الرئيسية > Foreigner's Diary مذكرات مغترب, Me & People أنا و الناس > لأن الحياء و الخجل صار أمراً نسبياً! تجارة المرض

لأن الحياء و الخجل صار أمراً نسبياً! تجارة المرض

بسم الله الرحمن الرحيم

لأن الحياء و الخجل صار أمراً نسبياً! تجارة المرض

من موقع “بص وطل”

الحياء, و حتى الخجل, من الأمور النسبية لدى الناس. و يمكنها أن تتغير بحسب الموقف و الوقت. و الأحسن من ذلك كله أن ضمائر بعض الناس و ذممها صارت واسعة و مرنة بحيث لا تشعر بأي نوع من الوخز أو التأنيب!

يقولون عن الحياء و الكرامة “ماء الوجه”, فهل عرف أجدادنا أمراً لم يكتشفه أكابر الطب بعد؟ هل للصحراء الجافة تأثير في “تنشيف” الوجوه؟

لأنني من يومين و أنا لا أعرف النوم, و لأنني بالعادة أشعر ببعض الراحة المؤقتة عندما أفرغ ما في صدري في هذه المدونة, فقد قررت أن أكتب هذا الموضوع. إنه موضوع مزعج, يثير الحنق و الغل. هناك الكثير الكثير من الأشياء التي يمكنني أن أكتبها تحت هذا العنوان “الحياء في مصر” (أو الأصح انعدامه عند شرائح واسعة), لكنني اليوم سأكتب عن معاناة طالب الطب في مصر مع قلة حياء ما يطلق عليهم “مرضى”.

في عالم الطب هناك حالات مزمنة و صعبة انتشارها ليس كبيراً, أو قد تكون منتشرة ً نوعاً ما و لكن نظراً لعدم وجود حل لها فإن المريض يلزم بيته أو ينصرف إلى عمل ما يقوم به إلى أن يقضي الله أمره. لكن هناك شريحة من هؤلاء “المرضى” قرروا أن يتربحوا من مرضهم.

أنا لا أتكلم عن المرضى العاديين الذين يملؤون قاعات الطوارئ و ممراتها. لسنا نتكلم هنا عن إنسان عنده حالة من التسمم الغذائي أو التهاب في صدره بعد موجة برد… نتكلم هنا عن أناس مصابون بأورام خبيثة, أو فشل كلوي أو كبدي, أو واحد من تلك الأمراض المستعصية في القلب و غيره. أناس لا فائدة من وجودهم في المستشفى, و لا يرجى شفاؤهم, و ليس لدى الطب ما يقدمه لهم.

كل طالب طب في جامعة مصرية دخل المرحلة الإكلنيكية يعلم ما أتكلم عنه, و يعلم ذلك جيداً. هذا الموضوع نشر عام 2010, و بعد “عدم انكار” عميد القصر العيني للظاهرة و تفشيها لم يتغير شيء.

يا حضرات هؤلاء “المرضى” يأتون إلى المستشفى ليأخذوا الأموال مقابل السماح للطلاب بالكشف عليهم. و في كثير من الأحيان يكونوا حالة امتحان نهائي… و تبدأ حلقة الابتزاز – التعويد.

من السواد في قلبي على هؤلاء الجمع ما يسد مجرى أفكاري. أجد صعوبة في كتابة ما أريد وصفه. كل ما أكتبه هنا أكتبه تحت قسم مغلظ بأنه حقيقي و حاصل, و منتشر في معظم كليات الطب المصرية, الخاصة و الحكومية, إن لم يكن جميعها. لم ألتق بطلبة من كل الجامعات, و لكنني التقيت و قرأت ما كتبه و قاله طلاب في كليات مصر الطبية الكبيرة.

من هؤلاء النصابين من يتاجر بألم طفله و مرضه, فيأتي يعرضه كالبضاعة على باب المستشفى. قبل كل امتحان عليك أن تحضر مبكراً ساعة ً, ليس لكي تحضر نفسك أو تلتزم بأخلاقيات الطب و الحياة بألا تتأخر على المريض… و لكن لكي تفاصل على السعر! و منهم من تطور و صار سمساراً. لم يبق إلا أن يؤسسوا نقابة و اتحاد كما فعل نصابو South Park!

متوسط الدفعات في حدود الـ 250 طالب. و يبتز النصاب من كل واحد ما لا يقل عن 50 جنيه في اليوم. و هذا فقط من دفعة واحدة. الرقم حقيقي يا سادة, و يستطيع أي طالب اكلنيكي أن يؤكد كلامي.

لا أريد إظهار الطلاب كالمساكين, فمنهم من يدفع ما يربو على الـ 200 جنيه للواحد كي “يغششه”. لأن النصاب هذه هي صنعته, و سمع نفس الكلمات مرات و مرات, و حفظ أين الجس و ما هي الفحوصات السريرية. هو لا يعي كلمة مما يقوله, و لكنه حفظ الكلمات و الحركات و هذا كل ما يحتاجه الطالب الفاشل كي ينجح.

و قد يقوم النصاب بإعطاءك معلومات خاطئة, أو يستعمل اللف و الدوران, مع من يرفض الدفع أو يريد تخفيض “السعر”.

أنا أدرك أن ليس كل الطلاب بنفس قوة الشخصية و الإرادة, و أدرك أيضاً أن هؤلاء النصابين وقحون بما يكفي لشرخ لوح من الحجر. لكن يمكن للطالب أن يلعب نفس اللعبة كي لا يدفع, فهو ليس بلا حول هنا. كما أنه غالباً لا يحتاج الطالب إلى توصيف المريض كي يعلم العلة, فغالباً رآها قبلها و يعرف تفاصيلها.

الأنكى في الأمر أن إدارة الجامعة و عمادة كلية الطب تدرك وجود المشكلة, و يقولون أنها ظاهرة يجب محاربتا… الإدارة التي تدير المستشفى الجامعي!!! أين الإجراءات التي يمكنكم اتخاذها!؟ ثم بعد فترة تكتشف أن الإدارة و الطاقم التدريسي هم نفسهم أحد أطراف حلقة النصب تلك! هم الذين يأتون بهؤلاء النصابين و يدفعون لهم (غير ما يقبضونه من الطلاب), و لكن لا أحد يريد أن يقر بذلك.

لكي لا نخرج من كل هذا بلا فائدة يجب أن نضع حلول. و هذا يبدأ بمعالجة كل طرف من المشكلة.

– الطلاب: الطلاب بحر واسع من الجنسيات و الخلفيات المتنوعة. كما أنهم كمجموعة ينقسمون إلى طلاب و طالبات. أولاً و قبل كل شيء (و كالكثير من المشاكل في حياتنا) على الطلاب أن يتحدوا و يتصرفوا كجسم واحد, لا يخالف أحد الصف في هذه الموضوع. بدون الكثير من القراءة بين السطور, على الطلاب الميسور حالهم (أو يشتهر عنهم يسر الحال كمجموعة أو شعب) أن يقاوموا رفع “سقف الإنفاق”. أعرف ذلك الشعور الذي يشبع غرور الشخص عندما ينفق أكثر, و لكن هنا لا يوجد أحد “تبهره”, أنت فقط تزيد من كمية النصب و ترفع سقف الطلب على بقية الطلاب. كلام الكتب عن أخلاقيات الطب و مهنة العلاج يسري بين الطبيب و المريض, هؤلاء ليسوا مرضى. كلما فهمت ذلك أسرع كلما كان الأمر أسهل.

الطالبات: أي مظهر من مظاهر يسر الحال اتركوه في البيت (مكياج و زينة, حقائب كبيرة و مزينة, لباس غال, جوالات كبيرة و عليها اكسسورات غالية أو صاخبة… إلخ) كما أن الأمر يسري على الشباب في هذه النقطة. “قووا قلوبكم” و ارفضوا الدفع و فقط. أكره التعبيرات التي مثل “الفتيات ضعيفات”, و لكن للأسف الحلقة الأضعف في سلسلة النصب هذه هن الفتيات. بعضهن يدفعن مبالغ خيالية تحت ضغط النصاب, و ضغط عدم الثقة بالنفس و قوة الدراسة. لا تدفعوا, ولا تطمعوهم!

هذا علاج أولي, تسكين للألم. على المستوى الميداني بين الطلاب لا يحتاج إلى موافقات أو تدخلات من الإدارة أو الدكاترة. مجرد وحدة صف. و لكن من التجربة أعلم أنه أمر شبه مستحيل (توحيد الكلمة و الالتزام باتفاق)… أسحب كلامي, مستحيل. نقطة!

– العلاج الحقيقي يأتي من الإدارة. المراقبة الصارمة على الأطباء الممتحنين, و على من يجوب قاعات الانتظار خاصة ً في العيادات الخارجية (التخصصات, و هي التي لها نصيب الأسد في وجود هؤلاء النصابين). طرد كل من يطلب فلساً و منعه من العودة إلى الجامعة و المستشفى, لأنني لا أستطيع أن أشدد على كلامي بالشكل الكافي… هؤلاء اتخذوها صنعة و حرفة, و يقطعون المسافات و المدن من أجلها. لأن مبلغاً سهلاً بالآلاف يفوق راتب الطبيب يجعلك تقوم بذلك, و ليس لك علاج سوى الحرق في فرن نازي. و لكن هذا العلاج طريقه طويل, و في الحقيقة الجامعات لا ترغب جدياً في القضاء على الظاهرة. لأن الطبيب الممتحن مر في نفس المرحلة و نفس الحلقة, و عميد الكلية كذلك و هكذا. كما أنهم لا يريدون من الحالات المزمنة أن تهرب, لأن 90% منهم “توصية” من السماسرة يجوبون أنحاء البلاد بين المستشفيات التعليمية.

– فكرة أخرى قد تكون حل للمشكلة إن انتشرت بالمستوى المطلوب هي توثيق تفاصيل حالات النصب تلك. لا أعني بذلك أشياء مثل العنوان و التفاصيل الاجتماعية, و إنما تفاصيل حالته المرضية و صورته. بذلك يختفي ما يتاجر به. “بضاعته” و ما لديه صار لا قيمة له لأنني أعرف مسبقاً ما ستقوله. لأن هؤلاء النصابين غالباً دوارون في نفس المنطقة و نفس المستشفيات. ما يسمى في الاقتصاد بـ Privileged information التي تفقد قيمتها عندما تخرج إلى العلن من الدائرة المتداولة فيها (هناك الكثير من الأمثلة على ذلك, كتجار السيارات و سمسارة العقارات, الذين ضاق الخناق عليهم مع انتشار الإنترنت).

الفقر و العجز لم يكونوا يوماً حجة ً لترك الحياء. و قالت العرب (رحمهم الله. اندثر ذاك النسل و لم يبق منهم إلا الاسم) قديماً “تعيش الحرة و لا تأكل بثديها”. أنا لا أدعي هنا أن هؤلاء النصابين أصحاب ملايين و عقارات و مراكب. بل هم حثالة المجتمع و قاعه, و فقراء. الفقر ليس سبباً لسلوك الطريق الأعوج و ما يخيل لهم بأنه سبيل سهل لجمع المال. إن كان ابنك مصاب بورم خبيث لا علاج له فليس هذا سبباً كي تجلس طوال النهار في البيت تتسول عليه و تتاجر بما ابتلاه الله… ثم تشتكي الفاقة  والحياة السيئة و قلة البركة, و تجلس في كل مكان تتحدث عن تعاسة الحياة و كم هي سيئة و غير عادلة, و أن الزمن أخ فلانة و أخت علان في تلك الأغاني النيو-شعبية التي لا طعم فيها و لا كلام و أنت تدخن البانجو مع بقية مترممات القاع. الغاية لا تبرر الوسيلة.

إن كنت طالب طب في مصر تعاني و ترغب جدياً في وضع حد للمشكلة, أو إن كنت فعلاً ضمن دائرة و مجموعة تحاول حل المشكلة, تواصل معي.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: