الرئيسية > Foreigner's Diary مذكرات مغترب, Misc. منوعات > تكملة “استفسارات مقبل…”

تكملة “استفسارات مقبل…”

بسم الله الرحمن الرحيم

تكملة “استفسارات مقبل…”

(هذا الموضوع تكلمة للموضوع السابق: استفسارات مقبل على الجامعة)

الآن القسم الشخصي من الأسئلة. لماذا اخترت الطب بدلاً من الهندسة, الحياة في الغربة, الطب و ما فيه.

عندما كنت في المرحلة الإعدادية قررت أن أصير مهندس إلكترونيات, و بقي هذا القرار معي إلى أن وصلت الثانوية العامة. خلال كل تلك الفترة قابلت الكثير من الناس الذين يحتكون بمجال الإلكترونيات منهم ناس عملوا في Intel (المكان الذي أردت أن أعمل فيه), و أيضاً منهم من درسوا في الجامعة التي أردت أن أدرس فيها. تعرفت على التخصص و الجامعة, و بشكل عام كانت التوصيات في النهاية منهم سلبية. لم ينصحني أحد أن أدخل تلك الجامعة (ليس لأنها سيئة, و لكن لصعوبتها و ربما أشياء أخرى) و حتى واحد من مهندسي Intel السابقين الذين التقيتهم نصحني أن أبتعد عن كل هذا المجال لأنه ليس بالتشويق و الجمال الذي أتصوره.

كنت مصمماً على ذلك و بدأت إجراءات التسجيل في تلك الجامعة فعلاً. و لكن قبل امتحانات الثانوية العامة دعاني أبي إلى مكتبه و حدثني عن الطب. كنت أحب الفيزياء و الرياضيات… لكن ليس حسابتهما!! أحببت النظريات و لكن ليست كل تلك الأرقام التي تصطف. كما أن عقلي مقتنع أنه ما دامت هناك آلات حاسبة فلا داعي لأن يعمل مركز الحسابات فيه!! جزء كبير من تقييمي لوضعي في الرياضيات و الفيزياء جاء من المدرسة و المنهاج الدراسي, و هو ما اكتشتفت فيما بعد أنه لا يشبه أي شيء من فيزياء و رياضيات الجامعة, كما كل المواد الأخرى في بقية التخصصات.

في فترة من فترات حياتي لم أكن أتصور أن أكون طبيباً لأن تصوري عن الأطباء كان مأخوذاً عن والدي. لم أكن أريد تكوين علاقات مع كل أولئك الناس أو أن أجلس خلف مكتب وقت دوامي. لكن فهمي للطب توسع عندما فكرت في الموضوع قليلاً و وافقت أن أجعله خياراً.

و مع الوقت يتطور فهم الإنسان. و اقتنعت أنه يمكن أن يكون لي هواية لا تتعلق بأي شكل بعملي أو وظيفتي. هذا لا يعني أن تعمل في ما لا تحب, لكن يجوز أن تكون عاشقاً للطب و متقناً له, و في نفس الوقت تتابع مواضيع هندسية أو تدرس بعض الميكانيكا مثلاً.

اختيار الجامعة, و اختيار مصر لم خياراً بقدر ما كان منفذاً متاحاً في نافذة زمنية ضيقة. في البداية أردت أن أذهب إلى فرنسا, لكن لم تكن الظروف مواتية, ثم ذهبت إلى جدة و تركتها لأكثر من سبب. لم تكن الأردن خياراً لأنها تقبل بأوائل الدفعات الفلسطينيين بصعوبة,  والجامعات الإسرائيلية لا تقبل طلاباً عرباً في مواد مثل الطب (قسم من ذلك عنصرية, و قسم منه محدودية المقاعدة فيفضلون اليهود… أيضاً عنصرية. و جزء هو ارتفاع سقف المتطلبات للدخول). تركيا كانت خياراً و لكن لم أجد من يساعدني فيها. ماليزيا, مالطا, ألمانيا… كلها كانت خيارات على القائمة و لكن عدم وجود المساعدة بالمعلومات كانت العائق. هناك عدد لا بأس به من طلاب القدس يذهبون للدراسة في مصر, و كثير منهم طب و هندسة. و رغم النصائح الكثيرة بعدم المجيء إلى مصر إلا أنني كنت مدفوعاً بتأخري سنة في جدة (لم تحسب في الجامعة الجديدة) إلى القبول بها كي لا تضيع سنة أخرى (التسجيل في أغلب الدول كان قد انتهى, لأنني احتجزت ما يقارب الشهر في السعودية من أجل إنهاء إجراءات ترك الجامعة و ما على ذلك من التأشيرات و الكفالة و الإقامة إلخ).

الحياة في الغربة تختلف باختلاف البلد, لكن تجتمع كلها بأنها بعد عن الأهل و عناء في السفر. سواء أكانت رحلتك بالطائرة (تفتيش المطار و الفحوصات الأمنية الكثيرة) أو براً (وعورة الطريق, تعاسة وسيلة النقل, خطورة المسير). لكن هناك ميزات أيضاً. فأنت بعيد عن أهلك و لا رقابة, فهذا اختبار حقيقي لك. الغربة تعلم الغالبية الاعتماد على النفس و التصرف في بعض المواقف. أنت مسؤول عن نفسك بالكامل, مالياً و أخلاقياً و دينياً و في كل النواحي.

صعوبة الغربة تعتمد على البلد. فالمغترب في بلد يقترب من عادات و تقاليد بلد الأصل, مثل الفلسطينيين الذين يدرسون في الأردن, يكون تأقلمه الاجتماعي أسهل. و لكن في مقابل ذلك قد يعاني لتقبل أشياء لم يعتدها أو تعتبر من المسلمات في بلده (مثل الوقوف على الإشارة الحمراء, أو وجود مواقف للحافلات…). و المغترب في بلد أوروبي لن يعاني من الناحية المعيشية (ما أقصده النظام و الترتيب), و لكنه قد يواجه صعوبات في اللغة أو التقاليد و الاجتماعيات, و أحياناً قد يحس بأنه منبوذ.

نهاية الأسئلة هي عن الطب و صعوبته. في الحقيقة, الطب ليس صعباً جداً. صحيح أن مواده طويلة و ثقيلة إن قورنت بتخصصات أخرى, لكن بعد فترة قصيرة من بدء الدراسة يتقبل الطالب بأن هذا هو “الطبيعي”. ربما قد أكون كتبت بعض المبالغات من قبل (قليلاً🙂 ), لكن ما كنت أقصده في تدوينات “صعوبة الطب” ليس صعوبة دراسته أو اجتياز المرحلة الجامعية فيه, فهي مرحلة و ستمر كما مر بها آلاف من الطلاب قبلنا. و لكن الصعوبة هي فيما بعده. الطب نمط حياة يتطلب من الإنسان أن يضحي بجزء منه كي يكون طبيباً, و من لا يفعل ذلك هو من ينعته الناس بالطبيب السيء حتى و إن كان ماهراً في عمله. الصعوبة في الطب هي أن تدرك أنك سخرت حياتك لهذا الطريق. فالطب لا يأخذ إجازة, ليس دواماً بساعات محددة. ليس كالمهندس الذي يذهب إلى عمله ثم يعود مساءً… المهندس لن يأتيه اتصال في منتصف الليل بأن بعض البراغي و الصواميل هربت من الدرج خلسة, و أن لوح الرسم انقض على الأقلام لينتقم! ليس شرطاً أن كل فروع الطب هي كذلك, طبيب الطوارئ مثلاً لديه ساعات عمل محددة يعود بعدها إلى بيته (لأن الطوارئ دائماً فيها “حالة طوارئ” و هناك دائماً مجموعة من الأطباء تتولى الأمور)… لكن أظن أن قصدي وصل. هي طريقة حياة, عليك تقبل أن جزءاً منك سيأخذه الطب مهما كان ذلك الجزء, هواية ً أم أصدقاء أم غير ذلك.

  1. zako
    أبريل 21, 2013 الساعة 00:16

    ما شاء الله عليك حقيقة استفت كثيرا من هذه التدوينة, شكرا أخ عبدالرحمن وأنا لا أبالغ عندما أخبرك بأنك أحد الأسباب التي جعلتني اختار الطب ليكون الطريق الذي سأكمل فيه بقية حياتي ” ولكن مسألة اختيار الجامعة و البلد ما زالت مشكلة ليست عندي فقط ولكن عند الجميع ” الله المستعان .

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: