السوق السوداء

بسم الله الرحمن الرحيم

السوق السوداء

تعريف السوق السوداء هو السوق الذي يقوم على المتاجرة بالبضائع الممنوعة. السوق الرمادية هو التجارة بالمواد القانونية و لكن بطرق غير قانونية أو غير مرخص بها. أحد أنواع هذا السوق الرمادي هو السوق القاتم, و هو يشبه السوق السوداء في عمله إلى حد كبير و لكنه ما زال يتاجر ببضائع مسموح بها.

لست اقتصادياً, أنا مجرد إنسان يقرأ الكثير من الكتب و وقع بين يديه كتابان أو ثلاثة عن الاقتصاد. و ليس هذا موضوع عن سوق يبيع المخدرات, أو تحليل لأسباب تهريب الوقود! هو مجرد عنوان “فلسفي” للتفلسف بالمفهوم العامي.

لا يخفى على المتابعين لكتاباتي أنني أعيش حالياً في مصر لغرض الدراسة. و لا يخفى عليهم أيضاً أنني لا أطيقها. ما سأكتبه قد لا يكون صحيحاً في موازين الاقتصاديين أو دارسي البيزنس, لكنه واقع على أية حال.

السوق السوداء أو الرمادية, أو أي نوع من الأسواق, تنشأ لتلبية طلب. فلا يوجد سوق مثلاً يختص بتلبية حاجة الناس إلى مياه البحر أو الرماد. في الأسواق القانونية هناك منظم, و تعمل ضمن إطار أكبر هو الدولة. و لكن في الأسواق الرمادية و السوداء التي هي بطبيعتها مختبئة التنظيم قليل أو ينعدم تماماً. السوق القانوني (البيضاء) هي سوق متحكم بها و ليست سوقاً حرة بمعناها الجوهري. لكن السوق السوداء, و بدرجة أقل الرمادية, هي أسواق حرة بشكل خالص. يعني أن السعر يتحدد طبقاً للعرض و الطلب, القيمة السوقية و المنافسة, لا دخل للحكومة أو أي جهة تنظيمية بها. فإن كان هناك ملهى ليلي مثلاً يرتاده محبو المهلوسات الممنوعة (طلب) و وقف أمامه تاجر حبوب هلوسة (عرض) و افترضنا أن السعر السوقي المتعارف عليه هو 1$ للحبة و طلب هو 2$ فلا شيء يمنعه, و لا وجود للمنافسة في تلك المنطقة… إذن هو سوق بائع بحت, هو شخصياً الذي يحدد السعر و الكمية.

كل هذه المقدمة الاقتصادية المملة كانت لكي أصل إلى نقطة سوق الإنترنت في مصر, و لن أتكلم عن اللعبة الكبيرة التي هي احتكار بين شركتين تقدمان نفس الخدمة السيئة بنفس السعر… لكن لنتكلم عن إنترنت الحي.

لسبب ما, في بلد تعداد سكانه يتصاعد بسرعة إلى 90 مليون, في مدينة مبنية حديثاً أيضاً يتصاعد عدد سكانها بأعداد كبيرة كل سنة, ظن عباقرة التخطيط المدني أن خطوط التلفون لا علاقة لها بعدد السكان. و شركة الإتصالات أيضاً ما زالت تظن أنها تعيش في عام 1988. المسألة كلها مختلطة بين بيروقراطية و حماقة حكومية و مبادئ تخطيط مدني متخلفة, و بين شركة اتصالات كسولة و محتكرة للسوق.الناتج من هذا كله أن كثيراً من الأحياء المنشأة حديثاً لا يتناسب فيها عدد خطوط التلفون مع عدد الشقق, مما يعني أن هناك شحاً في خطوط التلفون… و هو ليس أمراً مهماً إن كنت تستخدم خط التلفون للاتصال لأن الاتصالات النقالة صارت رخيصة ً جداً و معظم المهاتفات تحصل من خلالها. لكن خط الانترنت يحتاج إلى خط تلفون, و هنا تبدأ المشكلة.

هناك شح في العرض, و زيادة في الطلب. سعر خط التلفون ثابت لأنه من جهة مقننة. سعر الإنترنت ثابت إلى حد كبير و لا يتغير. هذا يؤدي إلى رفع القيمة السوقية لخط التلفون في ذلك الحي, و الأهم من ذلك, سعر خدمة الإنترنت السوقية في ذلك الحي ترتفع.

من حيث أجلس الآن في غرفتي, هناك 20 شبكة لاسلكية, 15 منها شبكات للتربح – تدفع مبلغاً مقابل الدخول إليها. لن أستطيع التكلم عن مقدمي الخدمات لأنني لم أتعامل معهم شخصياً, لكن السمعة واحدة و النتيجة مشابهة عند الجميع. التزاماً بالدليل, سأتكلم عن مزودي فقط, لأن البقية و إلى أن أجرب خدماتهم متهمون و لم يثبت عليهم الدليل.

الإنسان الذي أتعامل معه يملك 5 أو 6 خطوط تلفون. واحد منها سرعته 4Mbps (أعلى سرعة في مصر حالياً, باستثناء شركة فودافون التي بدأت من أشهر قليلة بتقديم خدمة 8Mbps), و آخر 2Mbps, و البقية 1Mbps (كل خط يتصل بـ DSL Router مثل الذي تجده في كل بيت). على راوتر هناك ما لا يقل عن 15 جهاز متصل على راوترات 1Mbps, و في بعض الأحيان سجلت وجود 40 جهاز في وقت واحد على راوتر الـ 4Mbps. على راوترات منزلية هذا يعتبر انتحاراً! يبيع الدخول الشهري بـ 160 جنيه للاتصال اللاسلكي, و 60 جنيه لسلك الـ LAN الواحد. فاتورته الشهرية على سرعة 1Mbps هي 145 جنيه, على 2Mbps يدفع 230, و 380 على سرعة الـ 4Mbps. الراوتر فيه 4 منافذ سلكية للشبكة, إن افترضنا أنه يستخدمها فقط, و السلك الواحد يمكن أن يوصل لأكثر من جهاز (و الحساب على الجهاز و ليس السلك) فإنه يوجد حالياً 5 أشخاص على الأقل على راوتر 1Mbps, و هذا يضع في جيبه 300 جنيه شهرياً, ربحه الشهري من راوتر واحد أكثر من 100% من التكلفة. 15 شخص يدفعون 160 جنيه كل شهر للوصول اللاسلكي… هذه 2400 مع بداية كل شهر, ربح أكثر من 6 أضعاف التكلفة.

هذه كانت الصورة التي نعيش بها… و عندما يكون لديك 15 جهاز على راوتر واحد و لو كانوا جميعاً لا يفتحون سوى صفحات ويب فمن الطبيعي أن الخدمة لا تعمل نصف الوقت, و Ping بمعدل نصف ثانية أيضاً مفهوم جداً. أقصد مفهوم أسبابه, و ليس من باب أنه مقبول.

و كما أن تاجر المخدرات الذي يجد نفسه يربح مبلغاً جيداً من تجارته السوداء, و يحلم دائماً بالتوسع ليقع في النهاية في فخ طمعه, هكذا يحصل مع تجار الإنترنت… إن كان الراوتر يزود لأربعة أفراد فما المانع من إضافة خامس, و الخامس يجر سادساً و السادس يجر سابعاً, إلى أن ننتهي بـ 40 كمبيوتر يتصلون بنفس الراوتر. الراوتر اللاسلكي الذي أتكلم عنه هنا هو D-Link DSL-2640 لمن يحب أن يطلع عليه, و هو راوتر جيد… لكنه ليس بأية حال مصمم كي يعمل بهذا المجهود.

شركات الإنترنت تمنع صراحة في عقودها المتاجرة بخطوط الإنترنت أو مشاركتها (و هو أمر كنت أستهجنه سابقاً, و لكنني الآن أتفهم الأمر) و مقصود به بالضبط الحالة الحاصلة. و الأسوأ أنها ليست مشكلة ذات مخرج, تغطية الـ HSDPA و HSUPA في هذا الحي ضعيفة, و من البداية أسعار إنترنت الـ 3G مرتفعة. جهاز تنظيم الإتصالات غير مهتم, شركات الإنترنت إلى حد بعيد غير مهتمة, الإنترنت ضرورة حياتية لطالب الجامعة, و ليس فقط كي يشاهد أفلام يوتيوب أو يقوم بتنزيل أفلام السينما على جهازه! وصفة مثالية للسوق القاتمة.

ختاماً للموضوع الطويل الذي سيطول الحديث فيه كثيراً بتفاصيل تقنية مملة لكثير من الناس, جهاز التخطيط (لا أعرف اسمه, ربما يكون جهاز المدينة) هو سبب هذه المشكلة. من الغباء دفن أسلاك تتغير دائماً تحت الشوارع. الحي الذي أتكلم عنه هو الحي الأول بمدينة 6 أكتوبر, حي مرتفع الإيجارات و أغلب سكانه طلاب جامعيون (اقرأ: غالي راقي). شوارعه ترابية بمجملها, نظراً للغالبية الطلابية فيه فهذا يحفز أطماع كثيرين, تبدأ بأصحاب المحلات و لا تنتهي بسائقي التكاسي (الحي فيه تكاسي أكثر من سيارات السكان, و سائق تكسي مصري لا تترجم في معظم الحالات إلى إنسان مستقيم أو متحضر). و السؤال الأهم هو لماذا لا تقوم شركة الإتصالات بفتح خطوط جديدة؟ عندما ذهبت إلى شركة الإتصالات للاعتراض و السؤال كان الجواب هو الخطوط الجديدة تحتاج إلى كبائن جديدة… بعرض السحالي البرتقالية!؟ ما هذا الأمر المنكر, و الفاحشة القبيحة… شركة إتصالات وظيفتها إضافة كبائن جديدة؟!

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: