ضاغط أزرار المصعد

بسم الله الرحمن الرحيم

ضاغط أزرار المصعد

By Bidgee (Own work) [CC-BY-SA-3.0], via Wikimedia Commons

في مصر (و الوطن العربي عموماً) توجد الكثير من الوظائف المخترعة التي ليس لها أهمية سوى أنها وظيفة للشخص, لكنها ﻻ تؤدي مهمة أو هدفاً حقيقياً. أحد تلك الوظائف هي وظيفة ضاغط أزرار المصعد. و هو شخص يقف في المصعد و يضغط زر الطابق الذي تقصده. و لا مانع أن يكون ذلك الشخص هو من يقرر من يستقله و من لا يحق له ذلك.

الهدف من تطوير المصاعد في القرن الماضي كان تحسين السلامة و السرعة و السعة, و لكن أيضاً جعلها أسهل بحيث لا تحتاج إلى شخص لتعمل. فالباب يغلق تلقائياً, و اﻷزرار الإلكترونية ترسل الإشارات إلى الإلكترونيات التي تتولى تنسيق المطلوب و تنفيذه. فلم عاد الزمن إلى الوراء في مصر ليعيد وظائف يفترض أن التكنولوجيا الحالية حلتها؟

ضاغط أزرار المصعد ليست الوظيفة العقيمة الوحيدة في مصر. هناك أيضاً صبي القهوة, التي تتلخص وظيفته أن يجلب المشروبات للموظفين. هل صارت مهمة غلي الماء خلال دقائق و وضع وريقات الشاي أمراً فوق الاحتمال؟ و هناك الشخص الذي يقف في الشارع حيث تقف السيارات و يصفر ليتقاضى نقوداً على تصفيره و مجرد وجوده هناك (ما يحاولون قوله للناس و كذبه ﻷنفسهم هو أنهم يقدمون خدمة التوجيهات لسائق السيارة خلال عملية الوقوف). هناك الشخص الذي يقف على أي باب ليفتحه و يقفله (طبعاً من باب أن مقبض الباب من أكثر اﻷماكن تجميعاً للبكتيريا, فهو يضحي بصحته من أجلك). هناك الكثير من الوظائف التي يفترض بالناس أن يؤدوها بأنفسهم و لكننا نجد شخصاً آخر أوكلت إليه. و موظف وضع ما اشتريته في أكياس في المحلات الكبيرة.

في حالة ضاغط أزرار المصعد, قد تكون مهمته هي تنفيذ تعليمات منع فئة من الناس من استخدامه. و لكن هذه المهمة بذاتها غير منطقية و غير أخلاقية.

تتكاثر مثل تلك الوظائف في الدول المتخلفة و المفلسة إدارياً. فتبدأ الدولة, و من بعدها الشركات, باختراع وظائف فارغة لتوفير عمل للجموع التي ﻻ تجد عملاً. من نتائج تلك السياسة مثلاً موضوع التصديقات التي تطير شهرتها في اﻵفاق. فنجد أن اﻵلة البيروقراطية تتطلب الكثير من الأختام و الطوابع من مختلف الأقسام و الموظفين, و بطلب كل تلك الأختام اخترعت وظيفة لذلك الموظف الذي ليس هدف سوى أن يرفع ختمه و يهوي به على الورقة, ثم تقسم الأختام كل واحد على موظف في نفس الدائرة… وظائف للجميع!

الدول المفلسة سياسياً تكون دولاً مفلسة إدارياً و اقتصادياً. و هذه نتيجة محتمة رغم ما قد يبدو عكس ذلك باﻷرقام. و الإفلاس الإداري الحكومي ينعكس على الشعب و القطاع الخاص. سواء كان ذلك بالتأثير المباشر (بأن يقلد الناس تلك السياسات الإدارية في المؤسسات الخاصة), أو بالتأثير غير المباشر على فرص التنمية الاقتصادية, فتفرض الإجراءات الطويلة و المعقدة لإنشاء الشركات و متطلبات وجودها, و توضع القيود على أنواعها أو أنواع الأنشطة التي يمكن للفرد ممارستها. و مع الوقت يصير نموذج الإقتصاد المنتج صعب التحقيق لعامة الشعب, فيتجه الاستثمار نحو الاستهلاك ﻷنه أسهل (و مع الوقت قد يحتكر أيضاً ﻷصدقاء الحاكم إن كان طريقاً سهلاً للغنى). فبدلاً من بناء مصنع يشغل اﻷيدي العاملة, يحتاج إلى الكثير من الإجراءات و التصديقات, و الرشاوى طبعاً, ثم يواجه الكثير من الصعوبات في استيراد المواد و تصدير المنتجات (ﻷنها تحتاج إلى المزيد من الإجراءات و التصديقات و الرشاوى), يمكن للمستثمرين أن يبنوا مراكز تجارية تحتاج إلى إجراءات أقل (و لمرة واحدة) تستقطب اﻷغنياء, ثم يؤجروا المساحات بأرقام عالية. المستثمر ليس عليه أن يشغل ضميره بواجب تشغيل الأيدي العاملة ﻷنه رمى ذاك الحمل على المحلات التي استأجرت عنده. أعد تطبيق الفكرة على كل مساحة فارغة تبدو و كأنها في موقع يمكن أن يستقطب الزبائن.

و في وقت ما خلال القرن الفائت أو أواخر الذي قبله, بدأ اﻷغنياء اختراع وظائف لينفقوا فيها أموالهم و يجلسوا مرتاحين بقية النهار. فصار هناك سائق شخصي (ﻷن قيادة السيارة أمر صعب), و هناك بواب يفتح لك الباب لتشعر بعظمتك (و ربما يبيع بعض الحشيش, و يمنع الوجوه البائسة من تنغيص حياتك المهمة), و هناك ضاغط أزرار المصعد (الذي ﻻ أريد تسميته مشغل المصعد, ﻷن المصعد لا يحتاج لمن يشغله) كي ﻻ تأثم أطراف أصابعك بلمس ما لمسه من لا تعلم من يكون, و ما المانع أن يكون ذاك الضاغط هو الذي يحميك من مشاركة المصعد مع من هم دونك؟

و كم هو مهم عملك و وقتك بحيث أن لا تستطيع أن تنظف الكأس الذي تشرب فيه القهوة أو الشاي, و لا يمكنك غلي ربع لتر من الماء في الإبريق الكهربائي لتصبه على معلقة السكر و كيس الشاي؟ كم يساوي جهد حملك لمخلفات أكلك إلى سلة القمامة في طريقك؟

أنا لا أعتقد أن الشركات الخاصة تحب إنفاق المال على تلك الوظائف, و لكنها صارت محفورة في ذهن المدراء أنها من الضرورات فتوقفوا عن التفكير فيها. الشركة قد تواجه الصعوبات المالية فتحاول تقليل إستهلاكها و قد تسرح الموظفين… و لكن صبي القهوة ليس بالحساب أبداً!

هل أنا ضد صبي القهوة, و ضاغط أزرار المصعد, و البواب؟ نعم. و لكنني لست ضد شخصه. ﻷن ذلك الإنسان يقوم بوظيفة مهينة (و هو قد لا يكترث لذلك, لكنني أكترث) و غير منتجة. هذا النوع من الوظائف ليس فيها التشجيع و الدافع الذي هو أساس رقي المجتمعات. هذا النوع من الوظائف هو شكل من البطالة الموظفة, صاحبها عاطل عن العمل, لكنه يذهب إلى عمله كل يوم!

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: