صوت الصمت المدوي

بسم الله الرحمن الرحيم

صوت الصمت المدوي

هل تعرفون تلك اللحظة عندما يسكت خطيب الجمعة بعد طول تقريع لبعض الثواني؟ عندما يبدأ الشعور بالقلق و التأنيب باختراق نفوس الحاضرين, و يبدأون بالبحث عن المخرج و انتظار الكلمة التالية؟ تلك اللحظة التي يعم الصمت فيها أي مناسبة أو تجمع بعد أن كان صاخباً فيتلفت الجميع حولهم منتظرين من يكسر ذلك الصمت المزعج.

يبدأ الخطيب بتقريع الحاضرين و تعداد سوآتهم ثم يصمت و يتجنب الكل أن تقع عينه بعين آخر, الكل يحاول إقناع نفسه أنه ليس ذلك الإنسان الذي يتحدث عنه الخطيب… الكلام لا ينطبق عليه!

طالما أنه توجد ضوضاء فلا يهمنا ما يحدث, لأنها تغطي على أفعالنا الصغيرة التي صوتها من تلك الفوضى. لكن عندما تختفي الأصوات الصاخبة تبدو أفعالنا هي الصاخبة, و نحاول نحن أن نهرب من ذلك الصمت إلى الضوضاء مرة ً أخرى لنغطي العورات و نستتر بالظلال و العتم.

لطالما شعرت بالسخط أمام عبارات التضامن البائسة مع القضية الفلسطينية, أو تعليقات من نوع “الله يكون بعونكم”, “الله يفرجها”, “الله يصبركم” التي لا تنم إلا عن عجز و قلة حيلة يكتبها صاحبها من غرفة بيته الدافئة تعليقاً على صورة لمصلين يصلون في أيام البرد القارس و المطر الغزير, أو الحر الذي يصلي, في الشارع لأنهم منعوا من الدخول إلى الأقصى فصلوا في أقرب نقطة سمح لهم بوصولها. أو تعليقات أناس يشعرون بالإحباط لأنه لم يجد البضاعة التي يطلبها أو لم يفز فريقه الرياضي المفضل تجاه أهل غزة الذين يقصفون.

ربما تقوم بمشاركة تلك الصورة, و ربما تشاهد الفيديو و تتحسر قليلاً. ثم تنطلق إلى التعليقات لتكتب بعض عبارات المواساة… ثم ما تلبث أن تلتفت إلى هاتفك الذي يرن برسالة مضحكة أو تتحول إلى تعليق هزلي كتبه أحدهم على حائط بروفايلك.

لم يكن لدي تصور يوماً عما يمكن لأولئك الذين يتضامنون معنا أن يفعلوا. لأنه في كثير من الأحيان ليس هناك أكثر من الدعاء و عبارات التصبير و التشجيع. ما عسى إنسان في أي بلد عربي أو أجنبي في المعطيات و الوقائع الحالية أن يفعل تجاه هدم البيوت و ترحيل أهل المدينة و منعهم من الصلاة في مسجدهم؟

و اليوم أنا أقف في نفس ذلك الموقع. سوريا تقصف, و كل يوم ترتكب مجزرة بحق مدينة أو بلدة و ماذا نفعل أكثر من أن نوجه بعض النظرات و ربما تمر بعض عبارات التصبير و الدعاء؟ بماذا صرنا نشعر عندما نسمع أعداد بخانتين على الأقل يومياً تقتل و تذبح؟ صار عادياً!

اليوم قصفت جامعة و طلابها في قاعات امتحاناتهم. قبلها قصفت مدن كثيرة و خربت أحياء صارت حطاماً ليس فيها سوى الأشلاء و الأنقاض في كل مكان. آلاف تركوا مدنهم و نزحوا يطلبون الأمان ليجدوا أنفسهم محتجزين في خيام في بطاح قرعاء لا تقي زمهرير الشتاء و لا لفح الصيف.

تقصف مبان بالقنابل و الصواريخ و لا نشعر بشيء. نتحسر قليلاً و نرددها بصوت حزين “الله يعينهم… آه و الله”, نوجم لبعض الدقائق و الهنيهات… ثم يكون كأن شيئاً لم يكن.

أقل القليل الواجب أن نمد لهم يد العون, فنتبرع و نؤوي من نستطيع, و نشد من جناح الضعيف. لأنه واجب و فرض. أهل سوريا ليس لهم إلا الله لأن الكل خذلهم. أهل سوريا ليس عندهم بترول, و لا قناة مهمة, و لا موقعاً استراتيجياً فلا أحد مهتم بهم. سوريا فيها من يحمي المصالح السياسية للقوى التي تتحكم بالساحة فلم يستبدلونها؟ لم يجب لأحد أن يهتم بأهل سوريا؟ لم يجب أن تبدأ جامعة العار العربية بالاهتمام لأي شيء غير الخطابات و الاجتماعات, لم يبدأون بالاهتمام الآن بعد كل تلك العقود التي مرت على مجازر فلسطين؟ ما الفرق بينهم و بين الملايين التي قتلها ستالين في الاتحاد السوفيتي؟ فليذهبوا إلى الجحيم جميعاً!

لن أكتب كلاماً فلسفياً بأن سوريا تنزف, و أن سوريا تموت, و أن سوريا تدمر… كلنا نعلم هذا, لكن ماذا نفعل بهذه المعرفة و ذلك العلم؟

و مع ذلك هناك الآن في هذه اللحظة من يحتفل بفوز العراق في مباريات كأس الخليج يدور في الشوارع يزمر و يرقص طرباً… و اليوم قصفت جامعة حلب و قتل طلابها و هم على مقاعد الامتحانات, و انقلب قطار في القاهرة قتل العشرات… و لكن الفوز في مباراة كرة مطاطية تركل بالأقدام أهم من ذلك كله. ثم نتوجه إلى الزاوية و نهرع بنهاية الصلاة بدعاء سريع “اللهم انصر اخواننا” فنكون قد أدينا ما علينا لننزل إلى الشارع لنرقص و نغني.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: