعلم ينفع, لأن المناهج سيئة و ستتسبب بتلف عقول الطلاب, اهتمام بمظهر نظام كاذب, إدارة ديكتاتورية لا تشرك الطلاب في قراراتها… صحيح أن غالبية طلاب المدرسة صغار (لأنه يوجد 12 مرحلة, و يمكن أن نصنف مراحل الوعي بآخر 4 ربما إن لم تكن آخر اثنتين) و لكن هذا لا يعني تهميشهم… على الأقل لا نطعمهم و نرضعهم الديكتاتورية و الرضوخ لكلام المدير و قرارات المدرسين بصمت و قبول.

التعليم عملية ليس رخيصة التكاليف, لذلك يجب أن تكون الحكومة هي المتكفلة بها بشكل أساسي. العناية بالمعلمين واحدة من أهم الأشياء التي على أي شخص يفكر بإنشاء مدرسة التفكير بها. العناية بهم, بأسرهم, مرتبات جزيلة و وسائل تعليم متطورة و تساعد المعلم و الطالب على إنجاز عملهم… و الأهم من ذلك كله أن يكون لقب “مدرس, معلم, أستاذ” لقباً عظيم الشأن صعب المنال, لا أن تكون وظيفة ينتهي فيها أغلب من لم يستطيعوا الوصول إلى تخصصات تتطلب جهداً أكبر بالنظام الحالي.

أنا قلق جداً أين سأسجل أبنائي في المستقبل من الآن (عندما أجد الأم المناسبة في المستقبل :D)… بصراحة و وضوح, لا توجد مدرسة واحدة في القدس تقدم “تعليماً” و تعامل طلابها و موظفيها كما يجب.

  1. يونيو 1, 2012 الساعة 11:52

    اعتقد ان لدي الحق الان في تقديم انتقادي للتعليم في بيئتي انا الاخرى بحكم ان هذه السنة هي الاخيرة وحمدلله انها شارفت على الانتهاء ايضا !
    اعرف ما تتكلم عنه واعرف اكثر مدارس الايمان الخاصة ورايت بشكل حي ما تتحدث عنه ، وهو بصراحة لا يبتعد عن تجسيد معاناتي انا الاخرى في المدارس الحكومية في الداخل الفلسطيني ، نفس الحيثيات والمشاكل من ملبس ونظام تعليم وانضباط ..
    بالنسبة للملبس لم اعاني ابدا منه في حياتي حيث ارتديت الزي الشرعي الكامل عندما فرض الزي الموحد في مدرستي وكنت من القلائل اللواتي لبسنه فلم يستطع احد التكلم معنا لانهم لم يفكروا في مثلنا اصلا !
    واما نظام التعليم فحدث ولا حرج ، فالمناهج كلها كانت عبارة عن تزييف تاريخنا العربي والاسلامي بامتداد الوطن العربي ،، فهذا الصحابي كان يحب النساء لذلك ضاعت الدولة ! .. والانضباط والقوانين هي الاخرى لم تترك لنا مجالا لنثني عليها بل على العكس ، فمثلا من لم يلبس اليوم زي المدرسة يطرد واصلا لم يكن ينبه على باقي الطلاب ان يلبسوه من قبل ..
    حمدا لله اني لم اواجه مشاكل الشكوى لاحد ، لاني كنت آخذ حقي بيدي😀 .. وحتى مع المعلمين كنت اذهب بنفسي الى المدير واطلبه لاشكو له سوء تعامل احد المعلمين وقلة ادبه مع الطلاب المسلمين (في مدرستنا الكثير من المعلمين النصارى) !
    وتمت المراحل الثلاثة بشكل او بآخر سلسة جدا ، وطبعا لشخصية الطالب وتربيته في بيته وثقته من نفسه دور كبير في عدم مواجهته لكثير من المشاكل ..
    وختاما ،، الله يبعثلنا ابن حلال يزبط هالمناهج او عالقليلة يدير المدارس بشكل يليق مع البيئة والمجتمع لدينا🙂

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: