الرئيسية > Foreigner's Diary مذكرات مغترب, Me & People أنا و الناس, Misc. منوعات > حين يكون أصل المشاكل الالتزام بإشارة المرور

حين يكون أصل المشاكل الالتزام بإشارة المرور

بسم الله الرحمن الرحيم

حين يكون أصل المشاكل الالتزام بإشارة المرور

قد يبدو الأمر سخيفاً و غير قابل للتصديق, و لكن بعد قراءة كتاب Freakonomics لـ Steve Levitt و Stephen J. Dubner صرت مقتنعاً بهذه العلاقة أكثر.

لن أخوض في الكتاب, و لكن ملخصه هو أنه يبحث في أمور سطحياً لا علاقة بينها, مثل ما هو سبب انخفاض نسبة الجرائم بعد عشرين سنة من تقنين الإجهاض في الولايات المتحدة. لست اقتصادياً, و لن أتظاهر أنني أفهم في الاقتصاد. أنا فقط لدي وجهة نظر ليست بالضرورة أنها صحيحة, لكنها واقع.

منذ فترة قصيرة قامت بلدية مدينة 6 أكتوبر بتثبيت إشارات مرور على الميادين الدائرية أو الدوارات. الذين اخترعوا هذه الدائرة اخترعوها لإلغاء الحاجة إلى إشارة مرور و في نفس الوقت المحافظة على تدفق للسير في تقاطع مرور… من الواضح أن الشعب المصري لم يستوعب هذه الفكرة و استورد الجهاز دون أن يقرأ التعليمات أو يفهم الهدف.

و لحل هذه المشكلة (و هي أن أي تقاطع سير “X” صار سبباً لشلل حركة المرور, و أن حركة السير على الدوار فوضى أكثر من الشارع نفسه) قاموا بتثبيت إشارات مرورية (الاختراع العجيب الذي يعرفه كل الناس حول العالم منذ سنين طويلة, و الذي استورد حديثاً جداً إلى مصر!). بغض النظر عن أن الإشارات المرورية لا مكان لها على دوار, و أنه يجب إزالة الدوار و جعل التقاطع تقاطعاً كي تقوم الإشارات بواجبها إلا أن رداءة التخطيط المدني حكاية أخرى, الإشارات تعمل و تضيء بالألوان المعروفة, أحمر, أصفر, أخضر.

درس سريع في عالم المرور: اللون الأحمر يعني قف تماماً و لا يجوز تجوازها بأي حال, اللون الأصفر يعني أيضاً قف و لكن إن كنت مسرعاً و فاتتك الإشارة فليست مشكلة ً كبيرة, اللون الأخضر يعني أن الطريق لك. وجود الإشارة الضوئية وجد كي ينظم المرور دون الحاجة إلى شرطي مرور… لأنه ببساطة لا حاجة إلى شرطي مرور حول الساعة على كل تقاطع طرق في عصر صار كل شيء آلياً و فوري (قصة الفوري أيضاً اختراع لم يصل مصر بعد, أيضاً الـ آلي).

القضية أكبر من مجرد التزام بإشارة مرور, لأن الالتزام بتلك الإشارة نابع من المبدأ أصلاً, و هو الالتزام بالقوانين. لا يهم أي وقت في اليوم, و لا ما هي حالة الشارع, و هل يوجد شرطي أو أحد يرى أم لا… المبدأ هو الالتزام بالقوانين. القوانين واضحة, و وضعت كي يلتزم بها الناس بكل وضوح لا أن يفسروها و يلتزموا بها حسب فهمهم, خاصة ً في الأمور الواضحة جداً نصاً… مثل أن الإشارة الحمراء لا يجوز عبورها حتى لو كان هناك مسدس موجه نحو رأسك!

لكل فعل نفعله محرك و محفز, لا أحد يفعل شيئاً لغير غاية, و لا فعل في هذه الحياة لا غاية له… حتى الأعمال الخيرية التي نفعلها خفية و بدون مقابل ورائها محفز و باعث. فما الذي يدفع الناس للالتزام بإشارة المرور و قوانين السير, و من ثم القوانين عامة ً؟ شعور المصلحة العامة و الخوف على حياة الناس محفز ضعيف, لأننا كلنا نعتقد أننا أفضل من Sebastian Vettel أو Kimi Raikkonen (سائقي F1 فازوا ببطولة العالم)! لكن الخوف من المخالفة و العقاب أكبر و أعظم, كما أن الخوف على تصريح القيادة و الأذن باستخدام مركبة على الشارع أكبر. فما هي النتيجة عندما يكون الحصول على الرخصة سهل جداً, و عندما تكون القوانين متساهلة ً جداً و قديمة, و عندما تكون الشرطة أضحوكة؟ ما الذي يدفع الناس إلى الالتزام بها؟ في هذه الحالة سيعود Vettel الذي يعيش في داخلنا (أو نتوهم أنه يعيش) إلى الظهور و حينها يتحول الشارع إلى شارع مصري في القاهرة.

لكي أرسم الصورة علي أن أشرح طبيعة القيادة في “بلد مجاور”. تبدأ القصة عندما تقرر حضرتك أنك تحتاج إلى قيادة سيارة, فتتوجه إلى دائرة الترخيص و السير لتتقدم إلى امتحان نظري (و عندما أقول “امتحان” أعني “امتحان” و ليس ضابطاً به إعاقة يسألك أسئلة سخيفة عن معنى المثلث و الكف!), بعد نجاحك في هذا الامتحان تأخذ ورقة نجاحك إلى مدرب قيادة… لا يهم إن كنت فعلاً Vettel أو ترى سيارة ً لأول مرة في حياتك, الجميع عليه أن يمر في عدد أدنى من الدروس الإجبارية. إن تدربت جيداً (و التدريب يعني التدرب على أشياء لا أحد يلقي لها بالاً, مثل وضعية جلوسك, و وضعية يديك على المقود إلخ) و نجحت في الامتحان سيء الذكر (من العادي أن تعيده أكثر من مرة) تأخذ رخصة قيادة ورقية لمدة 6 أشهر. خلال هذه المدة لا يحق لك قيادة المركبة إلا بوجود مرافق قديم (فوق 25 سنة, و معه الرخصة منذ أكثر من 5 سنوات) و لا تستطيع تحميل أكثر من راكبين (لمدة سنتين), في خلال هذه المدة أخطاؤك مضاعفة, بحيث أن أتفه الأخطاء التي قد يأخذ السائق القديم عليها مخالفة مالية و بعض النقاط على رخصته يكون عقابك سحب الرخصة و حرمانك منها لفترة قد تمتد إلى سنين, و قد تكون إلى الأبد بحسب مخالفتك. بعد هذه الفترة هناك فترة “سائق جديد” لمدة سنتين عليك أن تضع فيها لافتة تقول أنك سائق جديد, و أيضاً المخالفات عليك مضاعفة. المخالفة المرورية مرتفعة ً جداً, و هناك نظام عقاب بالنقاط تتراكم على الرخصة و إن وصلت حداً معيناً تؤدي إلى سحبها أو دورة “إعادة تأهيل”. أنا لا أتفق مع كل هذه القوانين, و أرى أن بعضها مبالغ بها… لكن النتيجة أنه عندما تكلفك الرخصة مرتب شهر تقريباً, و مدة 4 أشهر بأحسن التقديرات إلى تتمكن من الخضوع للامتحان العملي ستفكر مرتين عندما تصل إلى تقاطع طرق, و لن تفكر حتى عندما تصل إلى إشارة ضوئية أو كف توقف.

إلى أن يتعلم الشعب المصري الوقوف على إشارة مرور في منتصف الليل و الشارع فارغ و لا يوجد أحد يشاهد أو شرطي لن يتقدم و لن يتحسن حاله. و إلى أن يتعلم قوانين السير و قواعد الأولوية في التقاطعات و السلامة المرورية في الشارع (التي أعلم يقيناً, و لا أمزح, أن كل من يقود في مصر لا يعرفها) سيبقى حال البلد فوضى و انعدام نظام. لأن من يعرف قوانين السير في البلد التي يشغل فيها سيارته كل صباح ليذهب إلى عمله من الطبيعي جداً أنه لا يعلم ما هي القوانين الأخرى المتعلقة بباقي نواحي الدولة. إلى أن يتعلم السائقون أن إضاءة المصابيح الأمامية ليست بذخاً يختار السائق أن “ينعم” به و أنه واجب خطير يودي بحياة العشرات كل يوم في الشوارع سنبقى في مستنقع الوحل الذي نحن فيه.

القوانين ليست رفاهية و كماليات كساعة ذات اسم أو سيارة غالية. كما أن الاسم و السيارة و كمية الأموال المكنوزة لديك لا تعبر عن رقيك أو حتى فهمك (لهذه الدنيا أو القوانين). قد لا تعجبك القوانين, و قد يكون فيها أشياء غبية, لكن عليك الالتزام بها حتى و إن. الطريق ليس كسر القانون, أو الالتزم ببضعه و ترك بعضه بحسب ما يحلو لك… الطريق هو تغيير القانون, و إلى ذلك الحين عليك الالتزام به.

من السهل جداً فهم ما يحدث في مصر الآن على “ضوء إشارة المرور”. من السهل القول أن الفوضى التي نحن فيها الآن هي نتاج مباشر (ربما غير واضح و مستتفه التأثير) لعدم التزامنا بالبديهات و الأمور البسيطة.

أسأل الله أن يعجن كل سائق سيارة في الشارع بدون مصابيح مضاءة, لأنه فقط من جرب قطع شارع على عمىً يعلم خطورة ذلك عندما تتحرك أشياء لا تستطيع رؤيتها بسرعات جنونية نحوك. أدعو من كل قلبي أن تشل أرجلهم فلا يقودوا مرة ً أخرى.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: