لم الأطفال؟

لم اﻷطفال؟

Family by Edwina Sandys

By Moumou82 (Own work) [CC BY-SA 3.0 (http://creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)%5D, via Wikimedia Commons

عما قريب, يتوقع المتجتمع مني أن أتزوج, ثم أنجب بعض الأولاد “لأعيش حياتي”, لأكمل بذلك الدائرة الأزلية التي تسير عليها كل أمور مجتمعنا… لأن المجتمع “قانونه” كذلك.

لدي تحفظاتي على الزواج, و لكنني لم أخرجه بشكل تام من حساباتي. بل على العكس, الشريكة المناسبة أمر جيد. و لكنني حتى الآن لم أفهم ما يدعى بدائرة الحياة, و لم نفعلها. لأنني لا أريد أطفالاً.

يستهجن كثيرون قولي أنني أحتاج للمبررات لإنجاب الأطفال. لم ينجب الناس الأطفال؟ الكثير من الناس يجعلون إنجاب الأطفال هدفاً في الحياة يجعل الزواج مجرد خطوة في الطريق. لا يتزوجون من أجل الاستقرار و مشاركة الحياة مع شخص آخر بقرب, و لكن لإنجاب الأطفال. ألا يعن على البال لم “يجب” علينا أن نفعل هذا؟

الإجابة المعهودة و المتكررة في مجتمعنا هي “سنة الحياة”. و لكن هذا ناقص الصحة, و هي إجابة قاصرة مقتضبة تبسط الأمور أكثر مما يجب. من المبررات الأخرى هي استمرار البشرية, و لكنني أجزم أن لا أحد فكر بالبشرية عندما أنجب الأطفال (كما أن البشرية لن تتوقف بسبب حتى دولة كاملة), و يتبعها استمرار النسب و الخلف (و هو سؤال آخر له صلة بالموضوع, لم يريد الناس المحافظة على استمرار اسم العائلة؟).

هناك تلك الإجابة التي تقول أن الأطفال زينة الحياة, و أنهم يساعدون عند الكبر, و أنهم قد يكونوا سبباً في سعادة أهلهم. و لكنها كلها أشياء أنانية تتمحور نحو “أنا”, و ليست حتمية الحدوث. قد لا يكونوا زينة, و ربما لن يساعدوا عند الكبر لبعدهم أو عقوقهم, و قد لا يحققوا ما يرجوه الأبوان. ثم إن إنجاب الأطفال هو سبب مباشر لتعاستهم إن تعسوا.

الأطفال عبءٌ مادي و نفسي كبير جداً. المنطق يقف بقوة ضد الأطفال, و لكن بالطبع تستمر البشرية بإنجاب الأطفال. لا أنكر أن إنجاب الأطفال مبرمج في عقولنا, و لكن عقولنا أيضاً تستطيع التحكم بتلك البرمجة (و هو ما يميز الإنسان عن الحيوانات الأخرى). و أنا هنا لا أدعو أحداً إلى عدم الإنجاب, و لكنني أبحث لنفسي عن أسباب الإنجاب.

يقيد الأطفال حياة والديهم, و هم سبب شائع لتدمير أحلامهم و مخططاتهم. و هذا أكثر ما يخيفني و ينفرني. هناك فرق بين التخلي عن أهداف أو أحلام لتطور الفكر و إتضاح إما بساطتها أو استحالتها, و التخلي عنها للجبر؛ “دائرة الحياة” التي رأيتها في كثير ممن حولي. كم منهم كانت له مخططات و أحلام كثيرة؟ كم منهم تحول هدف حياتهم إلى “الأطفال”؟ هل يتركون المخططات و الأهداف لأنها لم تعد ممكنة, و من ثم يقنعون أنفسهم بالهدف الجديد, الأطفال؛ أم أن أهدافهم فعلاً تتحول عن اقتناع كامل؟

مهما كان الجواب, يبقى الواقع أن الأطفال قيد عظيم. فكيف للأب أو الأم أن يتركوا عملهم و هم لديهم أفواه ليطعموها, و فواتير ليسددوها؟ كيف لهم أن يفعلوا ما يشاؤون و ورائهم أطفال؟ تصير العجلة اليومية هي الهدف (نوم, عمل, أطفال), و في داخلها نحاول البحث عن قشة نتمسك بها لنبرر تلك العجلة أو نجد فيها بعض السلوى.

ثم إن تربية الأولاد مسؤولية عظيمة من الواضح أن الأغلبية لا تؤديها. بل إنني أجزم أنه من اللامسؤولية إنجاب الأطفال في بلدنا هذه, فلا طفل يستحق أن يمر بكل المآسي التي نمر بها. نحن فرض علينا الأمر و صرنا هنا, و لكن الأطفال لم يصيروا بعد.

الأطفال مسؤولية ضخمة جداً, و أظن أنه أحد أقل الأفعال التي يفكر بها الناس. لا يجوز أن يكون الأطفال أمراً “يحدث”, لأنهم حياة. و هذا شيء عظيم و خطير. هل فكر أحد كيف أن شخصين ينتجان ثالثاً لم يكن له رأي أو اختيار فيه؟ كل مسؤوليات ذاك الإنسان الجديد و ما يترتب عليه في حياته و دينه هو نتاج لفعل لم يختره و لم يكن يستطيع ليمنعه أو يسمحه. لم أتوصل لسبب أبعد من الأنانية لإنجاب الأطفال (و دافعها غرائزي بالأساس). يمكن للوالدين أن يكذبا على نفسيهما قدر ما أرادوا, السبب الوحيد المؤكد هو الأنانية (سواء الأنانية لإرادة الأطفال, أو أنانية الفعل). ما بعد ذلك من المبررات هي مجرد مبررات, فلا ضامن أن هذا الطفل سيكون مكتشف الطاقة العجيبة النظيفة, أو مخلص العالم من الشرور (بل إن علم الاحتمالات يؤكد أن هذا الطفل لن يكون كذلك بنسبة ضخمة).

و لم يهتم الناس بترك بصمة أو استمرار البشرية بعد موتهم؟ لن يكون لنا إدراك شيء في هذه الدنيا بعد موتنا, فلم نكترث إن استمرت البشرية أو لا؟ و لم نهتم بأن يحمل بشر أسماءنا بعدنا؟ كلها أسئلة فلسفية تدور بلا إجابات واضحة.

في النهاية, أمر إنجاب الأطفال يتعلق بالزوجين وحدهما. و بهذا فإنه لا يمكنني أن أقول لأحد ألا ينجب (أو أن ينجب). كما أن السؤال يبقى فلسفياً في قلبه, و إحدى غايات الحياة هي البحث عن إجابات تلك الأسئلة الوجودية. و قد تتطور أفكاري أو يتوضح لي ما لا أعقله اليوم غداً.

  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: