الطابق الأرضي

بسم الله الرحمن الرحيم

الطابق الأرضي

في كل السنوات التي أذكرها, لم أسكن في شقة تقع بالطابق الأرضي سوى مرة واحدة, و هذا الصيف تذكرت لم!

الأمور تختلف بين العمارة و البيت المستقل. البيت المستقل له أسواره و فواصله عن الناس كما يريد سكانه, لكن العمارة غالباً ما تكون على الأقل مطلة ً على شارع لأجل الوصول إليها. و بعض العمارات التي تبنيها شركات التطوير الإسكاني أو الحكومة تكون بلا أسوار تماماً و في الشارع (مع بعض الشجيرات التي تحيط بها و مساحة خضراء مفتوحة لإعطاء إحساس بأنها “عمارة”!).

هذا الصيف, أقضي رمضان و الصيف كله في مصر لأجل الفصل الصيفي. و أسكن مع شريك في شقة بمنطقة هادئة و جميلة… لكن هذه الشقة في الطابق الأرضي!

في مصر, على ما يبدو فإنه توجد علاقة طردية بين هدوء المنطقة و ترتيبها, و بين نسبة “السؤال”. و هي كلمة مؤدبة للكلمة الأصرح منها: “شحدة”! كلما كانت المنطقة أهدأ و أرتب كلما زاد عدد السائلين. كما أن العدد سيتضاعف عشرات المرات لو كنت تسكن في الطابق الأرضي عن الطوابق الأخرى في العمارة.

الذي تعلمته هذا الصيف هو: لا تسكن أبداً في طابق أرضي, إلا لو كتت تعاني من مشكلة حقيقة مع الدرج و صعوده (و هي مشكلة محلولة لو كان هناك مصعد), كأن تكون مقعداً مثلاً. سهولة الوصول لا تبرر بقية المتاعب التي تعانيها.

أغلب هذه المشاكل التي تواجهها ليست متعلقة بالشقة نفسها, و لكنها مشاكل تصرفات و أخلاق الناس. كالمرور و إيقاف السيارات تحت نافذتك, أو الجلوس في “الحديقة” التي أمام بابك أو التي تحيط بالعمارة (التي يفترض أنها ملك خاص بسكانها و ليست مشاع أو عامة) و لكن من يأبه لهذا الكلام التنظيري الممل!؟ مساحة خضراء = مكان للجلوس و الصراخ لمدة ساعة ثم تركها تعج بالمخلفات و القمامة… تحت نافذتك!

الشحدة هي مشكلة أخرى كبيرة. مرة ً أخرى, هذه مشكلة ليست منك أو من الشقة… بل هي مشكلة أخلاق. كونك في الطابق الأرضي فهذا يعني وصول سهل و سريع, و بالتالي فإن جرسك سيرن خمس مرات في اليوم بدون داع ٍ… دعايات, متسولون, أو التسلية البحتة!

كون الشهر هو رمضان الفضيل لا يعني أن أموالك تزيد فجأة! و لا يعني رفضك إعطاء أي أحد أنك بخيل أو لا تحب مساعدة الضعفاء. الله وحده يعلم ما تنفق و تتصدق به, و أنت حر أين تتصدق و على من… معنى الكلام أن سائل الباب غالباً ليس بصدقة لأننا نفكر بها كطريقة صرف سريعة للطارق. الصدقة في جمعية موثوقة أفضل, و صدقتك تصل للمحتاج لا لمن اتخذ السؤال و التسول مهنة بدوام و ساعات عمل!

من مميزات السكن في مكان واحد لمدة طويلة هو أنك تحفظ وجوه من حولك, فالبقال هو نفسه, و جيرانك يتغيرون قليلاً, الأولاد الذين يلعبون في الشارع هم أنفسهم… و الناس في الشارع في ساعة محددة هم أنفسهم تقريباً. لذا عندما تمر كل يوم بنفس الإنسان بنفس المكان بنفس الموعد يتسول الناس فهذا ليس بمحتاج, هذا مجرد “متسول” يتخذ من مد الأكف مهنة له. و لا أعلم صراحة ما يكون في عقل المتسول عندما يمتهن هذه “المهنة”! يصحو من ساعات الصباح الباكر, و يعود إلى بيته في المساء. يسعى خلف الناس و يجري وراء “رزقه”… هذه كلها مكونات العمل, فلم لا يشتري كرامته و يمتهن مهنة ً مفيدة ً و شريفة؟

و الأنكى من ذلك أن المتسول يشغل بقية أفراد عائلته إما في “صنعة العائلة”, أو في أعمال أخرى لا تقل دناءة عنها. كأن يشغل البنات كعاملات تنظيف في البيوت ليسرقوا ما عند أصحابها, أو أن يعلم الأولاد النصب و الاحتيال و السرقة.

أنا أدعو كل الناس إلى الصدقة و الخير, و التطوع. لكن في المكان الصحيح. إعطاء المتسول في الشارع أو الطارق على باب البيت لا يساعد الفقير, لأنه ليس “فقيراً”. يمكنك أن تبذل جهداً عظيماً في دفع حائط, لكنك لن تكسب شيئاً من وراء ذلك, بينما استثمار طاقة الدفع تلك خلف سيارة مثلاً تنتج مساعدة ً لشخص يحتاج إلى دفعة لتشغيل المحرك.

ثم هناك مشكلة الأدب. قيل لي مرة ً “لا تغضب من يوقع على شيكاتك”, أي لا تغضب الشخص الذي بيده النقود (و ستأخذها منه). و بعض النظر عن الجوانب المتعددة لهذه المقولة, صحيحة ً أو لا, المستفاد منها هو أن تكون مؤدباً في سؤالك. تذكر أنها في النهاية “صدقة”, يعني أنها تطوعية و ليست إجبارية. ليس لديك أي شيء عندي. جنيه واحد أو عشرة كله جيد, و لو كان المتسول صادقاً بأنه جائع و يريد أن يأكل فجنيه آخر مثله يساوي غدائه عند عربة الفول… إن كنت تريد أن تتغدى في تشيليز مثلاً فليست هذه مشكلتي, لأنني أنا لا أذهب إلى تشيليز, و لست مسؤولاً عنك بأن أغنيك!

عندما تأتي مطبلاً على نوافذي, و تضغط الجرس خمس دقائق صارخاً “حاجة لله” لا تتوقع أنني سأعطيك شيئاً. و ليس من حقك أن تغضب أو تقوم “بمعاقبتي” إن رفضت.

موقف حقيقي حصل اليوم دفعني إلى كتابة كل الكلام السابق, و هو أن أربعة مستولين (كل واحد بوقت مختلف) طرقوا الباب اليوم, قبل الإفطار. أعطيت الأول ما وجدته, و الثاني بعض الجنيهات… ثم الثالث صدقاً نفدت نقودي “الفرط” أو “الفكة” المعدنية فصرفته, ثم جاءت واحدة ساعة الإفطار تطرق النافذة و تصرخ! و الله لقد أفطرت اليوم بعض الخبز و البيض, لأنني مللت بقية الأكلات, فأعطيتها بعض الخبز و هي تطلب المزيد, و تكذبني بأن عندي المزيد و أنها تسمعني آكل!!! ثم انتقلت إلى موضوع النقود, و مرة أخرى (و هي طبعاً أدرى مني بأموري) تحلف بأن عندي ما أعطيها!!

الأدب و الأخلاق ليست مجرد زينة, بل هي متطلبات حياة. إن واجهت الناس بقلة أدب و صراخ فليس من حقك أن تعتبر أن إغلاق النافذة أو الإعراض هي قلة أدب… قليل على من يفعل هذا أن يضرب بالعصا!

و في النهاية, فأنني أنتظر اليوم الذي تحل فيه مشكلة التسول… رأيت عياناً في أكثر من دولة كيف أنها مشكلة قابلة للحل و ليست مجرد أحلام أو آفة لا بد منها.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: