مجتمع الكومباوند المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

مجتمع الكومباوند المصري

صورة كومباوند في كندا, مأخوذة من ويكيبيديا

ينتشر في مصر ما يدعى بالكومباند (و قد يدعى بالتجمع). و هو مساحة من الأرض, خاصة, لبناء عقارات سكنية. الكومباند مساحة خاصة لملاكها, تطورها و تديرها شركة استثمارية, بغرض بيع البيوت للأثرياء. و تلك المساحة في الغالب معزولة و مغلقة تشكل مدينة ً منفصلة ً بأهلها.

فكرة الكومباوند ليست مصرية. فهي موجودة في بلدان أخرى, مثل أمريكا, و في السعودية. لكن الفرق أن المستوى المعيشي في أي من البلدين أعلى من مصر. و رغم أن الكومباوند السعودي, على سبيل المثال (لأنني دخلت الكثير منها), يضم أغنياء و مغتربين لهم مساحتهم من الحرية بمعزل عن بقية السعودية, إلا أن الأثرياء ليسوا محصورين في تلك المنشآت.

زرت اليوم, لأول مرة, كومباونداً مصرياً. دخلت أسواره و أمضيت بعض الوقت فيه. الكومباند يقع في منطقة صحراوية. و رغم أن المنطقة حديثة, و لا تحيطها قرىً, إلا أن الفرق بين مستوى الكومباوند و المدينة واضح و كبير.

الكومباوند له أربعة بوابات, طوله حوالي 3 كم, و عرضه 1 كم. يحيطه سور و شجر. المداخل عليها حراسة, و لا يدخلها أحد بدون إذن أو مرافقة لأحد السكان. البوابات ليست مجازية؛ المداخل مقفلة و تفتح فقط عن الدخول أو الخروج.

الكومباوند مقسم إلى شوارع عرضية, و شارع دائري حول محيطه. و المباني عبارة عن بيوت بطبقتين (فيلا), مساحتها أكثر من 300 متر مربع. لكل بيت جراج, و حديقة أو ساحة خلفية. على زاوية كل شارع عرضي (الشوارع العرضية تتقاطع مع الشارع الدائري) هناك فرد أمن يجلس طوال اليوم. في منتصف الكومباوند هناك ناد ٍ رياضي و ملعب غولف بمساحة شاسعة.

الملعب فيه بركة سباحة, عدة ملاعب للعديد من الرياضات, و المساحة الخضراء الكبيرة التي يفترض أن تكون ملعب غولف. هناك أيضاً بركة صناعية في ملعب الغولف.

رأيت في الكومباوند بعض السكان يمشون (و هذا نادر, لأن الجميع يمتلك سيارة), و هم مختلفون تماماً عن أفراد الأمن أو العمال الذين يهتمون بالمساحات الخضراء و البساتين, أو الذي يقومون بأعمال البناء و التصليح (مررت على بيت كان يمر بعملية تصليح أو بناء).

الكومباوند كفكرة على إطلاقها ليس فيها عيب, إن قررت مجموعة من الناس بنفس المستوى أن تعيش مع بعضها فهم أحرار (رغم أن الصحيح أن يختلط الفرد من المجتمع بباقي أفراد مجتمعه). و لكن هذا مشروط بأن يكون البلد قد استوفى شروط التقدم, أو الرفاه, ليصير المجال مفتوحاً أمام مرحلة تالية من الرفاهية هي الكومباوند و المساحات الخضراء الشاسعة. و لكن في بلد يعيش حوالي نصف سكانه تحت خط الفقر, و نسبة البطالة فيه بين الشباب تصل إلى 50%, بلد تعتبر الـ 1000$ فيه مبلغاً ضخماً, و ميسور الحال يتقاضى 600$ كمرتب شهري… في مثل هذا البلد إنشاء كومباوندات يجب أن يوضع ضمن الجرائم.

العقارات في مصر ليست رخيصة, و بالأخص العقارات الحديثة في المناطق الجديدة. الكومباوند تشتري الشركة المطورة له الأرض من الحكومة, و في أغلب الأحوال تكون الشركة لها علاقاتها في الحكومة, و تشتري الأراضي بأسعار تقترب من التراب. مرة ً أخرى, في بلد لا يعاني, أو يتساوى فيه الجميع, يمكن أن تعتبر شبه المنح تلك من الحكومة للشركات كخطوة لسد الحاجة السكانية من المساكن, و لكن الشركات تلك لا تسد “حاجة”, لأنها تجارية ً تستهدف شريحة محددة ً جداً من المجتمع, و هي الأثرياء. الأثرياء لا يعانون من نقص الأماكن السكنية, و لكن الفقراء لا يجدون المسكن.

الكومباوند في داخله عالم منفصل عن مصر, هو على أرض مصر, و لكنه ليس من مصر! صدقاً نسيت أنني في مصر في إحدى اللحظات و أنا أتجول وحيداً. السكان ثرائهم مرتفع. مرأى السيارات الألمانية ليس غريباً, و أغلب البيوت أمامها أكثر من سيارة. البيوت التي أمامها أكثر من سيارة غالية ليست قليلة. أحد البيوت وقفت أمامه ثلاث سيارات مرسيدس, و سياراتي تويوتا (يبدو أنها للأولاد!). الشوارع نظيفة, و الخضرة من عشب و ورود تعم رغم أننا في الصحراء. الجو هادئ جداً, لا ضجيج, لا دراجات نارية تطلق أبواقها, أو سيارات أجرة تنادي! الحياة فيه مريحة جداً.

و لكن هذا هو بيت القصيد. مصر ليست كذلك! الشعب لا يعيش في مدن نظيفة مرتبة, خضراء و مزروعة, شوارعها مرصوفة و ملساء. الشعب أغلبه لا يمتلك سيارة حتى, و سعر أرخص سيارة مستعملة ليس أقل من 10,000 جنيه.

من حق الغني أن يتمتع بماله, إن كان كسبه بالحلال. و لكن أيضاً من حق الفقير و العادي من الشعب أن يكون لديه ما لدى الغني. صحيح أن الأغنياء اشتروا بأموالهم تلك البيوت. و لكن الحكومة فضلتهم على البقية حتى و إن لم يشعروا بذلك. فالأرض التي بني عليها الكومباوند كسب منها المسؤولون. و المساحات الخضراء تستهلك كميات عظيمة من الماء في بلد يفترض أنه يمر في أزمة كهرباء و ماء. الكومباوند هو حفرة النعامة للأغنياء, يعملون في شركة على طراز أجنبي (ربما في نفس محيط المنطقة الغنية حيث تظهر مساحات مكتبية أيضاً), ثم يعودون ليعيشوا في قرية خاصة بهم لا سلطة لأحد عليهم و كل شيء متوفر.

الكومباوند مشكلة لا أستطيع أن أقدم حلها, لأن الحل ليس في القاعدة. بل هو في رأس الهرم. الحل هو تغيير سياسات الحكومة الفاسدة. كل تلك المساحات التي تمنحها الحكومة للشركات الاستثمارية لتبيعها للأغنياء, أين حق الفقراء في مدنهم و بيوتهم التي يستطيعون شرائها بسعر معقول؟ أين حق الفقراء في الكهرباء و المياه التي تنقطع مرات في اليوم؟ أين حقهم في شوارع نظيفة و مرصوفة؟ بل أين حقهم في مرتب عادل و عدالة اجتماعية؟

الفجوة بين عامل النظافة أو البستان في ذلك الكومباوند اتساعها مهول تبتلع جبالاً. ترى ما هو شعوره و هو يرى الأثرياء يلهون و لديهم الوقت للإلتفات لكماليات الحياة؟ ما هو شعور كل أولئك العمال الذين يتقاضون مبلغاً شهرياً قد ينفقه أحدهم على غداء في أحد المطاعم؟ ما هو شعورهم و هم يدخلون الكومباوند كل يوم في سيارة توصلهم لمكان عملهم المنوط بهم, ثم تجمعهم آخر النهار من أنحاء الكومباوند؟

كثيرون قد لا يتلفتون لكل ذلك, أو لا يخطر لهم. و يبدون الإعجاب بخضرة الكومباوند و ترتيبه, و نضارة العيش فيه. قد يظن القارئ أنني سوداوي أو متشائم, بدلاً من الاستمتاع بيومي داخل أسواره رحت أبحث عن العيوب و النواقص. و لكنني لست كذلك. وجود تلك الكومباوندات وسط صحراء البؤس و مدن الفقر جريمة و عار. إنه إثم عظيم و كبيرة. وجود فرق بين المدينة العادية و كومباوند الأثرياء بذاك الاتساع ليس طبيعياً و لا عادياً.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. مارس 8, 2015 الساعة 19:37

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: