الرئيسية > Foreigner's Diary مذكرات مغترب, Misc. منوعات > أحسن دكتورة و أفضل قسم

أحسن دكتورة و أفضل قسم

بسم الله الرحمن الرحيم

أحسن دكتورة و أفضل قسم

بشكل عام, كل طالب عنده مادة مفضلة أو أستاذ محبب. بعض الطلاب يكره الدراسة كلها و كل المعلمين. آخرون يتأقلمون مع المواد و متطلبات الدراسة و لا يهتمون كثيراً بالمدرس.

عندي في الجامعة دكتورة تدرس مادة ً ما (فرعية إلى حد). أستطيع القول بموضوعية أنها ليست أفضل دكتورة في التدريس, و لا بالتعامل. و لكن هذا يعتمد على تعريف الإنسان للتدريس و مدى أولولية التعامل في سلمه.

يبدو أن الطلاب (في جامعتي على الأقل) يتنازلون عن التعامل مقابل العلامات, و هم راضون بذلك.

ما هو تعريف المدرس الجيد؟ هل هو المدرس الذي يعطيك الفهم و الإلمام بالمادة, أم الذي يعطيك مجموعة ً من السطور تحفظها و السلام؟

اعتدت طوال السنين الماضية أن أرى الطلاب سعداء و يهللون لأي مدرس أو منفذ يضمن لهم العلامات و لا يهم الفهم أو المعلومة, لكنها المرة الأولى التي يثار فيها كل تلك الضجة و التبجيلات! من تكريمات, و رسائل شكر, إلى زيارات و التصاق دائم بغرفة المكتب, و الكثير من الوعود بدخول تخصصها (أو التحسر على عدم قدرتهم على دخوله “لأن عندهم ارتباط سابق بتخصص آخر”!). و هو أمر لم يحصل مع أي دكتور آخر و أي قسم, رغم أن ما درسوه كان أساسياً.

القسم هذا صغير, و كما قلت ليست مادة ً أساسية في ممارسة الطب, لذلك فإن الترابط أكبر (لأن إدراته مباشرة, و عدد المدرسين المساعدين قليل). هل يحسنون التلقين؟ بكل تأكيد. هل يعطون معلومات يستفيد منها الطلاب (كمعلومات, و ليس هل التخصص مفيد أو لا)؟ لا.

لا يستفيد الطلاب كثيراً عندما يحفظون مجموعة ً من الجمل تحت صورة ستأتي كما هي في الامتحان. لو أتت صورة أخرى بنفس الخصائص مكانها لن تعرفها الأغلبية. كما لا يستفيد الطلاب عندما يعلمون أن الامتحان أسئلته لن تخرج عن مجموعة محددة مسبقاً. كل هذا لا يساعدهم, و لا يصب في خانة حسن التدريس.

لكن, بما أن هذا يضمن العلامة و النجاح بنسبة عالية, فمن يهتم؟ من يهتم أن نصف وقت المحاضرة يصرف في الحديث عن مغامرات و قصص؟ من يهتم أن المعلومات قديمة أو غير صحيحة؟ من يهتم أن اللغة غير سليمة و فيها من الأخطاء ما لا يغتفر؟

ليس سراً أن الجامعة مصممة لتخريج الأطباء (أو المهندسين و غيرهم. أياً كان التخصص), و هذا يعني اخراج أكبر عدد منهم ليدخل التالي لتستمر دائرة كسب المال. هذا سر لا يخفى و تعلمت منذ السنة الأولى أن أهمله. لكن لا أستطيع أن أهمل من يدعون أنهم يحاولون تخريج أفضل الأطباء! تخريج أفضل الأطباء لا يكون عندما تكون هناك نسبة عظيمة لا تعلم أساسيات في الطب. يمكن تدريب الحيوانات كالفئران و الكلاب على “حل” المسائل الرياضية. هم بالأحرى يحفظون أشكالاً أو ارتباطات الأرقام ببعضها. فيمكنهم حل 1+2 إن دربتهم على ذلك, لكنهم لا يفهمون المبدأ وراء ذلك. و بالتالي لا يستطيعون حل 3+4, أو حل موزتين و موزة.

أستطيع أن آخذ العلم وراء الكلام الذي يقال, أو أحفظ كما يحفظ المكررون. و الكل لديه الخيار هذا. لكن لم كل هذا التمجيد و المديح؟ لأن العلامة أهم من العقل عند المادح. و يدخل تحت باب العقل العلم, و تفكيرك, و آرائك. ما دامت العلامة (و بعد الجامعة الوظيفة و المرتبة و المال و هكذا) موقعها في سلم أولويات حياتك أعلى من كرامتك و حق التفكير فلن تتأثر أو تفهم ما أقول. لأنك اخترت النتيجة دون أن تدرك أن الهدف من الرحلة كلها هو ما في ثناياها. كما أن الهدف في الألعاب الإلكترونية هو المتعة و تمضية الوقت (و بالتالي من يستعمل أدوات للغش لينهيها بأسرع وقت لم يستفد منها بشيء), كذلك الهدف في الدراسة ليس العلامة بل ما في الطريق إليها. و الهدف من الطريق كله هو عقلك و تفكيرك, فإن بعته فما جدواها؟

هل تهلل لمن يخبرك كل الوقت أن تعمل عقلك و تبدي رأيك, ثم لما تخالف الرأي المفروض تقمع و تقصى؟ من الواضح أن الكثيرين مستعدون لذلك, في الجامعة و خارجها… ثم تبدأ حلقة العبودية و السير في القطيع, و إرسال التحايا و هدايا التقدير.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: